نظرا لما تشهده الساحة اليوم من جرائم بشعة ومتكررة، أود أن أتحدث عن عقوبة تعتبر من أقسى العقوبات الردعية والزجرية في المغرب كما في باقي دول العالم، إنها عقوبة الإعدام، هذه العقوبة التي تم التوقيف عن تنفيذها في المغرب منذ 1993، وربما هي في طريقها إلى الإلغاء من التشريع المغربي بصفة نهائية، خاصة بعد أن أكد الدستور المغربي على أن الحياة حق لكل شخص، وهذا يمكن اعتباره اعترافا ضمنيا بإلغاء عقوبة الإعدام، وكأن بإلغائها ستتغير كل المؤشرات التنموية بالمغرب بين عشية وضحاها وسيصبح كالسويد والدانمرك التي ألغت هذه العقوبة. كثيرة هي المرات التي خرجت فيها بعض جمعيات المجتمع المدني إلى الشارع العام أو نظمت ندوات مطالبة بإلغاء الإعدام، على أساس أن هذه العقوبة تعتبر انتهاكا لأهم مبادئ حقوق الإنسان، ألا وهو الحق في الحياة، نعم، سنتفق معهم إن كانت العقوبة ستنفد في حق صاحب رأي مخالف، أو معارض سياسي.. أما عدم تنفيذ عقوبة الإعدام في حق مجرم ارتكب جرائم القتل العمد وغيرها من المجازر في حق الأخر، فذاك ربما أكبر انتهاك في حق الضحية التي حرمت من حقها في الحياة بغير ذنب. الذين يسوقون لأفكار إلغاء عقوبة الإعدام، مدافعين عن المجرمين طبعا، يطالبون الدولة بالبحث عن الأسباب الاجتماعية والنفسية وغيرها التي دفعت بالجاني إلى القتل عوض تنفيذ عقوبة الإعدام، وهنا يتحول المجرم حسب تعبيرهم من وحش إلى إنسان يستحق كل الرعاية والعطف. ويؤكدون كذالك أن تطبيق عقوبة الإعدام في حق المجرم ليس كفيل بردع الآخر، مستدلون على ذالك بأن الدول التي ألغت هذه العقوبة، لم تعرف ارتفاعا في نسبة الإجرام.. هذه المبررات وغيرها يمكن اعتبارها ذرائع واهية، باعتبار لا مجال للمقارنة بيننا وبين الغرب لأن الدين يختلف والثقافات تختلف والتنشئة تختلف والتاريخ يختلف والإنسان كذالك يختلف فالمغربي ليس سويديا أو دنمركيا، والمغرب ليس هو السويد أو الدانمرك. أكيد أن تطبيق عقوبة الإعدام في حق المجرم ستشكل رادعا في حق الغير، لكن ما يهمنا نحن بالأساس قبل التفكير في ردع الآخر، هو حق أهل الضحية والضحية ذاتها، بأي ذنب حرمت من حقها في الحياة؟ وأين هو دور الدولة في استرداد حق من حرم حقه في الحياة أو حرم من إبنه أ بنته أو أحد أقاربه؟ كيف لشخص حرم آخر أو آخرين من حقهم في الحياة أن ينعم بهذا الحق تحت مظلة حقوق الإنسان؟ حقوق الإنسان مبادئ سامية، لكن رغم كونية هذه الحقوق فيجب أن تتأقلم مع خصوصية كل بلد، ولا يجب أن تفرض علينا صيغ وتوصيات الأمم المتحدة أو مؤسسات حكومية أو منظمات غربية، فالقرار يجب أن يتخذ باستحضار التاريخ والخصوصية والمصلحة العامة لا لإرضاء جهة معينة، لأن من كثرة تداول هذا المفهوم النبيل وبشكل مغلوط في كثير من الأحيان، أصبح الكثير من المغاربة يتوقون إلى عهد البصري لا سماح الله عوض هذه ‘السيبة’ التي انتشرت في أوساط المجتمع المغربي، فالعقوبة الزجرية ضرورة للردع، وربما عبارة ‘ هاهما شدوه .. أو من بعد’، فيها كثير من الإحباط، وعدم الثقة بالقضاء. سلسلة الاعتداءات تتوالى بلا هوادة في كل مناطق المغرب، واليوم تشهد مدينة تارودانت جريمة اختطاف وقتل بشعة راحت ضحيتها طفلة، والساكنة تنتظر كلمة العدالة بعد أن تم توقيف الجاني، و’الروادنة’ كما المغاربة لا زالوا يتذكرون ما سمي في وقتها بسفاح تارودانت، وربما كانت المرارة أشد خاصة لدى أهالي الضحايا حينما شوهد السفاح بسجن أسفي يتمتع بحقه في الحياة وهو جالس في غرفة مجهزة على حساب أرواح زهقت وحقوق أطفال انتهكت، ونحن نتساءل هل سيسعد هذا المشهد أولائك الذين ينادون بإلغاء عقوبة الإعدام؟ وهل هذا المشهد يعتبر مكسبا لهؤلاء؟ نتمنى أن نسمع الجواب. إلغاء عقوبة الإعدام بالنسبة للمجرمين الذين صدرت في حقهم هذه العقوبة، يعتبر مكسب للجناة، وانتهاك لحقوق المجني عليه . رشيد أيت الطاهر