بعيدا عن الأوهام المتداولة في بعض وسائل الإعلام، سواء المؤيدة أو المعارضة للنظام، تزدهر في الشارع المصري اليوم ما يمكن وصفها ب»لحظة الحقيقة» في رؤية الناس لواقعهم وعلاقتهم بالنظام الحاكم.
لحظة تفرض نفسها لأسباب عديدة ولا تكاد تلتفت أصلا لأبواق تتربح من الترويج لأجنداتها وأحلامها على أنها الحقيقة، فيما تفتقر غالبا إلى الحد الأدنى من المعرفة بهذا البلد شديد العمق والتركيب ثقافيا وسياسيا. وبدوري لا أزعم أنني أمتلك كل الحقيقة، ولكنني أعرف من خلال علاقتي العضوية المباشرة بهذا الواقع أن التطورات المتسارعة على الأرض أصبحت تتجاوز مساحة الخيارات العقيمة التي يصر البعض على أن يحبس المشهد المصري فيها. وسنحاول هنا تكثيف قراءات محددة عدت بها من مصر حديثا، كما وعدنا القراء الأعزاء الأسبوع الماضي، وقد يكون لها ما بعدها:
أولا: في معرض الكتاب بالقاهرة الذي اختتم أعماله أمس الأول، رأيت أهمية استثنائية في الإقبال الواسع من الشباب خاصة الذي فاق التوقعات. تلمست بيدي الرغبة الجامحة في المعرفة، والروح الواثبة نحو الخروج من الدائرة المفرغة التي فرضها الفشل السياسي المدوي للنخبة السياسية والثقافية بعد الثورة. فالشعب الذي «ابتكر» ميدان التحرير، كأداة ثورية قلبت المعادلات، قادر على ابتكار وسائل جديدة تفاجئ الجميع بمن في ذلك من «يحترفون» الترويج لعودة الثورة إلى الميدان، عبر آليات يائسة ترفع شعارات مثل «الاصطفاف الوطني»، متناسين أنهم كانوا أول من طعن ذلك الاصطفاف في الظهر بعد يناير. أزعم أن مشهد المعرض قدم صورة شفافة لمصر الحقيقية، جوهرها القدرة المذهلة على الإبداع وتقديس التنوع. ويمكن ملاحظة هذا بسهولة في التوازي المبهر للإقبال على الكتب الدينية والروايات والدراسات التي تقوض فكرة الدين من أساسها. وحتى كتب الشعر التي زعم البعض أن زمنها ولى، فوجئت بإقبال هائل على أحدها، عندما رأيت مئات الفتيات، دون العشرين، ينتظرن في صبر أمام خيمة للحصول على توقيع أحد شعراء العامية، الذين لم أسمع بهم من قبل، واسمه محمد إبراهيم، وعندما سألت عنه أدركت مدى تأثيره في أفكار الشباب، بينما لا يكاد يكون موجودا في الإعلام الرسمي. وعندما طالعت أحد كتبه لاحظت أنه يوجه انتقادات لجماعة الإخوان، فيما الغالبية العظمى من جمهوره كن من المحجبات. وغير بعيد، وفي مكتبات سور الأزبكية، وجدت بالصدفة كتابا للقيادي الإخواني الدكتور عصام العريان بعنوان «يوميات الثورة» يعرض في مكان بارز، على الرغم من الأنباء التي تحدثت عن منع كتب الإخوان في المعرض. وربما نعرض له تفصيلا في مقال آخر نظرا لأهميته. وغير بعيد تقف فرقة شبابية رائعة اسمها «عمدان نور» تغني وتقرأ الاشعار عن الحب والحرية رغم القيود. أما الرسالة هنا فواضحة، أن مصر لا يصلح معها المنع، ولا يمكن حبسها في نظام أو زعيم أو جماعة، وستظل تقرأ وتبتكر وتهزم الظلام مهما حصل.
ثانيا – إن الذين يحاولون محاصرة الواقع المصري في جدليات الأحداث الدراماتية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الخمس الماضية، أو يصرون على الترويج لواقع يفترض أن المصريين يستيقظون في الصباح ليتناقشوا حول ما حدث في 25 يناير أو 30 يونيو، إنما يعانون انفصالا صارخا عن الواقع، ولا يدركون أن معطيات الحياة اليومية وضغوطها لم تعد تسمح أصلا بهذه الرفاهية. ولا يعني هذا الرضا عن النظام الحالي، بل أن العكس هو الصحيح.
إذ من السهل اليوم ملاحظة التراجع في شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي، عبر سماع انتقادات علنية غير مسبوقة لأداء اغلب المسؤولين في الدولة، مصحوبة بالشكوى من الأزمات الحقيقية التي تؤثر على حياة الناس. نعم أصبح واضحا لدى كثيرين أن حالتي اليوفوريا والنشوة بإطاحة حكم الاخوان، في اعقاب 30 يونيو، لم تستند إلى اساس صلب، لكن بدون أن يعني هذا رغبة أو أي أوهام أو إمكانية اصلا لعودة الزمن للوراء، بل لقد تجاوز الواقع المصري بما في ذلك بعض وسائل الإعلام المؤيدة للنظام فرية أن من ينتقد النظام لابد أن يكون مؤيدا للاخوان، أو أن تلك الانتقادات للرئيس أو الحكومة يمكن أن تصب في مصلحة الجماعة بأي حال.
ثالثا- إن الشارع المصري، بما في ذلك الفئات الأقل وعيا، يبقى في رأيي متقدما على فهم أغلب النخب المتهافتة على جمع الغنائم، التي لا تتورع عن المتاجرة باسمه في كل العصور. وأزعم أن المصريين قد توصلوا بحسهم التاريخي العريق في التعامل مع أنظمة قمعية وشمولية إلى صيغة مجربة عبر القرون الطويلة كافية لإثارة قلق النظام مؤخرا.
إلا أن هذا يجب أن يكون مبحثا مستقلا يحاول استكشاف العلاقة بين خيارات ومفاهيم ملتبسة مثل «إسقاط النظام» و«إصلاح النظام» و«تغيير النظام» وإمكانية تحققها، وموقعها اليوم عند الشارع المصري الذي يبقى الطرف الأقوى في المعادلة، وصاحب الثورة قرارا وفعلا وتراثا.
لكنني أثق في النهاية بأنه من غير فهم عقلية هؤلاء الشباب والفتيات المصطفين امام رفوف الكتب بكافة توجهاتها، والتـــــوصل إلى القدرة على التخاطب معهم والتأثير في قناعاتهم، لن يتوقف «حوار الطرشان» على الفضائيات، سواء المؤيدة أو المعارضة للنظام.
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي