باريس- «القدس العربي»: لدى سؤاله عمّا فعلت الرقابة بأفلامه تذكّر نبيل المالح فيلماً وثائقياً له بعنوان «المدرسة»، يعتقد أنه أحرق، وهو يجد فيه التعبير الأصدق عن حال سوريا. كان يسميه بـ«الفيلم النقي»، لأنه لم يتدخل فيه بكلمة واحدة. وهو وَصَفَه بالقول إنه يصوّر أطفالاً بين الخيام، فوق ركام حياة بائسة، يقرؤون نصوصاً مدرسية عن حضارة هذا البلد، فيما الكاميرا تبتعد لتعرض أي حال يعيش فيه أبناء هذه الـ»حضارة».
أُحرق فيلم «المدرسة»، على ما قال المالح، كذلك منع فيلمه الروائي «الفهد» من التصوير قبل أسبوع واحد من الموعد المحدد عام 1969، ولم يعد إلى تصويره إلا عام 1971. وتالياً دُمرت أصول هذا الفيلم، كما يقول. ثم منع عرض فيلمه «السيد التقدمي»، ولم يعرض إلا بعد ذهاب مدير «مؤسسة السينما» آنذاك، لأن الفيلم كان يشير بالبنان إلى شخصية فاسدة معروفة، بالإضافة إلى قطع حوالى ربع ساعة من فيلمه «بقايا صور». ليست الأفلام وحدها، المخرج نفسه ظل بعيداً على الدوام عن «مؤسسة السينما»، مبعداً على وجه الدقة، رغم النجاح الواضح لكثير من أفلامه، إن كان جماهيرياً أو علـى مستوى المهرجانات.
لم يدرس المالح السينما، موفداً من «الحزب»، أو الحكومة، بواسطة من هذا أو ذاك، يفخر الرجل بأنه درس على حسابه «ولا فضل لأحد عليّ. لم أوفد مرة واحدة إلى مهرجان، ولم أكافأ، ليس لي تقاعد ولا ضمان صحي»، وفوق ذلك أكد ذات مرة أن «في المؤسسة ثلاثة سيناريوهات مكتوبة لي منذ سبع سنوات لم تقرأ».
أما إذا جرى تكريمه مرة في واحدة من نسخ مهرجانات دمشق السينمائية، فلأن المهرجان لم يترك أحداً لم يكرمه، وبات نافراً أن لا يكرم من له هذا الرصيد من الأفلام، كماً ونوعاً.
لا يدهشه بعد ذلك كيف أن «الأفراد الذين صنعوا تاريخ السينما السورية موضوعون في قفص الاتهام» على الدوام. حدث ذلك حتى وقت قريب، فالثورة السورية، وانتماء معظم السينمائيين السوريين إليها، وضعتهم من جديد أمام مقصلة اتهامات المؤسسة الرسمية، لا تكف عن التشهير بهم، وشتمهم عبر منابرها. يتذكر المخرج الراحل حكاية خارج السينما، لكنها كانت شديدة التأثير، حين ضربه عسكري بأخمص بارودته على وجهه، قرر حينها أنه لا بد أن يغادر، وبالفعل، جاءت السنوات العشر التالية في المنفى اليوناني، وربما المصادفة وحدها أعادته ليصور فيلمه الأثير «الكومبارس» في دمشق، مع ممثلين سوريين.
حتى الأفلام التي حققها لمصلحة مؤسسات أخرى لم يكن نصيبها من المنع والرقابة أحسن حالاً، فقد عبّر، في حوار سابق عن تمنيه «إطلاق الأفلام التي أنتجتها لصالح «الهيئة السورية لشؤون الأسرة»، مثل «شهرزاد»، «ضوء معاكس»، «الكريستال المقدس»، «ع الشام»، ومجموعة من أفلام العنف ضد المرأة». هذا بعض مما أصاب المخرج الأبرز بين السينمائيين السوريين من «سوريا الأسد»، فكيف سيكون موقفه منها، ومن ثورة أبناء بلده، مع أن أحوال البلاد تستحق مئة ثورة حتى لو أن القهر لم يمس هذا المبدع أو ذاك بشكل شخصي. بالطبع لم يتردد المالح في قول موقفه، وإعلانه بالانتماء لثورة شعبه غير عابئ بالعواقب، كما يفعل كثير من زملائه، الذين «يُوتْوِتون» لأنفسهم ولذويهم وللمقربين فقط أن لهم موقفاً من النظام، لكن من دون أي تصريح أو ظهور إعلامي يدعم ذلك، متخففين من أي مسؤولية، أو ربما محافظين على «خط رجعة»، لعل فرصة عمل ما تقع هنا أو هناك!
أكثر ما يلفت في شخصية المخرج، الذي رحل أمس عن ثمانين عاماً (مواليد 1936)، هو مقدرته الفائقة على توليد المشاريع والاشتغال عليها. في بلد ينتظر فيه السينمائي عشرة أعوام أو أكثر كي يحقق فيلماً واحداً يستطيع نبيل المالح أن يخرج أكثر من مئة وخمسين فيلماً، بل، وفوق ذلك، يكتب سيناريوهات أفلام، ومسلسلات تلفزيونية، وقد يسهم في إنتاج أعمال أخرى لغيره.
إنه حقاً درس للسينمائيين دائمي الشكوى من قلة فرص التمويل، وتجاهل المؤسسات الرسمية. يعرف كل من حوله أنه حتى اللحظة الأخيرة من حياته كان يتحدث عن أفلام ومشاريع قيد الكتابة أو التحضير. يقول إنه إن لم يجد مشروعاً بين يديه فلا يتردد في النزول إلى الشارع كي يصور ما تصل إليه يداه، كاميرته.
ربما هذا الكسل السينمائي لدى عدد كبير من السينمائيين السوريين هو ما يجعله يلومهم، معتبراً أنهم ألقوا، بعد الثورة، بالحمل كله على الشبان وحدهم، على قلة خبرتهم وحيلتهم. لكنه قبل ذلك كان أعلن موت السينما في سوريا، حتى أن جوابه ذات مرة على سؤال حول أفلامه السورية الأحب أغضب كثيرين من زملائه، حين قال «سؤال محرج جداً. لأنني قد أحب أشياء فيها، ولا يعني ذلك بالضرورة أن أحبها بكاملها».
وأضاف «أما الفيلم الذي أشعر بأنه ظلم فعلاً فهو فيلم «اليازرلي» لقيس الزبيدي، يعجبني كفيلم بكامله، أما البقية فأحب منها أجزاء ومشاهد. مثلاً مقاطع من «رسائل شفهية» لعبداللطيف عبدالحميد، ومن «أحلام المدينة» لمحمد ملص ومن «نجوم النهار» لأسامة محمد.
لكن نبيل المالح، في إحدى مقابلاته التلفزيونية الأخيرة، بدا، رغم كل شيء، واثقاً، يعرف جيداً ما هي العوائق أمام سينما أجمل. لقد اختصر بكلمتين فقط أمله بالمقبل من الأيام «سنصنع سوريا غير شكل».
راشد عيسى