التئام أركان الثقافة العربية الإسلامية وتأسيس سنن التقليد العلمي

لقد مكّن انتشار لغة القرآن بين الشعوب التي شملتها الفتوحات الإسلامية من اختلاط سكان البلاد الأصليين بالعرب الفاتحين، ودخول العناصر اليهودية والمزدكية والمانوية والمسيحية في صلب التفكير الإسلامي.
وكان لبعضها اطلاع مهم على الفلسفة اليونانية، خاصة النصارى منهم، ففي هذا الجو الفكري والسياسي نشأت الفرق، وتصادمت، وتكونت المذاهب الفقهية وظهرت الترجمات عن اليونانية والفارسية والهندية، لتثري الثقافة العربية الإسلامية ومكوّنها الدّاخلي، وأثّرت هذه الرّوافد الفكرية إلى حدّ كبير في بنية الفكر العربي الإسلامي نظريّا وعمليّا، شكلا ومضمونا، ومن جهة التكوين والتحصيل، وإن لم يتقبّل مجمل ما ورد فيها من جهة المنحى الغالب على قواعد التكوين وقواعد التحويل، ولكنّها مع ذلك ساهمت في توجيهه صوب وجهة في الفهم جديدة لم يألفها من قبل.
بدا مفهوم العلم في البيئة الثقافية العربية الإسلامية في طورها الأول، مفهوما مطلقا وواسعا لتعدد مصادره وأصول تحصيله وتداخل مسالكه، إذ تأسست رؤى المعرفة منذ التئامها في القرنين الهجريين الأولين، على الأقل، على فصل واع بين مركزيتين ثقافيتين، «مركزية ثقافية عربية إسلامية قامت على العلوم الشرعية، الغايات منها والأدوات المساعدة عليها. ومركزية ثقافية أعجمية، هيلينستية المنحى اطلع عليها العرب منتظمة أو قابلة للانتظام إلى حد قد يعسر معه أن يحدّد الدارس أي عنصر ثقافي من عناصرها.
وفي هذا السياق التاريخي، ازدهر «علم الكلام» وخاض في مسائل تجريدية، وكان مذهب الاعتزال الذي نشأ في القرن الثاني للهجرة أشدّ المدارس تنظيرا لمقولاته الفكرية وذلك لسببين رئيسيين: أوّلهما نشأة المعتزلة الأوائل في بيئة اجتماعية تميّزت اقتصاديّا وفكريّا بالحيويّة والنشاط النسبيّ، وهي مدينة البصرة التي تعتبر أحد محاور الاحتكاك الحضاري في العالم الإسلامي في القرنين الثالث والرابع تحديدا، ويتمثّل ثانيهما في انشقاق المعتزلة عن مذهب أهل السنة، وهو المذهب الذي آثر في أوّل أمره الحياد السلبي إزاء «الفتنة الكبرى» الذي استقلّ بعــد ذلك عـن المنازعات السـياسية التي دارت بين الأمويين وخصومهم، وانطوى على دراسة القضايا الإسلامية التي لا تكاد تمس الحياة السياسية مسّا مباشرا، ومنها قضايا العبادات والمعاملات وقضايا الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من الأصول القرآنية وتحقيق مصادر الأحاديث النبوية وتصنيفها.
وقد اقترن بلوغ علم الكلام مستوى معيّنا من العقلانية والتجريد في أوائل القرن الثاني للهجرة، ببروز مزيد من الحركات المناوئة للعقيدة الإسلامية، ذلك أن الواقع الذي ساعد على الرقي في سلم التجريد هو ذاته الواقع الذي أفرز مزيدا من التيارات ذات النزعات الفكرية المختلفة والمناوئة عن عمد أو عن غير عمد للعقيدة القرآنية.
يتضح حيــنئذ أنّ «الكلام» يتّسع تبعا لذلك التفاوت في مدارك الذهنيات ومطالب تحصيل العلم والعمل به. وإن انحكم من جهة المنحى الغالب بالعامل العقدي خدمة للفكر الديني والعقائد الإيمانية، ولتحقيق اقتران العلم بالعمل وتطابق النية والسلـــوك، ولنا في قول الجاحظ ما يعزز مكانة المتكلمين، فـ«كبــار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء».
ويمكن  أن ييسّر لنا «علم الكلام» الفهم المساعد على الإحاطة بمنزلة الفقيه والمحدث والحافظ والقارئ والراوية والمنطقي والمهندس في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، وعلى «تفسير وظائفهم وخصائصها وحدود التجاور والتداخل والتجانس أو التماثل بينهما وبينهم، وفي دائرة خطاب ثقافي ومعرفي وشفوي أو مكتوب أو هما معا وجامع وبدرجات متفاوتة بين مظاهر الحسّ وملامح الجسد وروح الوجدان وتقييدات العقل». بتعبير الدكتور فرحات الدريس.
 بدا حينئذ أنّ واقع التحدّي بالنسبة للفكر الإسلامي في تلك الفترة يتمركز في مدى عقلانية هذا الفكر ومدى مسايرته للمطامح الإنسانية المتغيّرة مما يعكس الطابع العقلاني الذي أخذ يتشكل في تلك المرحلة من تاريخ المسلمين ويطبع واقعهم الثقافي.
                 
٭ أستاذ وباحث في الحضارة من تونس

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية