بعد فصل عكاشة… أوقفوا قاذورات الإعلام حتى لا نخجل من مصريتنا

حظي قرار إسقاط عضوية توفيق عكاشة عن البرلمان بأجواء احتفالية في مختلف أنحاء البلاد، تأكيدا لحقيقة أن الشعب المصري مازال يتمسك بموقفه الرافض للتطبيع مع إسرائيل، في ظل استمرار سياساتها ضد الشعب الفلسطيني، رغم مرور ثمانية وثلاثين عاما على توقيع اتفاق «كامب ديفيد».
ومن الخطأ التقليل من أهمية هذا الموقف الشعبي الذي اضطر البرلمان إلى الارتقاء لمستواه، بالنظر إلى الخطورة التي كان يمكن أن يمثلها وجود منصة برلمانية لتحسين الوجه الإجرامي للحكومة الاسرائيلية، في بلد عربي محوري شديد التأثير إقليميا، خاصة في الوقت الذي تعاني فيه إسرائيل من تصاعد الإدانات غير الحكومية حول العالم، وكان آخرها الدعوات في بريطانيا للمقاطعة ضد سلطات الاحتلال في الاراضي الفلسطينية. وليس غريبا أن السفير الإسرائيلي، الذي لم يصدق نفسه وهو يجلس لأول مرة في اجتماع مع نائب عن الشعب المصري، بادر إلى مطالبة عكاشة بأن يعمل على تحسين صورة إسرائيل شعبيا بأي وسيلة وأي ثمن. ولم يتردد في الموافقة في المقابل على كافة طلبات النائب، بما في ذلك إقامة عشر مدارس ابتدائية تعويضا عن جريمة القصف الاسرائيلية لمدرسة أطفال بحر البقر الشهيرة قبل حرب اكتوبر، في دليل جديد على مدى ما يعانيه عكاشة من مرض نفسي. الا أن القضية ليست مجرد الرفض الشعبي للتطبيع، بل الرفض المماثل لحالة مقززة من الشتائم والقاذورات التي أصبحت تسيطر على لغة بعض المحسوبين على المهنة الاعلامية، حتى انها جعلت الكثير من المشاهدين يخجلون من انتمائهم إلى مصر نفسها، وشرف حمل جنسيتها.
وللاسف الشديد أننا لسنا أمام كارثة تقتصر على إعلامي واحد، بل إنها ظاهرة واسعة تشمل عددا من ممارسات البلطجة الإعلامية التي تطال الشرف والأعراض في غياب كامل لسلطات الدولة والقانون ومواثيق الشرف والأخلاق.
ومن المؤسف أن اولئك الإعلاميين حظوا بتحالف مع النظام في أعقاب الثلاثين من يونيو، باعتبارهم رمزا للعصر الجديد، من أجل تحقيق أهداف الثورة، فإذا بتفجر الصراعات بينهم من أجل الحصول على الأرباح، يكشف الحقيقة المريرة لمن اختارتهم رموز الدولة. وهكذا فإن الاحتفال المفهوم بسقوط «نائب التطبيع» سيبقى ناقصا بانتظار المحاسبة الشفافة بالقانون لأولئك الذين يمارسون جرائم اعلامية. إذ أصبح عاديا أن المشاهدين يستمعون إلى اتهامات متبادلة بعضها بالسرقة والنهب والممارسات الجنسية وغيرها، في تجاهل لوجود عائلات وأطفال، وسط تشجيع من بعض القنوات، باعتبار أن مثل تلك الجرائم تؤدي إلى زيادة نسب المشاهدة والشهرة والإعلانات والأرباح المالية.
وسنتطرق هنا من بعيد إلى بعض تلك الجرائم لكشف حقيقة أن الأمور أصبحت تحتاج إلى تدخل من رئيس الجمهورية شخصيا، بعد أن باتت سمعة مصر نفسها محل تهديد لا يمكن التغاضي عنه:
اولا- اثناء الحرب بين عكاشة وعدد من خصومه المحسوبين على الإعلام، هدد بأنه سيقتحم الاستوديو الذي يظهر فيه أحدهم ليعتدي عليه بصحبة عدد من البلطجية، ثم قرر الكشف عما قال إنه تاريخ أسود لذلك الشخص (الذي طالما كان يشيد به بعد الثلاثين من يونيو) فأذاع حكما قضائيا شمل عقوبات تضمنته وشقيقيه، زاعما أن السبب هو «ان أولئك الاشقاء رفعوا السلاح على بعضهم بعضا بسبب نزاع على إحدى السيدات». وبالطبع رد الآخر بالنفي الشديد لتلك الاتهامات، وزعم بدوره أن عكاشة استولى على أراض تقدر بمئة وخمسين مليون جنيه، وأنه يملك خمسمئة قصر، وبالطبع كان رد الاخر بدوره بالنفي.
ثانيا- اتهامات قذرة حقا بدأها نائب برلماني،لا يتسحق ذكر اسمه، ضد عدد من الاعلاميين والمدربين وغيرهم، مفادها جريمة مباشرة بالسب والقذف ضد الشرف، إذ زعم أن إعلامية كانت على علاقة مع وزير سابق في عهد حسني مبارك، بموافقة من زوجها الإعلامي (..). وللأسف فإن هذا الاتهام الرخيص الذي أذيع في قناة فضائية، واكتفى المذيع بالابتسام تعليقا عليه، ثم انتشر على اليوتيوب. الواقع أن تلك الإساءة لتلك المذيعة المحترمة، مهما كان الخلاف او الاتفاق السياسي معها، لا يمكن إلا أن يكون إساءة لكافة نساء مصر، لكن الدولة تغاضت عن اسباب تلك الجريمة. ولم يكتف بهذا، بل تحدث عن خلافات مالك إحدى المحطات عن العلاقات بين زوجتيه، في مسلسل استتبع اتهامات مشابهة تنال عائلــــته من بعض خصومه. وللأسف لا توجد نهاية للقاذورات في تلك الجرائم الاعلامية، بدءا من صور البورنو وهتك الأعراض وانتهاء بالاتهامات ضد الشرف.
وأخيرا يجب أن نشيد بصدور حكم قضائي قبل عدة أيام بحبس المذيعة ريهام سعيد عقابا على نشرها صورا عارية لإحدى ضحايا التحرش الإعلامي. وكان من اللافت أن المذيعة التي يبدو انها اعتادت على تغاضي الحكومة عن تلك الجرائم علقت بأن «جهات عليا تقف وراء الحكم». وإذا كان هذا صحيحا فإن تلك الجهات العليا لتستأهل كثيرا من الإشادة والاحترام، مع الأمل بأن يكون تطبيق القانون على ريهام وعكاشة ليس سوى بداية لمواجهة حقيقية لوقف القاذورات الإعلامية التي أصبحت تمثل خطرا حقيقيا على أمن مصر وسمعتها، بل تجعل المصريين يخجلون من انتمائهم لبلدهم العظيم الذي طالما كان يعلم الانسانية اصول الحضارة والاخلاق عبر التاريخ.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية