الوجه الآخر لـ… حاتم

■ يمتلك أمناء الشرطة معرفة وثيقة بالمناطق التي يعملون فيها، وقدرة كبيرة على نسج العلاقات داخلها، وفوق ذلك فهم يمثلون الدولة، ضباط الشرطة يبقون بعيداً عن الوجود اليومي، وعادة ما توجد فوارق طبقية بين فئة الضباط ومواطني المناطق العشوائية والفقيرة، ففي اللقاءات الصغيرة التي أتبعت مقتل أحد السائقين في الدرب الأحمر على يد أمين شرطة، بعد نزاع على أجر السائق، كان الأهالي يركزون على انتمائهم لفئة الصنايعية، ولكنهم كانوا متمسكين بحقيقة مفادها أنهم مواطنون شرفاء، وبذلك هم يميزون أنفسهم عن فئة البلطجية.
كما كان المواطنون من منطقة الدرب الأحمر الشعبية مصرون على الفصل بين احتجاجهم العفوي وغضبهم المبرر، وأي أجندات إخوانية في رفض واضح ومباشر لحقيقة الخلط بين مظاهر الاحتجاج الشعبية والاحتجاجات الإخوانية.
واقعة الدرب الأحمر أتت قبل أن تطوى الآثار السلبية للاعتداء على أطباء المطرية من قبل أمناء الشرطة، الأمر الذي استفز الجمعية العمومية لنقابة الأطباء ووضع الأطباء في مواجهة مفتوحة مع وزارة الداخلية ومع وزارة الصحة، التي أبدت تراخياً في الدفاع عن حقوقهم، وبذلك كانت الفعاليات السياسية والشعبية تتوقع رداً قوياً من الرئاسة في مصر، ولكن ذلك لم يحدث، وبقيت عبارة (بعض) تحاول أن تتلافى أجواء المواجهة مع وزارة الداخلية، ومع الجسد الذي يمثله أمناء الشرطة وهو جسد لم يعد عشوائياً، ولكنه ينتظم اليوم في شعور من مئات آلاف الأمناء بالتهديد ويدفعهم للتفكير بالفعل بمواجهة مع الجميع، فهذه الفئة بدأت تستشعر بأنها ستتحول لاحقاً إلى كبش الفداء، الذي يمكن تقديمه بعد الانتهاء من إرساء التدابير الأمنية التي تلزم من أجل السيطرة على زمام المشهد العام في مصر.
هل يمكن تفهم المشكلة النفسية لفئة أمناء الشرطة؟ ربما تصلح نظرية (عبيد المنزل) الذي يختارون من بين العبيد من أجل خدمة السيد بصورة مباشرة، ويصبحون اليد التي يستخدمها للسيطرة على عبيده، وتترسخ لديهم عقدة مزدوجة، بين الاتضاع لمزاجية السيد ومتطلباته المنزلية التي تتصف جوهرياً بقدر من الإهانة واللا إنسانية، وفي المقابل، فإنهم يستشعرون بأنهم طبقة تمثل النخبة بين العبيد، ويحاولون أن ينفوا الإهانة التي يتعرضون لها بين جدران المنزل، من خلال سلوك عنيف تجاه عبيد الحقل، متناسين بالطبع أنهم وعبيد الحقل في النهاية لا يملكون من أمرهم شيئاً أمام نزوات صاحب المنزل.
ضمن هذه الرؤية يمكن أن يتفهم المتابع الانفلات الذي يعانيه أمناء الشرطة خلال العقد الأخير، فقبل ثورة يناير بفترة وجيزة كان المخرج يوسف شاهين بما يمتلك من طاقة رؤيوية يقدم شخصية أمين الشرطة (حاتم) في فيلمه «هي فوضى» ويشرح ممارساته الاستبدادية وغير القانونية، ويعتبره محفزاً للغضب الشعبي والثورة، وهو ما كان يتحقق بعد عرض الفيلم بأقل من أربع سنوات، حيث توجه الملايين من المصريين تجاه أقسام الشرطة التي فرغت من عناصرها المتوارين أمام الغضب الشعبي، ولكن (حاتم) بما يمتلكه من خبرة واسعة في مجاله الحيوي والوظيفي، وقدرة على التواصل باللغة نفسها مع ملايين المصريين، تمكن بعد الثورة من استعادة موقعه المؤثر في المعادلة، ولم يعد فقط يهدد الشارع المصري، خاصة الخواصر الفقيرة والهامشية منه، ولكنه يهدد وزارة الداخلية كلها ومن ورائها النظام بأسره.
أطلق بعض أمناء الشرطة تهديدات صريحة ومباشرة تحتوي على أسماء ضباط كبار في الداخلية، وكانت التهديدات تتضمن نشر مقاطع فيديو تشمل تجاوزات للضباط، ورفضاً لأن يتحول الأمين إلى المسؤول الوحيد عن التجاوزات الأمنية، ومعظم هذه التجاوزات تتعلق بحالات التعذيب، ولكن لماذا يصبح التعذيب أمراً مقلقاً في مصر دون غيرها، مع أن التعذيب نفسه يوجد في أكثر من بلد عربي بصورة منهجية، وكان التعذيب في سوريا والعراق يتحول إلى مهنة مستقلة بذاتها تظهر بفنونها وأدبياتها، ولماذا لم تستطع الثورة أن تتجاوز ثقافة التعذيب القائمة في مصر، والتي يبدو أنها تأصلت بصورة جذرية؟
التعذيب في مصر يعود إلى عصر الاقطاع الأجنبي ومرحلة المماليك، حيث كان الانفصال واضحاً بين المصري العادي وحاكمه، ومع أن الرئيس عبد الناصر طالب المصريين بأن يرفعوا رؤوسهم عالياً، إلا أنه اكتشف في مرحلة ما أن ذلك من شأنه أن يطيح به وجماعته من المماليك الجدد، فأبقاه وعمل على تطويره ليتحول إلى صناعة محلية نجحت وازدهرت، بينما فشلت مشاريعه الصناعية الأخرى، وكان يفترض للثورة أن تكون التحول التاريخي في الانقلاب على ثقافة التعذيب والغطرسة الأمنية، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث إلى اليوم.
بالتأكيد لا يمكن أن تسير دولة بحجم مصر في حالة من العماء تجاه المشكلة التي تحدث، والنذر الخطيرة التي تتهددها من قبل فئة كبيرة في أجهزتها الأمنية، ومع ذلك يبدو من الصعوبة مواجهة هذه الفئة بإجراءات ستدفعها لا محالة للانطلاق في البلطجة المباشرة بدلاً من البلطجة المستترة، وهذه الفئة تمتلك من الخبرة طبعاً ما يفوق فئة جنود الأمن المركزي البسطاء، الذين جرى احتواؤهم بدون تكلفة كبيرة في أحداث الأمن المركزي 1986، ولذلك يتوقع أنه لا يمكن مواجهتهم بالقمع أو الإجراءات التأديبية العنيفة، ولكن يبدو أن معالجة المشكلة من خلال الحوار متعذرة أيضاً، ويتطلب نوعية مختلفة من القيادات الأمنية التي يمكن أن تتخذ وجهاً حاسماً مع الأمناء، وأن تعطيهم الفرصة ليقوموا بإعادة تأهيل شاملة بين الأمناء، خاصة لوجود كيانات داخل هذه الفئة يمكنها أن تقود عملية إعادة تأهيل ذاتية.
«يعيش أهل بلدي».. من أشهر قصائد أحمد فؤاد نجم، وفيها توزعت طوائف المصريون بين المثقفين (يمكن أن يشملوا كل الطبقة الوسطى والمتعلمين) والتنابلة (الطبقة الثرية من أهل الزمالك قبل التجمع الخامس والقاهرة الجديدة) والغلابة، وبدون كثيراً من الذكاء، فإن أهالي النجوع الذين جرى تهجيرهم للمدينة من أجل التحول إلى دولة صناعية يمثلون هذه الفئة التي ينتمي لها اليوم كل من الصنايعي وأمين الشرطة والبلطجي، نعم هذه الفئة التي تنتظر الحصول على مكتسبات تخرجها من حالة الصراع في عشوائيات القاهرة وأحيائها الفقيرة وأزقتها الضيقة، وبهذه الطريقة فقط يمكن أن يعود (حاتم) إلى موقعه الطبيعي في المجتمع.
في القرى والأرياف من الصعب على حاتم أن يفرض قانونه بهذه الوحشية، ومحاولاته ستكون عالية التكلفة، ولذلك تراجعت البلطجة أمام حالات التكاتف الاجتماعي في الريف، فكان القانون العرفي يفرض نفسه، ومع أن هذه النقطة مرفوضة شكلاً وموضوعاً، إلا أن حالة المدن المزدحمة لا يمكن أن تتعامل مع القانون العرفي، ببساطة لأن الازدحام سيحولها إلى حرب مفتوحة وشاملة ومدمرة، وكل ما تحتاجه مصر أن تبحث عن تحديات جديدة وواقعية ومدروسة من أجل الانتقال بكتل سكانية كبيرة من القاهرة والمدن الكبرى إلى الصحراء في مشاريع تنموية حقيقية، مصر تحتاج إلى البراح وإلى أفق تعتليه شمس جديدة، مصر تستحق ذلك، والمصريون أهل لذلك، بمن فيهم الأبناء الضالون جميعاً، وفي مقدمتهم أمناء الشرطة الذين يحتاجون تعريفاً جديداً لدورهم في الدولة والوطن، ومكاناً لائقاً في المستقبل يقوم على الاحترام المتبادل الذين يجب أن يحصلوا عليه من (فوق) ليقوموا باستثماره في الشارع وترجمته في ممارساتهم وأفعالهم، بينما الأسهل أن يكون حاتم هو الضحية من جديد، وأن يرفعوه كبش فداء لحالة متردية من تحالفات المثقفين والتنابلة التي أبقت على الرغيف كلمة السر لكل حركة الدولة ومنجزاتها.

٭ كاتب أردني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية