استمعت بحرص شديد إلى تصريحات وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ في زيارته الأخيرة للضفة الغربية، التي بدت وكأنها تتكامل كما درجت العادة مع زيارة رأس الخارجية الأمريكية من حيث التوجه والطرح.
وما يميز زيارات الزوار، خاصة في خطبهم المتحركة مع كل محطة يزورونها، هو الحديث الدائم عن المعونات الاقتصادية التي قدمتها حكومة الضيف وما ستقدمه في قادم الأيام. ومع هذا الطرح يكثر الكرم في حجم المبالغ ‘الرنانة’. ومع التقدير لهذا الجهد وما قُدم وسيُقدم من كل الدول، إلا أن بريطانيا تحديداً لا تستطيع أن تنتهج الطريق ذاته، لاعتبارات تاريخية لا أريد أن أستثير ملل أحد في عدّها وتفصيلها من كثرة ما كتب عنها.
فحكومة صاحبة الجلالة ومع التقدير لجهودها يُنتظر منها الكثير الكثير. فالمال ومع التقدير له، ليس البديل عن الموقف يا معالي الوزير. الموقف الحاسم والجازم والقاطع. الموقف الفعلي الذي يضع النقاط على الحروف ويجنبكم خطأ تاريخياً جديداً تكون بريطانيا رأس الحربة فيه. موقف يقول لإسرائيل كفى للاحتلال.. وكفى للمستوطنات.. وكفى لنقاط التفتيش.. وكفى للحصار.. وكفى لاقتطاع الأرض العربية وتهويد القدس.. وكفى للاعتقال. وكفى للإصرار على أن يكون شبر من الأرض أهم من البقاء والاستمرار.
ليس من المقبول يا معالي الوزير أن تتحدث بريطانيا تحديداً عن المال وحده، أو أن تجلس حكومة صاحبة الجلالة كغيرها في مقعد المتفرج. فالشارع الفلسطيني يفهم المعادلات الدولية لمهادنة الاحتلال والخوف من مراكز ضغطه السياسي والاقتصادي والقانوني ومنظومة التحالفات، لكنه يعي أيضاً أن المعركة اليوم يجب ألا تستمر في إطار حفظ التوازنات والقول بأن العالم لا يستطيع التدخل وأن الطرفين مسؤولان عن إيجاد الحلول!
أية حلول، حلول اقتصادية، استيطانية إحلالية؟ أية حلول في ظل مشروع وأد فلسطين الذي تمارسه آلة الاستيطان؟
إن التوازن اليوم لم يعد مقبولاً لا فلسطينياً ولا حتى إسرائيلياً، كما يقول رجالات السلام في إسرائيل، تماماً كما تقول المقولة الإنكليزية بأنك تحتاج لصديق مخلص لينبّهك للخطأ والخطر الذي يداهمك لا أن يتغنّى بك. لذلك صداقة حكومة صاحبة الجلالة وإسرائيل وأسبابها المعروفة يجب أن تنصب على إنهاء الاحتلال، فالخبز والجنيه الاسترليني ليسا بديلاً عن الحاجة اليوم لإنهاء الاحتلال.
إن مساحة ملؤها الحرية والاستقلال هي من ستصنع الرخاء والسلام، وليس المساعدات في ظل الحراب أو في مقاعد التفّرج والمراوحة. فالمال يجب أن لا يأتي تكفيراً عن الذنب ولا تهرباً مطلقاً من الذنب ولا فرصة للمحتل لاستدامة احتلاله، وإنما أن يتبع قدومه إصرار وتحرك جاد لإنهاء الاحتلال … إذ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان!
‘ كاتب فلسطيني