«بي بي سي» تحيي تولستوي و«الحرب والسلام»… وهوس الفضائيات العربية بالشكل لا المضمون

حجم الخط
1

دقت ساعة حبس الأنفاس الأحد الفائت على شاشة «بي بي سي»، تزامنا مع عرض الحلقة السادسة والأخيرة من رائعة تولستوي «الحرب والسلام»، والتي جعلت أكثر من ستة ملايين مشاهد يتسمرون حول الشاشة الفضية لمتابعته.
التاريخ إذا بجرعات مكثفة من الإبداعات واللوحات البصرية الفائقة في إدهاشاتها، حتى تخالها أحيانا لوحات تشكيلية تتحرك داخلها الشخوص الدرامية وكأنها تخرج للتو من لوحات زيتية، لتنسج أدوارا تمثيلية بتقنية لا مثيل لها تتماهى مع الخط الدرامي للشخصيات التي تلعب أدوارها مجتهدة في إلغاء أي فاصل وهمي بينهم، لتصبح من لحمها وأنفاسها.
تقديم رواية «الحرب والسلام» والتي تعتبر أسطورة الأدب الروسي، ونموذجا للحكايات التاريخية الكلاسيكية الكبيرة، والتي تدور حول الأحداث التي جرت في بداية القرن التاسع عشر، ومنها أحداث «قرية اوستريلتر» في عام (1806-1805) ومعركة «برودينو» عام (1812) وحريق موسكو عام (1813-1812).
وكانت تتناول الحياة السياسية والإجتماعية والحب والكراهية، وحروب نابليون مع روسيا وما نتج عنها من تأثيرات عميقة في المجتمع الروسي، تأتي بعد محاولة سابقة في «بي بي سي» ذاتها عام 1972 كان قد سبقها سينمائي روسي عام 1915 وأيضا هوليوودي عام 1956 وأخيراً عمل أوروبي مشترك عام 2007.
ولكن العرض الأخير، وكما وصفه أغلب نقاد التلفزيون في بريطانيا لم يكن إلا تحفة فنية كانت ستستحوذ على إعجاب نابليون نفسه.
حملت هذه الرواية الكلاسيكية الروسية الأكثر شهرة، توقيع السيناريست المبدع أندرو ديفيس، والذي كان شديد التحكم بالإقتباس، كما أنه أضاف أبعادا لم تكن بالضرورة أمينة للنص الروائي، فكان السؤال الذي طُرح (من قال إننا نريد الرواية كما هي).

العري لتسويق الرواية

أيضا كان هناك حجم هائل من الطرافة والعري يفوق ما يمكن أن تجود به الرواية نفسها، إذ سمح السيناريست لخياله الخصب بالتمادي على النص الأصلي وبالجنوح في مشاهد الإثارة والمبالغة في البصريات الفاتنة، والتي جاءت كلها لصالحه، بعد أن شكل هذا العمل الضخم تحديا كبيرا له، فكيف بمقدوره إذا تحويل رواية تقع في أكثر من 1400 صفحة إلى ست ساعات درامية، وكيف سيستطيع تقليص مئات الحوادث، وتقلبات المصائر والأقدار لجيش من الممثلين كانت قد حشدته «بي بي سي» لهذا العمل المعقد، والذي شارك فيه على الأقل خمسة وثلاثون ممثلا لشخصيات رئيسية كان أبرزها بول دانو، الذي قدم أداء لا ينسى في دور بيير بيزوكوف ـ وقد رفعه الدور الذي نسجه بدقة إلى أقصى درجات النجومية ـ وكذلك جيليان اندرسن، التي جسدت دور سيدة المجتمع المخملي بتألق لا يضاهى، وأبدعت أيضا ليلي جيميس في دور ناتاشا.
وعلى الرغم من الميزانية الإنتاجية الضخمة التي رصدت لهذا العمل الكبير والتي قدرت بـ2 مليون جنيه إسترليني للحلقة الواحدة، فقد إعتبر النقاد أنه إستحقتها بجدارة، لما فيه من إبهار بصري وديكورات شديدة الفخامة وملابس في قمة البذخ وتصوير في أعلى درجات الإبداع وإضاءة في أقصى درجات التقنية، إضافة إلى تمثيل في قمة الأداء العالمي.

البريطانيون يحيون التاريخ

هذا العمل التلفزيوني، الذي من دون شك أعطى وهجا جديدا للأعمال التاريخية الدرامية، حصد جمهـورا كبيـراً من المشـاهدين، وصـل عددهم إلى 6.3 مليون مشاهد تقريبا في كل حلقة من الحلقات السابقة، وأيضاً إستحوذ على نقد إيجابي من أغلبية النقاد البريطانيين، فمثلا كتبت معلقة «الغارديان» الرئيسية ڤيڤ غروسكوب أن السيناريست ديفيس والمخرج توم هاربر وكل طاقم الممثلين بإمكانهم أن يرفعوا رؤوسهم عاليا لأن الحلقة الأخيرة والتي منحتها «بي بي سي» عشرين دقيقة إضافية بعد الساعة المخصصة لعرضها جسدت إستمرارية المستوى الرفيع، الذي أسسته الحلقات الخمس اﻷولى، التي تميزت بالرقي والحساسية المطلقة والفخامة التي لا تمحى من الذاكرة .
وكتب أيضا كريستوفر ستيفنز من «الدايلي ميل» أن العمل ليس أقل من إنتصار باهر.
نجح ديفيس إذا في المهمة الصعبة، ما دفعه وفريق عمله إلى أن يضرب موعدا جديدا لتحدٍ أكبر مع دراما تاريخية ضخمة تتسق صفحاتها مع رواية «الحرب والسلام».
نحن على موعد إذا مع رائعة فيكتور هيغو «البؤساء».
وبرسم السؤال الذي طرحته إحدى الصحف البريطانية، هل ينتج البريطانيون التاريخ في محاولة لتكريس تقاسم الأدوار مع الضفة الأخرى من الأطلسي في هوليوود، التي تنتج الحاضر؟!

برنامج «ع لبكلة لم يكن ع لبكلة»

من خلال إطلاق قناة «الجديد» اللبنانية لمجموعة من البرامج الجديدة، التي من الممكن أن تضعها على خطّ المنافسة مع بعض القنوات المحليّة الأخرى، والتي تعرض برامج عالميّة بنسخ عربية، بهدف حصولها على نسبة مشاهدة كبيرة، بالرغم من الأزمة الماليّة التي تضرب الإعلام والإعلان في لبنان، ينطلق برنامج (ع لبكلة) وهو برنامج تلفزيوني تقدّمه نسرين ظواهرة بعد عدد من التجارب الإذاعيّة لها، وإنطلاقا من تجربتها الناجحة في فقرة «فلفل» الأسبوعيّة المصوّرة.
هذا البرنامج يندرج تحت خانة البرامج الفنية الإجتماعية وقد طورت فكرته ظواهرة بالإستعانة بالمنتج والمخرج نضال بكاسيني، ومدة عرضه 45 دقيقة، تستضيف فيه شخصية مشهورة، وتحاورها بشكل مباشر وصريح دون لف ودوران .
إنطلاقة هذا البرنامج كان مع الضيفة «فأل الخير»، كما أسمتها مقدمة البرنامج وهي بذلك تقصد هيفاء وهبي، الرقم الصعب في قاموس الفنانات اللبنانيات، نظرا للظاهرة التي تحدثها في الشارع اللبناني كل مرة تطل فيها.
تبدأ الحلقة الأولى في بيت هيفاء الباذخ في المرايا، التي تليق بفنانة حصدت شهرة واسعة من خلال جمالها وفتنتها وإثارتها لتغطي عن عيوب مقدرة غنائية لا تمتلكها أصلا.
إجتهدت مقدمة البرنامج على مدار وقت الحلقة في إظهار هيفاء أيقونة للجمال ومثالا للمرأة اللبنانية، حتى كأن الحلقة كلها تدور في فلك من المغازلات والمديح غير الموضوعي والترويج لفكرة الفنانة الأسطورة لدرجة تجاوزها حد المنطق بقولها «كل الناس بتغار منك يا هيفا»، من تطوع شاكيا للمقدمة التي تفتقر إلى الخبرة التلفزيونية على ما يبدو بغيرتها المؤرقة من هيفا؟
هيفاء لم تكن موفقة بوضع إصبعها داخل فمها، فما المقصود منها بما أنها تعدت سن الطفولة على ما أعتقد.
كما كان غريبا أن تسمي الخليجيين عربا في حديثها عنهم، وكأنها إيطالية هبطت من بلاد العجائب.
لا ضير إن كانت هيفاء نموذجا تحتذى به للكثيرات من النساء العربيات، كما هي تقول، ولكن العتب كل العتب على مساهمة شاشاتنا في تكريس النموذج الأحادي الجانب، الغارق في الشكل البلاستيكي المفتعل،على حساب النموذج العميق،المثقف، الواعد، والمبدع، والذي لا يقف عند حدود الجمال والإثارة كمسطرة ذات سلطة قاهرة.
«ع لبكلة» في حلقته الأولى لم يكن «ع لبكلة»، بل كان امتدادا لبرامج التطبيل والتزمير التي (طلعت من راسنا)، وضيفته الأولى (فأل الخير) لم تفاجئنا بردات فعلها المفتعلة، وحضورها الفاتن كالعادة الذي يقتصر على سلطة الشكل المثير، مع غياب دائم للعمق والمضمون.

إعلامية لبنانية تقيم في لندن

ندى حطيط

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية