أغلقت عامي الأول واقترب من نصف العام التالي وانا أقيم بنيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، منذ هجرتي من وطني الغالي اليمن، أواخر شهر تشرين الاول / أكتوبر عام 2014عقب الإنقلاب الحوثي الصالحي ضد الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي، وحكومة خالد بحاح. رحلت، بعد أن ضاقت بي الدنيا، وحُورب قلمي، وتحولت العاصمة اليمنية صنعاء، لا بل اليمن برمته، إلى سجن كبير تحكمه الميليشيات الحوثية والرصاص، وتملأ شوارعها أصوات صرخة الموت الحوثية، التي لا أحب حتى الكتابة عنها!
رحلت… بحثاً عن مصدر رزق أكثر أمناً ومستقبل أفضل. حملت معي حب الوطن وأمانة الكلمة، في زمن فقد الكثيرون بوصلتهم، وضاعت كلمة الصدق وبيعت الأقلام… المحطة الأولى كانت في مطار صنعاء، حيث قصة الإشتباه باسمي – المقصودة – لإعاقتي عن السفر، لأسباب لها علاقة بمواقفي وكتاباتي. إلا أن المحاولة لم تنجح، فشاء الله لي الخروج من اليمن.
كانت قطر ودوحتها الزاهية محطتي الأولى. تلك البلاد التي تكسو الدنيا ألقاً وتقدُما. مكثت فيها يوماً كاملاً قبل أن أتجه إلى نيويورك، المدينة التي يزورها أكثر من 21 مليون شخص سنوياً، حسب موقع «IIP DIGITAL» الأمريكي. مررت بتجارب صعبة، أبرزها الإختلاط بالمجتمع الأمريكي ونخبته، وطقوسه المختلفة تماماً عن طقوسنا في الشرق العربي، واليمن المحافظ على وجه الخصوص. وبالرغم من عدم إجادتي للغة الإنكليزية الرسمية بصورة كبيرة (وهي مختلفة عن لغة الشارع الأمريكي)، إلا أنني استطعت ربط صداقات مع صحافيين وصحافيات أمريكيين.لا يمكنني إلا أن أسجل، وبقوة، إعجابي الشديد بهذا البلد.
نعم، ديمقراطية أمريكا وقوانينها النافذة تستحق الإشادة. صحيح هناك حوادث تستهدف الجالية العربية يمكن أن توصف بجرائم الكراهية، لكن ليس هناك دولة عظمى خالية من مثل هذه الجرائم. ثم إن نسبة الجريمة في أمريكا مقبولة، إذا ما قورنت ببعض العواصم والمدن العربية! لا بد من أن أسجل أيضاً إعترافي بكرم وطيبة الشعب الأمريكي المتسامح. فقد خُضت حروبا عدة أثناء اقامتي في نيويورك الجميلة.
حربٌ مع الذات وصعوبة التغيير والتأقلم مع حياة جديدة مختلفة كلياً، وصعبة بكل المقاييس، وحربٌ أخرى مع المهنة وصاحبة الجلالة، وهنا كان الإختبار الأكبر. كثر راهنوا أنني قد أنساها وأتوقف عن الكتابة، وأنني سأنخرط في العمل التجاري بصحبة بعض ابناء الجالية اليمنية، وما أكثرهم في أمريكا.
حاول الكثيرون تهديدي ووضع الأشواك فيـ طريقي، كي أعود عن مواقفي وثوابتي اليمنية والعربية، لمصلحة أشخاص ورؤساء سابقين أو سـاقطين. لكـن لم أبِع قلمي ولا كسرته، وظللت أغرد خارج السـرب. لم ولن أخرس أو أستكين عن قول كلمة الحق في وجوه السلاطين الجائرين، أينما كانوا!.
ربما قد لا يصدق القارئ الكريم أنني، كصحافي عربي مهاجر حديثاً، عشتٌ أسابيع مريرة وطريفة في الوقت نفسه مع فئران نيويورك، نشرحها بالتفصيل في كتاب يصدر لي هذا العام عن دار.
الساقي في بيروت « أمريكا التي عرفت، ونمتُ معها اي الفئران وكانت تزعجني أصواتها والاشتباكات في ما بينها للبحث داخل منزل، شقيقتي وصهري في حي البرنكس وسط نيويورك، للبحث عن غذاء في المطبخ وحليب سائل للانقضاض عليه..
كانت منبهاً لي حين يخرس هاتفي أو أنساه على الوضع الصامت، أو حينما تنفذ بطارية هاتفي المستخدم وغير الجديد نظرا لوضعي الصعب في ذلك الوقت عقب وصولي من اليمن بأسابيع، حيث لا عمل ولا وظيفة كانت تنتظرني، تعلمت من فئران نيويورك الصبر، وعدم الاعتماد على الغير في توفير حاجياتي وطعامي، بل أقوم بذلك بنفسي..
تعلمت من مملكة الفئران النيويوركية إن صح التشبيه أو النسب، الكفاح والتعاون في سبيل تحقيق الأهداف. وكنت أقول في نفسي حينما اخلدُ اليها، أيهما أفضل الحوثيون الانقلابيون ورصاصهم التي كانت تزعج حتى الحيوانات ان لم تخفها هي ايضا وتقتلها، في صنعاء وعموم اليمن، قبيل مغادرتي اليمن، ام فئران نيويورك وقفزاتها السريعة فوق سريري وانا نائم في شقة كريمتي وضيف لدى منزل صهري السيد غيلان عبيد وسط نيويورك حيث اعتدت على ضجيجها مع مرور الأيام، وحتى لو كنت اعمل فالايجارات مرتفعة في ولاية نيويورك ولن أتمكن السكن بمفردي ..
بالطبع العيش مع الفئران فئران نيويورك المتنوعة، أفضل بكثير من العيش مع ميليشيا مسلحة لا تفقه سوى لغة الدم والقتل والهدم وتكميم الأفواه ومصادرة الصحف واعتقال الصحافيين..وتدمير المنازل وتفجيرها ودور العبادة، مثلما تفعل ميليشيات الحوثي مدعومة بغطاء عسكري وسياسي من قبل الرئيس السابق علي صالح.
صحافي يمني مقيم في نيويورك
محمد رشاد عبيد