غزة ـ «القدس العربي»: رغم خشية الفلسطينيين من تكرار «سيناريوهات الفشل» لمباحثات المصالحة التي انطلقت في العاصمة القطرية الدوحة الأسبوع الماضي بين حركتي فتح وحماس، إلا أنهم ينتظرون مقبل الأيام، علها تحمل بشرى تعيد الوحدة الجغرافية والسياسية بين شطري الوطن، بعد عشر سنوات عجاف من الخصام المرير، جعلت الملف الفلسطيني في ذيل الاهتمامات العربية والدولية، بعد رؤية نتائج مشاورات الحركتين في الأطر الداخلية لما جرى بحثه.
يومان طويلان من المباحثات بين وفدي قياديين من حركتي فتح وحماس في الدوحة، لم يفض عنهما شيء واضح حيال تطبيق بنود اتفاقيات المصالحة السابقة، التي وقعت في القاهرة والدوحة قبل ذلك، ومن ثم في غزة. غير أن البيان الختامي الذي أصدره الطرفان، يحمل وجهين للتحليل، الأول كان أصحابه يشيرون إلى الفشل، ويتحدثون عن فقرات البيان التي لم تحمل أي بشرى أو نص صريح على تقريب وجهات النظر، فيما كان أصحاب التحليل الثاني يشيرون إلى أن البيان رغم غموض فقراته، إلا أن به الكثير من الإيجابيات، خاصة إشارته للاتفاق على «تصور عملي محدد» لآليات تطبيق المصالحة.
أصحاب وجهة النظر الأولى دشنوا في مواقع التواصل الاجتماعي، التي يجد فيها الفلسطينيون متسعا للنقد، حملات من السخرية والنقد للمتحاورين، ومنهم من كتب عبارات نقد بلغة السخرية، حملت مضامينها أن الطرفين اتفقا على صحة الاتفاقيات السابقة، وتطبيقها، وهو أمر كثيرا ما أكده المتخاصمون السياسيون، وردوا ذلك إلى جولات حوار ونقاش طويلة سابقة في القاهرة وبيروت، لم تنتج عنها غير صور المتحاورين في نهايتها يوزعون الابتسامات.
في المقابل يعقد أصحاب وجهة النظر الثانية التي تنادي بالتريث لرؤية ما تحمله الأيام المقبلة، أمالا كبيرة في إمكانية حدوث اختراقات، فهم يرون عدم خروج المتحاورين علنا هذه المرة أمام الكاميرات والصحافيين، وعدم إدلائهم بتصريحات خلال التحاور وبعد انفضاض الاجتماعات، يأتي ضمن اتفاق للحفاظ على السرية التامة للمباحثات، لضبط الأمور ومنع أي شكل من أشكال النقد الإعلامي الذي عطل سابقا تفاهمات كثيرة.
وهنا تبرز أهمية تطلع كلا الطرفين لإعادة الوحدة، وفقا لبرنامجه السياسي الخاص به، فحركة فتح تريد التوحد لمواجهة تغول الحكومة الإسرائيلية، في المقابل تريد حركة حماس الوحدة من أجل إنهاء مشاكل قطاع غزة.
وبما يدل على وجود حراك تجاه المصالحة، هو ما جاء في بيان حكومة التوافق الوطني بعد يوم من مباحثات الدوحة، حين أعلنت الحكومة عن تمنياتها بنجاح الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة، وإعادة الوحدة للوطن. وأكد رئيس الوزراء في هذا السياق أن الحكومة جاهزة لتقديم استقالتها لدعم تشكيل حكومة وحدة وطنية، وأنها ستقدم كل ما من شأنه دعم جهود تحقيق المصالحة الوطنية، وستتحمل مسؤولياتها كاملة إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وقد علمت «القدس العربي» من مصادرها الخاصة أن هناك جولات جديدة للحوارات ستنطلق قريبا، حال سارت الأمور على الشكل الذي خطط لها، من أجل معرفة كل طرف وجهة نظر الآخر بعد عودتهم بنتائج الحوارات إلى قياداتهم السياسية، حيث من المفترض أن يكون الدكتور موسى أبو مرزوق قد وضع قيادة حماس في الدوحة وغزة بمخرجات الحوارات ووجهة نظر حركة فتح لحل الملفات العالقة، فيما وضع نظيره عزام الأحمد بين يدي الرئيس محمود عباس، مطالب حماس تجاه الحل.
وفي الوقت الذي خرجت فيه الكثير من التحليلات والتسريبات عن فحوى حوارات الدوحة، وبعضها تحدث عن الفشل، بسبب خلاف الطرفين على حل المسائل العالقة كملف الأمن وبرنامج الحكومة، وكذلك ملف موظفي حماس في غزة، نقت حماس صحة ما سرب.
وفي هذا السياق أكد العديد من مسؤولي حماس أنه لا صحة لما نشر. فالدكتور صلاح البردويل القيادي في الحركة أكد «التصور العملي المحدد» الذي توصلت له حركته مع حركة فتح، هو الآن قيد الدراسة، من قبل قيادة حركة حماس، وهنا ذكر أيضا أن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مع فتح يعد «اتفاقا عاما»، ويجري حاليا وضع النقاط على الحروف ودراسته. وأوضح أن الحديث عنه سيتم عندما تنتهي حماس من ذلك.
ويوضح في هذا السباق أن كل ما يصدر من تسريبات، سواء عن مصادر من حركة فتح، أو شخصيات فلسطينية حول تفاصيل الاتفاق التي تتعلق بالمعبر أو الموظفين أو غيرها من القضايا «لا أساس لها من الصحة».
وأشار إلى اتفاق أبرم مع فتح في الدوحة بعدم تسريب ما جرى بحثه، حين قال أن أن حماس ملتزمة بألا نسرب تفاصيل هذا التصور إلى وسائل الإعلام، ريثما تتم دراسته من قبل الطرفين، وذلك للخروج بالاتفاق النهائي الذي يكون له حظ من التطبيق العملي.
ويشرح في هذا السياق تفاصيل ما تم، أنه بعد دراسة المقترحات من الحركتين، تأتي الخطوة التالية بعرضه للفصائل وبعض الشخصيات الفلسطينية، للخروج في النهاية باتفاق يجد طريقه للتطبيق العملي على أرض الواقع.
وفي هذا الإطار، ناقش الدكتور أبو مرزوق بعد انتهاء مباحثات الدوحة في العاصمة اللبنانية بيروت مع قيادات البلد ملف المصالحة.حيث أعلن المسؤول الكبير في حماس أنه جرى خلال اللقاءات استعراض الانتفاضة والوحدة الفلسطينية، لا سيما في ظل الحوارات بين فتح وحماس في هذه المرحلة التي تجري في الدوحة، وكيفية الخروج من الحصار الذي فُرض على قطاع غزة. وفي البيان المشترك للحركتين ذكر أنه «برعاية قطرية كريمة» شهدت الدوحة يومي الأحد والاثنين، الماضيين لقاءات بين حركتي فتح، وذلك للبحث في آليات تطبيق المصالحة ومعالجة العقبات التي حالت دون تحقيقها في الفترة الماضية.
وأكد البيان أنه «توصل الجميع إلى تصور عملي محدد لذلك» على أن يتم تداوله والتوافق عليه في المؤسسات القيادية للحركتين وفي إطار الوطن الفلسطيني مع الفصائل والشخصيات الوطنية، لـ «يأخذ مساره إلى التطبيق العملي على الأرض».
وعقب ذلك تواصلت «القدس العربي» مع الدكتور فيصل أبو شهلا، مسؤول ملف العلاقات الوطنية في حركة فتح غزة، حيث وصف حوارات الدوحة بـ»الإيجابية» وقال أن البيان الذي تلا المباحثات يشير إلى أنه جرى مناقشة كل الملفات التي تعترض تطبيق بنود المصالحة، وأكد على الحاجة الآن لحكومة وحدة وطنية تشرف على كل الملفات خاصة في غزة، بما فيها المعابر والموظفين والأمن، والتحضير للانتخابات المقبلة.
وعبر عن أمله في أن يتم إنهاء حقبة الانقسام، وتوحيد الموقف السياسي الفلسطيني والجغرافي بين غزة والضفة.
غير أن ذلك الأمر المرجو تطبيقه، بالوصول إلى مرحلة الاتفاق على حكومة وحدة وطنية، ما زال محل خلاف ليس بين حركتي فتح وحماس، حيث من الممكن أن تتجاوزا نقاط الخلاف حولها، ضمن اتفاق عام، على غرار تشكيلهم حكومة التوافق الحالية، خاصة مع رفض حماس حمل الحكومة المأمول تشكيلها برنامج منظمة التحرير، بل هناك اعتراض على الدخول في هذه الحكومة من قبل فصائل فلسطينية أخرى لها تأثير في الشارع مثل حركة الجهاد الإسلامي وكذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
فمع بداية «المشاورات الداخلية» في الأطر القيادية داخل حركتي فتح وحماس، حول «التصور العملي» الذي اتفق عليه في حوارات الدوحة، أكد أحمد المدلل القيادي في حركة الجهاد الإسلامي لـ «القدس العربي» أنهم في الحركة «لن يشاركوا في حكومة الوحدة المقبلة». وقال أن موقف الجهاد ما زال على حاله، برفض العمل تحت مظلة اتفاق أوسلو، وربط المشاركة بأي حكومة مستقبلا بإعلان السلطة إنهاء هذا الاتفاق. ودعا المسؤول إلى ضرورة عقد اجتماع للإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية، في هذا الوقت، لوضع الإستراتيجيات والخطط لدعم وإسناد انتفاضة القدس المشتعلة.
وذات وجهة النظر حملها جميل مزهر عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حين قال لـ«القدس العربي» بعد أن رأى أن حوارات الدوحة اعتلاها الفشل، أن تنظيمه لن يشارك في حكومة وحدة، طالما برنامجها السياسي مرتبط باتفاق أوسلو.
أشرف الهور