الحديث عن 19 طائفة مضلّل سياسياً في لبنان. لسنا نعني الشيء نفسه إن قلنا عن الموارنة أو الروم الأرثوذكس طائفة أو قلنا عن السنة أو الشيعة أو الدروز طائفة ناهيك عن الأرمن والسريان والعلويين.
افتراض ان ما تشترك به كل الطوائف هو ما يعرّف الطائفة من حيث هي طائفة هو افتراض غالباًً ما يحوّل مفهوم الطائفة إلى معيق لمعرفة المجتمع اللبناني والاجتماعات، أو المجتمعات الداخلية، القائمة فيه.
وفي كثير من الأحيان يرتكب الباحثون المتسرّعون خطأ أكثر فداحة، ففي محاولتهم لتجاوز هذه الإعاقة المعرفية، لا يكادون يلمسون الطابع المركّب والمتخيل للطائفة، حتى يستنتجون أنها وهم ليس إلا، ويقعون في وهم التنوير اللاطائفي الغليظ، وهم تبديد الأوهام المكدّسة من حولك.
«الطائفة» تبقى خير مفهوم لمعرفة المجتمع اللبناني، بشرط إدراك أنّ الطائفة جماعة تختلف عن الجماعات – الطوائف الأخرى، ليس فقط بالمعتقدات الدينية والسرديات الذاتية التبجيلية لنفسها كطائفة، وليس فقط بالعدد ومناطق التركز، وانما، وبالتفاعل مع كل هذا، بدرجة التبلور الإثني، أي درجة عيش وصناعة وصيانة الاختلاف عن الآخرين وتنميط أناس الطائفة الواحدة كي يصير لها «داخل» و»خارج» هذا التبلور، الذي تدخل فيه اللهجة، وطرائق العيش، وأساليب التدبير المنزلي الداخلي، وأنماط الفرح والحزن، واحتمالات الفيزيولوجيا الواقعية والمتخيلة، وأنماط التفاعل أو عدم التفاعل مع الجماعات الأخرى، وتنبيتات الفولكلور والفانتازيا.
والمفارقة، زائد كل هذا، أنه مع كون «الاتنوس» هو أقل حاجة إلى الوعي بالذات كي يقرّ بوجوده، أقل حاجة في ذلك من مفهوم الطبقة الاجتماعية مثلاً، أو حتى من مفهوم «الفرد» – الذي يطغى عليه مفهوم «النفر»، فإن الهاجس الإثني في المجتمع المتعدد الطوائف دينياً كثيف الحضور، والجهد المنصب لتمييعه أو ابتلاعه أو تلافيه غزير للغاية.
الطائفة ليست «عصبية» فقط، انها «قوم». لكنها قوم متداخل مع سواه، بسبب «الطائفية» نفسها، التي تساهم في الدفع قدماً بعملية التبلور الإثني وتوقفها في منتصف الطريق، انما في «منتصف طريق» يتغير من قوم إلى قوم.
ليست كل طائفة دينية لبنانية هي اثنية قائمة بذاتها. لكن لكل طائفة منسوبا وشكلا من «الأثننة»، مع بقاء عملية الأثننة غير منجزة، أو غير متطورة إلى حد فاصل، لدى معظم هذه الطوائف، بل كلها.. ربما باستثناء الأرمن، ففي حالتهم الفاصل الإثني بينهم وبين باقي اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، لا يمكن نفيه بسهولة. لكننا نضيف الـ»ربما» لكون الأرمن بتعريفهم لبنانياً كطائفة، قسموا كذا طائفة بحسب الانتماءات الكنسية، ولم يجمعوا في قالب قومي – اثني واحد، كأقلية أرمنية، في حين أن الأكراد، ونظراً لتعذر الفاصل الكنسي بينهم وبين باقي السنّة، أجملوا في عداد الطائفة السنية.
عند افتتاح اللعبة اللبنانية، أي عند تأسيس الكيان، بعملية توليد كولونيالية فرنسية – اكليروسية مارونية مشتركة، كان يمكن التقاط معنى محدد للطائفة دينياً، انطلاقاً من حيوية القسمة، تحديداً بين الموارنة وبين الروم الأرثوذكس، في ذلك الوقت. فالطوائف، بالمعنى المسيحي للكلمة، كانت تعني الجماعات المختلفة باختلاف كنائسها. ورغم ان الموحدين الدروز لا يعرّفون ككنيسة بطبيعة الحال، إلا ان هذا المنظار كان يؤثر على تشخيصهم بشكل أو بآخر، ناهيك عن أنه في القرن التاسع عشر، وكما «حمت» فرنسا الموارنة، والنمسا الكاثوليك، وروسيا الأرثوذكس، وجد الانكليز في الدروز شبهة بروتستانتية ما، لإغداق الحماية عليهم.
الطريف بعد ذلك هو المسار الذي سلكته الأمور لتعريف المسلمين كطائفة، وهنا صرنا إلى الانشطار بين نموذجين: الطائفة عند المسيحيين باختلاف الكنائس، والطائفة عند المسلمين باختلاف المذاهب. لكن المذهبية ليس لها القوام المؤسسي الثابت نفسه كحال الكنائس. وهكذا، كل المسلمين السنة طائفة واحدة في لبنان، وليس الشافعية طائفة والحنفية أو الحنبلية طائفة، وعندما استقل الشيعة بأنفسهم عن السنة في الإفتاء والمجلس الملي بعد عقدين على استقلال لبنان، حافظوا على سمة الطائفة المتأخرة عملية التشكل، «آخر العنقود»، مع سعي للدخول في بورصة السرديات الأسطور- تاريخية، كسواهم، بالتركيب على ان جبل لبنان أو طرابلس عرفا فترة شيعية سابقة على الصعودين الماروني والدرزي في تاريخ الجبل، وأن هذين الصعودين أتيا كاستفادة «طفيلية» درزية ومارونية من عملية القهر المملوكي والعثماني للشيعة.
مع كونها قد تأخرت عملية تشكلها كطائفة ممأسسة، سلكت الطائفة الشيعية سريعاً سبيل «الأثننة المحتدمة». مصادفات تشكلها الملي لبنانياً، ونكبة الجنوب بالاحتلال الاسرائيلي، والتحسس من وطأة المقاومة الفلسطينية، وعملية اشتهاء الطائفة الشيعية كـ»بروليتاريا بديلة» من قبل اليسار، وانتصار الثورة الإسلامية ونهج خميني في إيران، دفعا بهذه الطائفة دفعاً باتجاه «الحزب المؤثنن» لها إلى أبعد حد: فعلى الرغم من أن الشيعة ينقسمون جغرافياً بين «عاصمة» لهم هي الضاحية الجنوبية وامتدادها المتنامي في بيروت «الغربية» وجيوبها في «الشرقية»، وبين الجنوب والبقاع الأوسط والشمالي، إلا أنّ «الكودرة الحزبية التعبوية»، وتجذر الاختلافية عن بقية المسلمين، بدون أن يثمر التقارب السياسي مع قسم من المسيحيين في التقارب الاجتماعي الجدي معهم، كلّ هذا عزّز الطابع الانطوائي للمادة البشرية التي يريدها نفس المشروع الأيديولوجي والحزبي أن تكون اقتحامية، انتشارية، بشروطه وأدواته، و»أممية ولاية الفقيه».
لا يمكن قول الشيء نفسه عن «الطائفة السنية»: عملية التأطير السياسي التوحيدي أو التنميطي لها بقيت إما فوقية، وإما «ازائية»، أي بازاء مسارات التشكل الإثني المتفاوت بين الطوائف الأخرى، وهكذا فإن الصراع المذهبي الحالي لا يدور بين سنة وشيعة لهم الكيانية نفسها، وانما بين شيعة استكملوا إلى حد كبير شروط التبلور كقومية اثنية، وبين السنة اللبنانيين الأبعد عن عملية التبلور الاثني هذه بين طوائف لبنان مجتمعة، بل الأبعد عن عملية «التبلور الاثني السريع» التي تجعلنا نتحدث عن «العرب السنة» في العراق، والى حد أكثر التباساً في سوريا.
المسيحيون شهدوا تحولاً في المقابل. لم يعد تفسير الطوائف المسيحية على أنها مختلفة بحسب الكنائس يغطي مساحة سوسيولوجية وسياسية وافرة. اضمحلت إلى درجة لافتة الطائفية الداخلية ضمن المسيحيين، ذلك أن الحرب وتركزهم بموجبها في منحسر جغرافي يمتاز بالاتصال بين ربوعه (وبعدم الانقسام عسكرياً الآن، بخلاف ما كان في الحرب، حيث خضع قسم كبير من هذا المتصل المسيحي للسيطرة السورية)، وبكونه في مركز الكيان اللبناني جغرافياً (بما يجعل الشيعة منفصلين عن بعضهم البعض، وكذلك السنة)، كل هذا أدى إلى مورنة المسيحيين ككل، وولادة «شعب» يمكن، تسميته تجاوزاً، «الشعب المارو- مسيحي».
الطوائف متفاوتة في قوامها الإثني. هذا التفاوت هو جزء من الصراع بينها. الصراع بينها هو جزء من عملية صناعة الإثنية. كفرضية: هناك مشروع «قومية إثنية» شيعية، ومشروع «قومية إثنية» مسيحية. ليس يمكن قول الشيء نفسه عن المسلمين اللبنانيين السنّة، وليس يمكن قول الشيء نفسه عن الدروز، رغم كونهم تقليدياً طائفة مغلقة، والأقرب اثنوغرافياً إلى فكرة «الإثنية»، لكن تحولهم إلى «قومية إثنية» تقارن حالياً بالديناميتين الشيعية والمسيحية، تفترض وصلاً ديموغرافياً وجغرافياً بين دروز لبنان ودروز سوريا، ليس تحقيقه بشكل منهجي بهذه السهولة، وليس بهذه الاستحالة.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة