القاهرة ـ «القدس العربي» لا يزال الوضع على حاله لم يتغير بالنسبة لاهتمامات الأغلبية، وسائل الإعلام والكتاب والسياسيون في معارك ساخنة على ورق الصحف والمجلات، وفي قنوات التلفزيون المصرية والنت.
بينما الأغلبية تدير ظهرها لكل ذلك، فلا يزال اهتمامها بموجة البرد ووفاة الفنانة فيروز وما ستنتهي إليه المفاوضات بين الحكومة ومجلس النواب على إدخال التعديلات على قانون الخدمة المدنية، وإعادة وزارة النقل فتح محطة السادات لمترو الأنفاق في ميدان التحرير بعد إغلاقها عدة أيام، تحسبا لأي أعمال تخريبية بها في ذكرى ثورة يناير/كانون الثاني، وترقب زيادة أسعار تذاكر المترو، التي يلوح به وزير النقل لتقليل الخسائر، ومتى سيتم تقديم الاقتراح لمجلس النواب، ومتابعة تصريحات وزير التموين المطمئنة بتوافر السلع الأساسية بالأسعار المخفضة، وتطمينات وزير الري أيضا ونفيه كل الأخبار والتكهنات عن تضرر حصة مصر بسبب سد النهضة، وهو الموضوع الذي يثير اهتمامات قطاعات واسعة من المزارعين وتأثر زراعاتهم بنقص المياه.
كما أن هناك قطاعات أخرى مثل العاملين في السياحة وأصحاب المنشآت السياحية في شرم الشيخ والغردقة، الذين يحرصون على الاهتمام بمتابعة كل ما ينشر عن قرب إعادة روسيا رحلاتها الجوية مع مصر، وكذلك السماح لسائحيها بالذهاب إلى الأقصر وأسوان. أما أصحاب البواخر السياحية فهم يتابعون المفاوضات مع إعادة السائحين البريطانيين والأمريكان والألمان، ورجال الصناعة سعداء بالقرارات الأخيرة للحد من استيراد السلع الرديئة، وغضب الاتحاد العام للغرف التجارية منه، وكذلك ابتهاج شركات المقاولات والعاملين في عشرات الصناعات المرتبطة بها بالاتفاقات مع الصين لبناء المرحلة الأولى من العاصمة الإدارية الجديدة، والاتفاقيات مع السعودية والإمارات.
أما الصحافيون فبدأوا يستعدون لمعركة مع الحكومة، بعد أن أعلن وزير العدل المستشار أحمد الزند أن الوزارة أعدت مشروع قانون لإعلام غير الذي أعدته النقابة. كذلك تصاعد القلق من كثرة ضحايا ضباط وجنود الشرطة في شمال سيناء، بسبب انفجار الألغام في مدرعاتهم وكثرة أعداد القتلى من الإرهابيين والتساؤلات عن حقيقة أعدادهم، هذه هي الاهتمامات العامة للأغلبية.
وواصلت الصحف المصرية التوسع في نشر مقابلات الرئيس في القمة الأفريقية في أديس بابا، خاصة مع رئيس وزراء إثيوبيا ورئيس السودان، وأنشطة معرض القاهرة الدولي للكتاب، ولم يكن هناك اهتمام بقضية الحكم بحبس الشاعرة فاطمة ناعوت، بينما حظيت قضية البلالين على هيئة واق ذكري بالاهتمام الذي سيطر عليه الغضب بسبب ما اعتبره الناس نوعا من قلة الأدب والتجاوز. وإلى شيء من أشياء عديدة لدينا..
الأزهر: النقاب عادة وليس عبادة أو فرضا
ونبدأ بالإسلاميين ومعاركهم وما يتعرضون له من هجمات وانتقادات بدأتها يوم الأربعاء في مجلة «المصور» (حكومية) زميلتنا الجميلة سناء السعيد، بتأييدها قرار منع ارتداء النقاب لاعضاء هيئة التدريس في جامعة القاهرة أثناء إلقائهن المحاضرات، وتأييد محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة للقرار فقالت سناء: «يظل النقاب رمزا للتشدد الديني، وهو في الأصل دخيل على مجتمعاتنا، فلا هو من عادات وتقاليد المجتمع ولا هو من تعاليم الدين، ولا هو رمز للعفة وسمو الأخلاق، فهو مجرد عادة يتمسك بها البعض ويلصقها عنوة بالدين، ولقد أفتى الأزهر بأن النقاب عادة وليس عبادة أو فرضا. كما أن جمهور الفقهاء أكدوا أن وجه المرأة ليس عورة، ومن ثم فارتداء النقاب يعتبر نوعا من التشدد الذي لا محل له، والدليل على عدم شرعيته أن الإسلام أوجب على المرأة أن تكشف وجهها في الحج والصلاة، أويوجد دليل واحد في القرآن والسنة يؤيد تغطية وجه المرأة. ولقد جدد شيخ الأزهر السابق الدكتور سيد طنطاوي الالتزام بقرار مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بمنع ارتداء النقاب داخل كليات جامعة الأزهر والمدينة الجامعية للبنات وأثناء الامتحانات. الجدير بالذكر أن علماء الأزهر وضعوا كتابا بعنوان «النقاب عادة وليس عبادة»، وقامت وزارة الأوقاف بتوزيعه وفيه التأكيد على أن النقاب عادة اجتماعية لا علاقة بها بالعبادة ولا بالدين، وهو ما سبق وأكده فقهاء كثيرون يتصدرهم الإمام محمد عبده، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ الدكتور سيد طنطاوي، والدكتور محمود حمدي زقزوق، والمفتي علي جمعة وغيرهم، فليس هناك نص شرعي واضح وصريح يقر النقاب كعبادة».
صبري عبادة: يتطاولون
على ثوابت الدين بدون ثمة علم
وفي اليوم التالي الخميس نشرت جريدة «اللواء الإسلامي» الأسبوعية التي تصدر عن مؤسسة أخبار اليوم، تحقيقا لزميلنا مهدي أبو عالية، هلل في مقدمته وكبرّ على الأحكام القضائية التي صدرت بحبس إسلام بحيري والشاعرة فاطمة ناعوت، وأجرى حديثين الأول مع مستشار وزير الأوقاف الشيخ صبري عبادة قال فيه وهو في حالة سعادة غامرة: «هؤلاء الأدعياء من بينهم من يدعى «ميزو» من يشكك في صحيح البخاري ومن يتكلم في الحدود وفيها الزنا وأنه لا يوجد ما يسمي «بالرجم» في الإنسانية، مدعيا أن العلاقة بين الرجل والمرأة قبل الزواج ليست زنا، مخالفا الشريعة والأطياف الإنسانية التي تقر بأن العلاقة بين الرجل والمرأة من دون رباط شرعي، هي علاقة زنا، فضلا عن وصف الفتح الإسلامي لمصر بأنه غزو، ويدمغ صحابة الرسول مرة بالإرهاب، كما حدث مع عمرو بن العاص، وبالزنا حين سب خالد بن الوليد. والطامة الكبرى أنه ينفي عصمة النبي «صلى الله عليه وسلم « ويتطاول على مقام النبوة، فضلا عن إهانته الكنيسة المصرية ورموزها الدينية. إن إحالة ميزو وغيره للقضاء خطوة جادة تأخرت كثيرا، حتى يصدر القضاء حكمه العادل، لردع هؤلاء الذين يتطاولون على ثوابت الدين بدون ثمة علم، فضلا عن تشويه صورة المجتمع المصري الذي يفخر بأزهره الشامخ الذي ظل قرابة ألف عام يعلم الدنيا بأسرها. هؤلاء الرويبضة يتكلمون بما لا يعلمون ولا يفقهون شيئا من علم الدين واللغة العربية وقواعدها. هناك بعض الفضائيات وقنوات خاصة متورطة في إشاعة الفتنة بين الناس والتشكيك في العقيدة. أصحاب العلم والفكر لهم سمات وأصول يتعلمونها في محراب العلم والفقه، وأي خروج على هذه السمات والأصول يمثل خروجا على ثوابت الدين ونواقيس الكون».
النقد البناء له وسائله ومقاصده وأخلاقياته
وفي حقيقة الأمر فإن الشيخ صبري يتحامل كثيرا على الشيخ ميزو، وقد شاهدت واستمعت إلى حلقات نقاشية بينهما في بعض البرامج ولم يحدث أبدا أن تطاول على مقام النبوة كما قال الشيخ صبري إنما قال أنه ينزه الرسول «صلى الله عليه وسلم « من بعض الأحاديث التي لا يمكن أن تتفق مع سلوك النبي، ولا تتفق مع القرآن، إنما هي موضوعة وبالتالي لا تقديس إلا للقرآن ولا تنزيه إلا للرسول، وكان الشيخ صبري كلما احتد النقاش يقول للشيخ ميزو إسمع يا ولد.. يا ولد أسمع أبقى تعالي للمكتب وأنا أفهمك. كما أجرى مهدي أبو عالية حديثا آخر مع الدكتور الشيخ أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، هاجم فيه الأزهر لعدم مهاجمته للوهابيين الذين يهاجمونه، ومنعهم من تصدير مذهبهم لمصر كما يطالب الشيعة بعدم تصدير مذهبهم وقال: «إذا كنا ندعو لعدم تصدير المذهب الشيعي، فكذلك ندعو لعدم التصدير المذهبي للسلفية الوهابية في خطبهم وكتبهم وأنشطتهم علانية. والدعوة لتنقية التراث ليست دعوة مرفوضة، لأنه بعض كتب التراث كتبت لظروف خاصة وظروف استثنائية مثل فتاوى «ماردين» لابن تيمية في عهد الحروب الصليبية، وفتاوى محمد بن عبد الوهاب وخلفائه ووكلائه في تكفير المعين حتى أنهم كفروا الأزهر نفسه! ولماذا لم يقم الأزهر دعاوى ضد الجماعة السلفية في الإسكندرية التي تتلاعب بالشريعة الإسلامية فقد عاند ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية في الإعلام علنا رئيس الدولة وشيخ الأزهر ومفتي مصر ووزير الأوقاف في ادعاء السلفية تحريم التهاني والتعازي لأهل الكتاب، ولمسيحي مصر؟ ولماذا يصمت الأزهر عن التحركات المشبوهة للسلفية الوهابية في مصر وغيرها واتهامهم للعقيدة الأشعرية بالزيغ والفساد والبطلان. النقد البناء له وسائله ومقاصده وأخلاقياته وقدرات مناظرات رفيعة المستوى مع الخوارج، حيث وجه الإمام علي، رضي الله عنه، سيدنا عبد الله بن عباس، رضي الله عنه، إلى الخوارج للمناظرة، وحصلت المناظرات بين الإمام مالك بن أنس، رضي الله عنه، والإمام الليث بن سعد، وكانت هناك مناظرات بين المعتزلة ومخالفيهم من الفرق الإسلامية، من دون دعاوى قضائية ولا أحكام بالردة أو التكفير. من واجب المؤسسات الدينية أن تدعو المخالفين إلى كلمة سواء، فإذا كان هذا مع أهل الكتاب، فما بالنا بأهل القبلة الواحدة. إن هذه المناظرات ستعنى بإبلاغ الحق من باب «ألا هل بلغت اللهم فاشهد»، لعل المخالف يهتدي بمكارم الأخلاق. ومن نماذج ذلك الأستاذ خالد محمد خالد في بداياته الفكرية، وكذلك الطبيب مصطفى محمود والأديب طه حسين وغيرهم، من الذين تنكبوا الطريق فترة ثم عادوا حراسا للثقافة الإسلامية».
فرق واسع بين حرية الرأي والسباب والشتائم
هذا ما قاله الشيخ صبري والدكتور كريمة، أما زميلنا وصديقنا في «الأهرام» نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد فقال في يوم الخميس نفسه في عموده اليومي «نقطة نور» عن شيخ الأزهر: «من حق الإمام الأكبر الشيخ الطيب أن يغضب من الحملة الشعواء هجوما على مؤسسة الأزهر الشريف، التي جاوزت معايير أدب الحوار والنقد الموضوعي الهادف، والحق في حرية الرأي والتعبير، لتبلغ حد البذاءة والاجتراء على الحقيقة! وتشيع دون حق اتهامات كاذبة بأن الأزهر ينتج فكرا فاسدا، هو في جوهره فكر تنظيم «داعش». لم أر الشيخ الطيب غاضبا من جمهور المثقفين المصريين مثلما رأيته أخيرا يعتب عليهم صمتهم المطبق إزاء اتهامات ظالمة وصلت إلى حد الافتراء والكذب، يتم تصنيفها زورا تحت حرية الرأي والتعبير، لأن الأزهر لا علاقة له البتة بالدعاوى القضائية ضد إسلام بحيري أو غيره من الذين اتهموا الأزهر بجمود الفكر، أو أنه ينتج فكر «داعش»، لأن الأزهر يرفض هذا المنهج، وعندما فكر مرة في أن يرفع دعوى قضائية ضد واحد من هؤلاء سارع الشيخ الطيب إلى طلب سحبها. صحيح أن الأزهر طلب من الهيئة الاستثمارية التي تشرف على المحطات الفضائية الخاصة، النظر في وقف برنامج إسلام البحيري، لكن القرار كان قرار الهيئة الاستثمارية، بعد أن ثبت لها بالفعل أن البرنامج جاوز حرية الرأي إلى حد اتهام الأزهر زورا والتحريض عليه، فضلا عن خشونة كلماته! وأظن أن من حق الجميع أن يعرفوا نص كلمات الشيخ الأكبر. نحن مع النقد المحترم وليس مع الإسفاف والكذب والافتراء، والإسلام يحض على حق الاختلاف، ويقبل بالحوار والمجادلة بالحسنى. والأزهر مع حرية الرأي والفكر، لكن حرية الرأي لا تعني الافتراءات على الحقيقة، واتهام الأزهر بأنه ينتج فكر «داعش»، لأن هناك فارقا واسعا بين حرية الرأي والسباب والشتائم».
الأزهر يستخدم أسلوب الهمز واللمز
لكن زميلنا في «المقال» سمير درويش تعمد بعد يومين فقط من نقل مكرم لشكوى شيخ الأزهر أن يضايق الشيخ بقوله يوم السبت: «المضحك المبكي أن تصدر هيئة كبار العلماء بالأزهر بيانا ضد شخص هو الدكتور سيد القمني، من دون أن تذكر اسمه صراحة، بأن تستخدم أسلوب الهمز واللمز حين يقول «إن واحدا من هؤلاء المتمركسين الذين يناصبون الأزهر العداء، يعلن أن الإسلام دين مادي ويختزله في مجرد مشروع سياسي هو مشروع الحزب الهاشمي الذي أسسه عبد المطلب ونفذه حفيده محمد لإقامة الدولة العربية «، وذلك لأنه جمع توقيعات تدعو لاعتبار الأزهر مؤسسة إرهابية على موقع جمع التوقيعات «أفاز». كما ظهر في برنامج تلفزيوني يدافع عن ذلك. إذا كان الأزهر كما يقول الدكتور أحمد عمر هاشم، الذي هيج الطلاب، وكعبة العلوم النافعة في الدين والدنيا، ومعقل الدين الحنيف وحامي الدين واللغة العربية والقرآن الكريم «فلماذا يهتز بهذا الشكل أمام انتقاد فرد واحد أعزل لا تحميه دولة ولا مؤسسة؟ ولماذا لم يجابهه فكريا ويطلب مناظرته؟».
فاطمة والأضحية
ونظل بالقرب من دائرة المعارك بين الإسلاميين وبسببهم والأزهر أيضا، في قضية حكم محكمة الجنح حبس الشاعرة فاطمة ناعوت ثلاث سنوات وغرامة عشرين ألف جنيه بتهمة ازدراء الأديان، باستنكارها شعيرة الأضحية. وانتقدت حملة الاستنكار الحكم واعتبرته ضد الدستور. ولوحظ أن من ساندوا فاطمة نسوا أن هناك استئنافا له ومن الممكن أن يتم إلغاؤه أو النزول بالمدة، كما حدث في قضية إسلام بحيري، عندما نزل الاستئناف بالحكم الابتدائي من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة أيضا، فالأزهر لم يكن له دخل برفع الدعوى حتى يزج البعض به فيها. أما التخوف الأبرز من الحكم فهو من سجن أصحاب الرأي تحت ذريعة ازدراء الأديان، علاوة على أنها تهمة فضفاضة. ومرة أخرى فإن من يعارضون ذلك يتطرقون إلى ما يحدث في أكبر الدول الديمقراطية من عقوبات على أي دعاة للتفرقة الدينية أو العنصرية أو التحريض عليها، حتى بالإشارة أو إنكار واقعة الهلوكوست، رغم أننا في عالمنا العربي في حاجة الآن إلى قوانين صارمة لمعاقبة أي شخص يدعو لإثارة الفتنة بين السنة والشيعة، وبين المسلمين والمسيحيين، لأنهم يهددون الوحدة الوطنية لكل دولة، والرابطة القومية بين الشعوب والدول العربية، وحل أي جمعية أو حزب يدعو لذلك، وهو ما سيمكن القبض على أي شيعي أو سني ومسلم أو مسيحي يحرض ضد الآخر أيضا. ولوحظ ابتعاد السياسيين وأعضاء مجلس النواب عن هذه القضية وغيرها، حتى لا يورطهم بعض المثقفين في معارك تؤثر على شعبيتهم، ولذلك وجدنا أن حزب «المصريين الأحرار» الذي تنتمي إليه فاطمة ناعوت، وكانت مرشحته في دائرة مصر الجديدة، ودخلت الإعادة ولم توفق، لم يزج بنفسه في المعركة حتى لا يتحمل تبعات رأيها وموقفها، ولإدراك الجميع سواء كتب ذلك أم لا، أنها كتبت ما كتبت طلبا للشهرة، ولأن القضية لم تكن تستحق كل ذلك فظاهرة ذبح الأضاحي في الشوارع تقلصت إلى حد كبير جدا، وبدأتها السعودية نفسها من سنوات ومنعت قيام الحجاج بالذبح منعا لانتشار الأمراض وفساد اللحوم، واخترعت دفع قيمة الأضحية في صك لشركة تقوم نيابة عنه الحاج بالذبح وتعبئة وتغليف اللحوم وإرسالها مساعدات للفقراء في دول إسلامية متعددة. ومنذ سنوات انتقل ذك إلى مصر بواسطة العشرات من الجمعيات الخيرية، وأراحت الكثيرين الذين كانوا يعانون من مشكلة في الذبح أمام منازلهم أو داخل شققهم، أي لم نعد نرى الخروف أو البقرة التي نضحي بها ولا نأخذ نصيبنا وهو الثلث وثلث آخر للأقارب، وإن كانت بعض الجمعيات تسلم الثلث فقط لصاحب الصك إذا أراد ،وشطبت ثلث أقاربه بل ظهرت دعوات وفتاوى تجيز توجيه ثمن الأضحية، إما إلى أناس يحتاجون لعلاج أو عمليات جراحية أو مصروفات مدارس، أو تبرعات للمؤسسات العلاجية التي تعتمد على التبرعات لعلاج الفقراء، إتباعا لفقه الضرورة، أي باختصار هذه قضية مفتعلة وكان من الضروري معالجتها كما عالجتها السعودية والمؤسسات في مصر، من دون إحداث هذه الصدمة.
ناعوت لحقت بإسلام بحيري
وإلى «الأخبار» عدد يوم السبت أيضا وزميلنا وصديقنا نقيب الصحافيين الأسبق ورئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف وقوله: «انضمت الكاتبة فاطمة ناعوت لطابور من صدرت ضدهم أحكام بالحبس، بسبب رأي مخالف رأي البعض، أو أغضب البعض الآخر. لم تأخذ المحكمة «ولها مطلق الحرية « برأي عدد من كبار علماء الأزهر، الذين لم يروا في الأمر جريمة، ولحقت فاطمة ناعوت بإسلام بحيري وغيره. يحدث هذا ونحن ندعو لتجديد الفكر الديني ويحدث هذا ونحن نؤكد على قيام حياة سياسية ديمقراطية والدستور ينص على ألا توقع عقوبة سالبة للحرية في جرائم النشر العلني المتعلقة بالإبداع أو بالصحافة والإعلام، فيما عدا الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين، أو الطعن في أعراض الأفراد. والمشكلة أن القضاة يحكمون بالقوانين التي يعملون في إطارها، وتفسير كل منهم لهذه القوانين ولدينا والحمد لله أكوام من القوانين الخاصة بالإبداع والفكر والصحافة والتي يمكن أن تعاقب حتى على النيات».
أجواء قاسية على الفكر والإبداع
ويوم السبت أيضا قال زميلنا في «الوطن» محمد الدسوقي رشدي: «في الفترة الأخيرة عشنا أجواء قاسية على الفكر والإبداع، أولها إيداع أديب شاب هو أحمد ناجي قاعات المحاكم، بتهمة نشر نص أدبي خدش حياء المواطنين، وكانت التهمة أغرب من الخيال حيث لم تنجح النيابة ولا صاحب البلاغ في التفرقة ما بين المقال الصحافي والنص الأدبي، الذي نشر جزء منه، بعدها دخلنا دوامة إسلام بحيري، ثم الحكم بسجنه بتهمة ازدراء الأديان، ورغم رفضنا لخط إسلام بحيري، فإن الرفض لابد أن يكون أعمق لفكرة سجن إسلام بحيري. ومن بعد إسلام جاءت قضية رنا السبكي التي وجدت نفسها متهمة أمام المحاكم بتهمة خدش الحياء العام بسبب فيلم «ريجاتا»، ومن بعدهم أجمعين جاء قرار سجن فاطمة ناعوت بتهمة ازدراء الأديان. تكتمل سلسلة من قضايا لا تدلل أبدا على أننا نعيش في القرن 21. ورغم اختلافنا مع منهج فاطمة ناعوت على الشو وغياب المنطق في كثير من الأحيان، فإن الفكرة حتى لو كانت محملة برغبة البحث عن الشهرة لابد أن يتم ردها بفكرة مماثلة لا بالسجن».
فاطمة (المهندسة)
تحفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم
والحقيقة أن قضية أحمد ناجي وجريدة «أخبار الأدب» صدر الحكم فيها بالبراءة لا بالسجن، أما اتهام الدسوقي رشدي لفاطمة بـ»الشو» وغياب المنطق والسعي للشهرة، فقد خالفه في يوم السبت أيضا، زميلنا وصديقنا في «الأهرام» الدكتور أسامة الغزالي حرب بقوله عنها: «وهكذا انضمت فاطمة إلى طابور أدباء ومفكري مصر، علي عبد الرازق وطه حسين ونجيب محفوظ وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد… وغيرهم كثيرون ممن دفعوا من حريتهم بل ومن حياتهم ثمنا للتنوير في مصر. فاطمة متهمة «بازدراء» الدين، تلك الجريمة التي تشين القانون المصري، والتي نحمد الله أنها لم ترد في الدستور المصري دستور الثورة! هل تعلمون أن فاطمة (المهندسة) تحفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم؟ هل تدركون إتقان فاطمة (المهندسة) للغة العربية على نحو يشرفها ويظهر في كتاباتها العديدة النثرية والشعرية؟ فاطمة لا تخطئ ولا تلحن في كتابة وقراءة اللغة العربية، كما نشاهد حولنا في كل مكان. قالت لي ضاحكة وأنا أحادثها في التليفون، هل تعلم أن المحامي الذي رفع الدعوى ضدي رصدت له 45 خطأ إملائيا ــ وليس نحويا ــ في مذكرته القصيرة، وأنه لا يعرف كتابة لفظ الجلالة؟! حسنا ماذا قالت فاطمة بعد أن صدر الحكم؟ قالت «لا تعقيب على أحكام القضاء سوف أحترم الحكم وأنفذه ولن ألجأ إلى نقابة الصحافيين أو اتحاد الكتاب أو نقابة الصحافيين للتدخل لمصلحتي. سوف أدخل السجن برأس مرفوعة وأعتبرها فرصة للتأمل والإبداع». اسمعوا وشاهدوا وتأملوا وقارنوا. تحية إجلال واحترام لفاطمة ناعوت!».
«أبلة فاهيتا» والأخلاق
ومن قضية فاطمة ناعوت إلى قضية البلالين، التي وزعها الفنان الشاب أحمد مالك وزميله المعد لبرنامج شخصية «أبله فاهيتا» على بعض جنود الشرطة يوم الخامس والعشرين ذكرى ثورة يناير/كانون الثاني وعيد الشرطة معا، التي قالت عنها يوم السبت زميلتنا الجميلة في «أخبار اليوم» وفاء الغزالي: «الآن تطل علينا أبلة فاهيتا وحكايات أخر، اللي جميعنا يرى إعلانات أبلة فاهيتا التي كتب في ذيل الإعلان
«للكبار فقط»، عندما يتساءل طفل صغير لماذا هذا البرنامج للكبار ماذا يكون الرد؟ «فاهيتا « هي عبارة عن شخصية كرتونية مصرية، وهي ربة منزل ظهرت لأول مرة في 2010، فهي عروسة تحرك من شخص ما في الكواليس وتحقق مشاهدة ومتابعة كبيرة للكبار قبل الصغار، تعودوا منها على الأسلوب الساخر الذي تقدمه بشكل مبتذل وتقدمه بألفاظ خارجة وتخرج عن اللياقة والاحترام «أبلة فاهيتا» شخصية تتباري وتتباهي في التحدث بإسفاف وبألفاظ تخالف كل القيم والأخلاق، من دون وضع في الاعتبار أن هذا البرنامج يدخل كل بيت، ولا يمكن أن يقال إن هذا حرية رأي أو إبداع لأن هناك خيطا رفيعا بين الإسفاف وحرية الرأي والإبداع».
شباب مغيب
وفي جمهورية ذات اليوم السبت قال زميلنا حسن الرشيدي: «للأسف خرج بعض الفنانين، وهم قلة معروفة باعوجاجها وشططها، عن الموقف الجمعي للفنانين الرافض لأي إهانة لجهاز الشرطة، أو محاولة كسر هيبته. وهذه القلة لم تستفد من الدروس وتصر على موقفها اللئيم الخبيث الكاره لاستقرار الوطن، وتستمر في الانصياع لأوامر أعداء الوطن أو بيع أنفسهم لمن يدفع الدولار، مع احترامي وتقديري لأي معارض وطني يعبر عن رأيه بحرية وبنوايا حسنة ولأهداف نبيلة. إنني أشفق على الطيار المحترم مالك بيومي والد الممثل الذي عبر بوضوح عن رفضه الشديد لتصرف ابنه الممثل وغضبه الجم.. ولكن الغريب أن تجد بعض الأصوات تدافع بفجور عن المذنبين مرتكبي تلك الجريمة الآثمة، تلك الجريمة لا شك هي نتاج الانحطاط الأخلاقي الذي أصاب بعض الشباب المغيب، أو الذي باع نفسه للشيطان أو المتآمرين الحاقدين على مصر، والذين يدبرون المكائد لأهلها والشرور لأجهزتها الأمنية والسيادية».
شيرين رضا: الزواج منظومة فاشلة
وعن بعض الممثلين قال زميله السيد البابلي في العدد نفسه: «وخذ الحكمة من أفواه «الممثلين»، وممثلة اسمها شيرين رضا تقول إن الزواج منظومة فاشلة، وإن البنت المستقلة، حياتها أفضل لأنها تفعل ما يحلو لها، من دون أن يضايقها رجل. وشيرين قالت ذلك في برنامج تلفزيوني ومرت أقوالها بهدوء وسلام. ولن نخطئ في الرد بالانزلاق للشتائم والتجريح، ولكن اللي بتقوله نوع من الفوضى والإباحية ويزيد بمراحل عن قلة الأدب».
سلب حرية السجين عفوية
في حد ذاته
وننتقل إلى موضوع آخر طرحه الكاتب عبد الناصر سلامة في «المصريون» يوم السبت أيضا بحديثه عن سجون مصر التي يقول عنها إن الداخل اليها مفقود والخارج منها مفقود أيضا: «ما يتواتر من أنباء عن سجن العقرب تشيب له الولدان، الداخل مفقود والخارج أيضاً مفقود، نظراً لحالة الهذيان، والهزلان، وفقدان الأوزان، وغيرها من الأمراض العضوية والعقلية التي لحقت بالسجين، أياً كانت الفترة التي قضاها هناك، صغيرة كانت أم كبيرة، الزوار يتعرفون على ذويهم بصعوبة، بعد مرور شهر واحد على الحبس بذلك السجن، من كثرة ما ألمَّ بهم من مشيب في عمر الصبا أو الشباب، الحالة النفسية للمساجين لا يمكن تخيلها، والأسباب في ذلك كثيرة. هم يتحدثون عن صقيع داخل السجن، عن ملابس صيفية حتى وقت قريب، عن طعام غير آدمي، عن فتحة واحدة في الزنزانة، ليست للتهوية، وإنما لقضاء الحاجة، عن زيارات أُسرية لا تتعدى الدقيقة الواحدة، عن زنازين لا يتم فتحها على مدار الساعة، فلا تريض، ولا أنوار، ولا بطاطين، جدران مصممة لكتم الصوت، فلا سماع لأي شيء من خارجها، الجوع سيد الموقف، كما البرد، كما الأمراض. إذا صدقت أقوال السجناء هذه، التي يدلون بها خلال المحاكمات، والتي يرسل بها ذووهم لوسائل الإعلام، فنحن نعيش في غابة، على أقل توصيف، ويجب أن تتحمل منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية مسؤوليتها تجاه هذه الجريمة، أما إذا كان الأمر يحمل أي مبالغات، فتصبح وزارة الداخلية مطالبة بتوضيح الموقف من خلال نقل تلفزيونى مباشر، وزيارات ميدانية للمنظمات الإنسانية والصحافيين، مع الكشف أولاً عن مصير العشرات، على الأقل، من المُبلغ عن اختفائهم قسرياً، وسط اتهامات من ذويهم للجهات الأمنية. نحن الآن نتحدث عن عشرات الآلاف من المحتجزين، أو المعتقلين، أو المساجين، نتحدث عن معتقلين في قضايا سياسية، ومحكوم عليهم فى قضايا أمنية، ومحتجزين للشبهة، نتحدث في النهاية عن مواطنين، أياً كانت انتماءاتهم السياسية، نتحدث عن أعمار متفاوتة، تتجاوز السبعين عاماً، وتقل عن الخمسة عشر عاما، نتحدث عن شباب في عمر الزهور، طلاب فى الجامعات، ومؤهلين بالشهادات العليا، وما فوقها. بالتأكيد نحن أمام قضية خطيرة، لا يخفى أثرها على المدى البعيد، ولا حتى القصير، لا عن القيادة السياسية، ولا عن القيادات الأمنية من عدة وجوه، فهي قضية تحقيق العدالة بالدرجة الأولى، قضية تتعلق بحقوق الإنسان، قضية تُعبّر عن مدى التقدم، أو التخلف الذي لحق بالمجتمعات، قضية أجيال خارج السجن من ذوى المساجين، تنشأ طوال الوقت في خصومة مع الدولة المصرية، قضية ثأر وعداء وانتقام، ناهيك عن آثار أخرى عديدة، قد لا يكون المقام مناسباً للخوض فيها… سلب حرية السجين هو في حد ذاته عقوبة لا تضاهيها أي عقوبة أخرى، وأن السجن في النهاية ما هو إلا إصلاح وتهذيب، نجد أن الأمر يسير على النقيض تماماً في دول العالم الثالث، التي مازالت تتفنن في إنشاء «الباستيل» تلو الآخر، بهدف أن يخرج السجين بعد قضاء فترة العقوبة غير صالح للحياة، لا صحياً، ولا عقلياً، في ظل صمت رسمي، وتضليل إعلامي، وصل إلى حد التشفي في مرض ذلك السجين، أو السخرية من وفاة الآخر، إن تعذيباً، أو حتى شنقاً».
قسم المطرية أحد مراكز التعذيب
ونبقى في يوم السبت، ولكن ننتقل فيه إلى جريدة»الشروق» ومقال الكاتب فهمي هويدي: «في الصباح قام أمناء الشرطة بضرب وسب وسحل اثنين من أطباء مستشفى المطرية في القاهرة، فقاما بتحرير محضر ضد المعتدين. وفي المساء تنازلا عن المحضر. وكتب أحدهما على صفحته قائلا: إنه وزميله حاولا الدفاع عن كرامتهما كأطباء، لكنهما أدركا أنهما لن يحصلا على شيء. وأنهما سيتعرضان لمزيد من الإهانة. وربما دخلا إلى السجن ولن يخرجا منه.
هذه القصة ظلت موضوعا شغل مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال يومي الخميس والجمعة الماضيين (28 و29 يناير/كانون الثاني). وبعدما نقلت إلينا بعض صحف السبت خبر التنازل فإنني أخشى أن يتصور البعض أن الموضوع طويت صفحته وأنه يمكن أن ينسى بمضي الوقت، ولا أعرف ماذا سيكون موقف نقابة الأطباء التي استنفرها ما جرى، إلا أننى أزعم أنها لا ينبغي أن تقف وحدها في التعامل مع الأزمة. ذلك أن حدودها تتجاوز النقابة. والإذلال والقهر الذي شابها يكشف عن وجه يهم المجتمع بأسره، وينبه إلى خطورة المدى الذي ذهب إليه توحش الشرطة واستهتارها. وهو ما تكشف عنه تفاصيل القصة التي نحن بصددها. ذلك أن أمين الشرطة ذهب في الصباح الباكر إلى المستشفى بإصابة بسيطة في جبهته، حسب تقرير الطبيب الجراح الذي استقبله، إلا أن صاحبنا طلب منه شهادة تتضمن معلومات مزورة عن الإصابة. وحين رفض الطبيب ذلك بحضور زميله ومساعديه فإنه تعرض للإهانة والسباب من قبل أمين الشرطة، الذي استدعى زميلا له في سيارة تابعة لقسم المطرية مع بعض الأمناء الآخرين. وهؤلاء قيدوه وأرادوا اصطحابه إلى القسم، وحين رفض فإنهم انهالوا عليه بالضرب وسحلوه وجروه حتى أدخلوه في سيارتهم وبعدما حملوه وأهانوه هو وزميله وأبقوهما في القسم بعض الوقت. طلب أحد الضباط إعادتهما إلى المستشفى مرة ثانية، حيث حررا محضرا بالواقعة سجلا فيه ما تعرضا له.
المشهد يستدعى عدة ملاحظات أهمها ما يلي:
٭ إن ذلك حدث من جانب شرطة قسم المطرية الذي يعرف باسم «السلخانة» ويشهد تاريخه بأنه أحد مراكز التعذيب التي لا يخرج منها المحبوس سليما، وفي تقرير لمركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب أن القسم شهد 8 حالات وفاة من جراء التعذيب خلال الخمسة عشر شهرا الماضية.
٭ إن الإهانة والإذلال لم تعد من نصيب السياسيين وحدهم، وإنما أصبحت سلوكا متبعا مع المواطنين العاديين من أمثال الطبيبين وغيرهما.
٭ إن ذلك يتعذر اعتباره سلوكا فرديا ولا حالة استثنائية لأن عضو نقابة الأطباء الدكتور خالد سمير ذكر أن الأطباء تعرضوا لخمسة آلاف اعتداء خلال السنوات الخمس الأخيرة، من رجال الشرطة وغيرهم، ولم يحاسب أحد على ذلك…
حين يحدث ذلك في الوقت الذي تمتلئ فيه الصحف بأخبار الملايين التي توزع بغير حساب وبدون وجه حق على بعض رجال الشرطة، فذلك يعني أن ذلك المرفق المهم يحتاج إلى مراجعة جذرية وإعادة هيكلة شاملة..».
حسنين كروم