فيصل القاسم وسابقة طرد الضيوف… اللبنانيون «ديكة» في فيديو كرتوني… وحين تلتقي فيفي عبده موشيه دايان في مصعد

حجم الخط
13

بعد مقدمة مارسيل غانم وخطبته اللاذعة في هجاء اللبنانيين، والتي باتت تعرف بعنوان «لو ما نكون غنم»، ها هي صحفية «النهار» تطلق حملتها الإعلانية التي تحمل شعار «حرر فكرك» فتنهل من نبع غانم نفسه، لتعيد في فيديو بصري كرتوني هجاء اللبنانيين ووصفهم بالأغنام.
الفيديو (42 ثانية) يصور أغناماً خانعة ترعى، بل وتمشي على بساط الكتروني، تساق وتدمغ وتأكل من أعشاب المرعى، مع تعليق صوتي يروي «بيقولوا ببلدنا في غنم مْطمّنين، عم يرعوا مرتاحين، غيرُن بيقرر، وعليه متّكلين، حاملين قراراتو وماشيين، بيرعوا عالسكت، وما بيسألوا، لا شو آكلين، ولا شو شاربين. بيقولوا أنو الغنم خوّيفين، لما يلاقوا حالُن صاروا بالطليعة بيصيروا ملبّكين، فبيرجعوا للنُّص، تا يكونو بين المجموعة مخبّايين ومحميين. يمكن صار لهن فترة قرفانيين، ساكتين وناطرين».
وهنا ينتفض صوت الراوي فجأة في الثواني الأخيرة، من دون أن يقول لنا أي تغير درامي طرأ على حياة الأغنام، ليقول إن اللبنانيين «أبداً مش غنم، طول عمرن اللبنانيّي حرّين، ودايماً منتفضين»، وهنا يكون الديك، رمز صحيفة «النهار» الشهير، والمتكئ أساساً على الاستخدام الفرنسي العريق، وأحد الرموز الفرنسية، قد تصدّر الشاشة، منتصباً في وسطها.
هذه هي المقارنة إذاً، أغنام وديكة، ويبدو أن لا طريقة عند المعلن اللبناني ليفخر بصناعة ما إلا إذا بخّس بصناعة مقابلة، أو قام بجلد نفسه، وأقام متحفاً لكراهية الذات.
على اللبنانيين إذاً أن يسعدوا، ورغم ظهورهم في معظم الفيلم كأغنام، بأنهم، ولو لثلاث ثوان أصبحوا ديكة النهار، وبأنهم منتفضون على الدوام.
ومع أن للديك وصياحه علاقة وطيدة بالنهار، الفجر، الشروق، فإن المعلن لم يرد أن يتحدث بهذه الرومانسية، وهذه الأدبية، عن منتج هو في النهاية سلعة يريد إيصالها للسوق بأسرع ما يمكن. لذلك اختار أن يخاطب «غريزة» الانتماء.
لم يرد الإعلان أن يعلي شأن الصوت، الصياح، الكلمة، في حلكة لبنان الطويلة، أراد أن يخاطب، بلغة قطيعية، شعباً، ليحثه بأن يكون «شعب الله المختار»، وحجّته أن «اللبنانيّي طول عمرن حرين ومنتفضين».

 

معجزة فيصل القاسم

انقطعتُ منذ زمن طويل عن مشاهدة برنامج «الاتجاه المعاكس»، ذلك لأنني لم أرد أن أموت أمام شاشة التلفزيون، قهراً، أو من لكمة عابرة للحدود. أعرف أن صيغة البرنامج تنتمي إلى ذلك النوع المسمى برامج» الردح»، وهذا توصيف دارج حتى في البرامج الأميركية التي تعتمد ثيمة «الردح»، وتقوم على مواجهة ضيفين لدودين، مثلاً؛ زوج هربتْ منه زوجته سيجدها أمامه في الاستوديو، سجين سابق سيواجه ضحية له كان تسبب بفقد أحد أعضائها، امرأتان سرقت إحداهما عشيق الأخرى. هكذا، لن يكون دور المذيع سوى مشعل للحرائق، وسيكون أحب على قلبه أن يدلق عليها شيئاً من الكاز كلما خفتت.
شيء ما يشبه برامج المصارعة، فيها العنف والدم، وفيها رغبة المشاهد بأن يرى أحد المصارعين مسحوقاً.
غير أن معجزة «الاتجاه المعاكس» في أنه نقل فكرة برامج الردح إلى عالم السياسة، خصوصاً إلى القضايا المشتعلة في الأساس، فصار الناس لا ينتظرون الحجة والفكرة والبرهان، بل كيف سيتغلب أحدهما، باليد والجسد واللسان والصوت العالي، وهذا أضعف الإيمان. الشتيمة طبعاً هي قبل كل شيء، وتعرفون طبعاً أن ليس هنالك أسوأ من شتائم الأزواج السابقين.
مذيع «الاتجاه المعاكس»، فيصل القاسم، لم يكتف بأن يفلت الضيوف بعضهم على بعض، بل لم يتوان هو نفسه أن يدخل إلى الحلبة خصماً متمرساً عنيداً لا يشق له غبار. لكنه في حلقته الأخيرة، وهو يستقبل ضيفين سوريين كرديين بلغ مرحلة لا تطاق، حين، في سابقة تلفزيونية ربما لا تتكرر إلا كل مئتي عام، طردَ بإصرار أحد ضيفيه. لن ينفع بالطبع أن تستدرك «الجزيرة» لتحذف مشهد الطرد المشين، فمنذ الآن سيُنسى كل شيء، ولن يتذكر الناس ويتناقلوا إلا ذلك المقطع.
لن ندخل في نقاش كم كان الضيف على حق، كم كان فجاً، أو كم كان يعبر عن وجهة نظر الواقفين مع القتلة، ليست المسألة هنا، أنت مذيع ومحاور، قد نتسامح لو تسرب انحيازك رغماً عنك، ولكن يستحيل أن يتسامح المهنيون مع كل هذا الإسفاف. لن ننصح أحداً بالعودة إلى الحلقة لإحصاء كم الكلمات النابية والبذيئة وغير اللائقة، ولكن يكفي مشهد الطرد ليكون علامةً وتتويجاً.
يا «جزيرة»، ليس ذلك المقطع من زمن الحلقة هو فقط ما يحتاج إلى الحذف!

 

المذيع الندّ

من آفات الإعلام العربي أن المذيع، إن أتيح له إجراء مقابلة، تلفزيونية كانت أم إذاعية، أول ما يخطر له أن يكون نداً لضيفه، وهم غالباً يفهمون هذه الندية في تكبير حجم السؤال، وفي مقاطعة الضيف كيفما اتفق، بحيث أنك لا تعود تسمع كلا الطرفين.
غير أن المذيع الجيد هو من يتيح لمشاهديه أن يصلوا إلى المعلومة والفكرة والرأي بيسر. هو من يدفع الضيف للكلام، لا أن يسرق منه الكلام.
سنقدّر عالياً ذلك المذيع الذي يصل بالمقابلة إلى حصيلة معرفية جيدة، وإن لم يتح له أن يتحدث هو نفسه كثيراً.
المذيع الجيد هو من يقبل أن يكون مذيعاً وحسب، لا أن يأخذ مكان ضيفه، سياسياً كان أم ممثلاً، مغنياً كان أم مزارعاً، راقصاً كان أم خبيراً جوياً.

 

زغاريد فيفي عبده

 

تحدثت الراقصة المصرية الشهيرة فيفي عبده، في مقابلة تلفزيونية، عن صدفة وجود إسرائيليين (على رأسهم مناحيم بيغن) عندما كانت تؤدي رقصتها، وروت كيف أن أحدهم رمى إليها بالعلم الإسرائيلي لترقص معه، فما كان منها إلا أن رقصت فوقه، وهي تردد قبل أن تغادر المسرح «يا أحلى اسم في الوجود يا مصر».
كذلك تحدثت الفنانة عن صدفة جمعتها في مصعد فندق فرنسي مع موشي دايان (وزير الحرب الإسرائيلي الأشهر)، فما كان منها إلا أن غادرت الفندق كلياً، ذلك أن دايان لم يكن يعني لها سوى ذلك «البعبع المخيف»، على حد وصفها.
لا يملك المرء إلا أن يرفع القبعة لمثل هذه المواقف. لكن لا بد من السؤال، للاستزادة لا أكثر، كيف يمكن للمرء أن يكون باسلاً في مكان، أمام الإسرائيليين في الفندق، فيما يكون خاضعاً بلا حدود أمام الطغاة في بلده؟ هل تبنى تلك المواقف من أجل الحق والعدل والحرية، أم أنها مجرد نضال في مكان سهل، لا يكلّف، بل قد يزيدك شهرة ومعجبين!
فيفي عبده المعروفة بزغاريدها للرئيس السيسي، وقد كرمت منه بجائزة «الأم المثالية»، في زمن الأمهات المصريات المفجوعات بموت واعتقال أبنائهن على يد من تزغرد له، نتمنى لك عمراً مديداً تأتي فيه لحظة صحو، تكتشفين فيها أن الطغاة والمجرمين هم ذاتهم، في أي ضفة كانوا، وأنهم يستحقون منا الموقف ذاته، البسالة ذاتها.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية