رغم انتفاء سابقية ممارسة السياسة عند حركة النهضة، إلا انها تثبت كل يوم من خلال الواقع انها تتقن إلى حد ما فنون اللعبة السياسية، وأنها تمتلك من الأبجديات ما يسمح لها بالأخذ بأسباب إدارة المشهد السياسي التونسي على الأقل داخليا، أما خارجيا فإنها تتلمس طريقها بتعثر وبصعوبة كبيرة، وسط بحر لجي من التدافعات والمصالح والضغوطات الغربية والشرقية. بداهة لم تكن النهضة تلك الحركة المتغلغلة شعبيا إلى درجة أن يكون لها ثقل مهم في الانتخابات السابقة، ولكن ربما هو الحظ الذي جفاها سابقا لعقود، تصالح معها وأدار لها وجهه الصبوح لتحوز أغلبية أصوات أتت أكثرها من شعب أرهقته سنوات التغريب وإقصاء الدين، ورأى في التوجه العام الانتخابي للنهضة أنها قد تكون الأقرب إلى مطامحه لاسترجاع دينه وهويته، وسط مترشحين لم يوفقوا إلى الانطلاق من القاعدة الشعبية، واكتفوا بتنزيل تنظيراتهم الاعتباطية من أبراجهم العاجية فقادتهم إلى الأصفار، لتكسب النهضة أكثر الأصوات، وكانت هذه هي ضربة البداية… هذه المعارضة وعلى النحو الذي ظهرت عليه على الأقل إلى حد الساعة أثبتت وتــــزيد إثباتا يوما بعد يوم أنها لا تمتلك أدوات العمل الصحيــــح، فسقطــــت في دائرة الغباء السياسي ولم تقدر على تشخيص أمهات القضايا، ولم تطرح بديلا واضح المعالم، لأنها تفتقر إلى أدبيات ومرجعيات أصلا، زد على ذلك أن التلهف على إيجاد مكان على الخارطة السياسية جعلها مشتتة مفرقة لا يُقام لها وزن ولا يراعى لها اعتبار، بل ربما كانت وهي مفرقة لعبة تتــــقاذفها النهضـــة ذات اليمين وذات الشمال، إما مباشرة أو عن طريق تكتيكات ومراوغات لا تجني منها المعارضة إلا سرابا. نذكر ايضا أن المعارضة ضمت أشخاصا قذفوا بأنفسهم في أتون العملية السياسية ليدعوا باطلا احترافهم لها وتخفوا بقناع المعارضة، ولكنهم في حقيقة الأمر هم جنود مجندة من قوى خارجية تبحث عن التموقع داخل البلاد، أو من رأسمال محلي يجتهد في رسم معالم الثورة المضادة والانقضاض على رأس قاطرة البناء الجديد، فهم انخرطوا في تنفيذ مخططات ظاهرها تقدمي حداثي وباطنها عمل تخريبي صامت يتفنن في إرباك العمل الحكومي، وتقويض السلم الاجتماعي وخرق الصفو العام، بُغية التنكيل بالحكومة و- قصدا النهضة – بغرض جلب النقمة الشعبية عليها وإحداث مسببات مختلفة وبوتيرة صاخبة لإحداث الهرج والبلبلة لصرف الطاقات وإهدارها عبثا. لكن مقابل كل هذا بدت النهضة حزبا سياسيا طويل الصبر بعيد النظر يحسب استباقا الكثير من المطبات، ويُحدث لها المعالجة الملائمة نوعيا وتوقيتا، بتنفيذ قيادات يجمعها انضباط حركي، وتوجهها ضوابط حزبية تتحكم فيها مركزية قوية، متابعة لدقائق الأحداث قبل كبيرها، وتفصل مطبخها الداخلي عن خارجها لتمتص كل خلافاتها وتسعى لتمويه وتكذيب ما فرط منها للعلن أو تقاذفته الأخبار. كما يُحسب للنهضة أيضا، أنها كانت دوما قادرة على امتصاص آثار إخفاقاتها والتخفيف من وطأتها، وتداركت وصمة (إزدواجية الخطاب) التي التصقت بها، لتسحب الكثير من الناطقين وتحجر على ظهور بعض قياداتها وتغيب البعض الآخر مرحليا. وبين هذا وذاك يُلاحظ أن النهضة من وقت الانتخابات وحملاتها، ومن بعد توليها دفة الحكم وإلى يومنا هذا، أفلحت في ترصد أخطاء المعارضة في استراتيجية ذكية لتوظفها وتستفيد منها، مما أكسبها ودا وتعاطفا شعبيين يعلوان وينخفضان تضيفهما إلى مستقبل رصيدها الانتخابي بلا عناء ولا شقاء. مقابل هذا فإن حركة النهضة لم تفلح وربما لن تفلح في تعاملها مع التيار السلفي، الذي حاولت سابقا غض النظر عنه وعدم تناوله علنا، بل كانت في مواقف متعددة سابقة تظهر بمظهر اللين وخطب الود، هذا الصفاء الذي كان في وقت ضعف الحكومة وتعدد الجبهات أمامها لم يدم طويلا، إذ نراها اليوم وبعد أن توصلت إلى ما يشبه الهدنة الاجتماعية، ولم صفوف الأمن واسترجاع هيبتهم وسطوتهم، اتجهت إلى مجابهة التيار السلفي ومحاصرته وإعلان المواقف الصريحة بأن هذا التيار في مُجمله يحمل وصمة الإرهاب ويتعاطاه، وهي في حل مما يتبنى من فكر، بل هي تستهجنه وترفضه رفضا قاطعا، يُذكر أن بعض المتابعين للشأن السياسي لمح إلى أن هذا التصعيد قصْدٌ تمليه الظروف المرحلية، وهذا ما يؤيده تصريح قيادي بارز في حركة النهضة من أن ما يجري الآن من تصعيد ضد أنصار الشريعة، مرتبط بالمفاوضات الجارية بخصوص قروض طلبتها البلاد التونسية، وأن هذا من جملة شروط الموافقة على إسداء القروض. أضف إلى هذا الضغوطات المحلية من طرف الأحزاب العلمانية التي تعتنق اليسار المتطرف، فهي تعتبر السلفية عدوها الألد، وقد دأبت بلا هوادة في اتهام الحكومة بالتساهل مع النشاط السلفي، فالسلفية هي الرقم الصعب لهؤلاء اليساريين الذي لا يقبل المهادنة. كما أنه من المهم ذكر أن المشروع النهضوي الذي يرفع راية الاعتدال والتدرج في تشخيص وطرح ومعالجة القضايا، ولا يرى مانعا في التنازلات مقابل التمكن السلطوي يرى في التيار السلفي المنافس الشعبي القوي في كثير من الأوساط المحلية، هذه المنافسة التي قد تخطف من النهضة الأضواء وتصرف عنها اهتمام كثير من المحبين والأنصار وهذا تؤيده حقيقة التنامي السريع لتيار أنصار الشريعة، ومد جذوره في العمق والالتفات لمتابعة أدبياته بعد أن كانت مغمورة وضبابية . كل ما سبق ذكره يجعل من المعقول القول استخلاصا، بأن حركة النهضة بعد مغامرتها باعتلاء سدة الحكم، في تلك الظروف الاستثنائية، وعلى الحال الذي هي عليه تنظيميا، وبالظروف المحلية غير الناضجة سياسيا وما يتحكم في خيوط اللعبة السياسية، يُلاحظ أن النهضة ربما نجحت نسبيا في إيجاد طرف المعادلة مع من يتزعم المعارضة في البلاد، لكنها لم تستطع إيجاد سبيل تعايش مع السلفية، خصوصا في ظل مناخ عالمي يعلن الحرب عليها ويطاردها ويقصي وجودها، بل يجعل التعاون مع مخططاته تلك شرطا من شروط الرضا عن الحكومات ورعايتها اقتصاديا، وربما حتى مؤازرتها أمنيا وعسكريا.