■ احترت فيما أكتب بمناسبة اليوم الدولي للمرأة – أأكتب عن العنف الذي يطال ملايين النساء العربيات؟ أم عن الزواج المبكر؟ أم عن انتشار الفكر المتخلف الذي يقولب المرأة في إطار جسدي، إما ملفوفة بخيمة سوداء أو شبه عارية تتلوى مع صوت قبيح لمغن مجهول؟ أأكتب عن ظاهرة التحرش التي تفاقمت في البلاد العربية والإسلامية، فاحتلت أفغانستان المرتبة الأولى ومصر تربعت في المركز الثاني؟ أأكتب عن انتشار جرائم الشرف البعيدة عن أي شرف؟ أم عن الفتاوى التي لم تترك شيئا يتعلق بالمرأة إلا وطاله نصيب مما جادت به خيالات أناس مهووسين بالجنس يصنفون على أنهم علماء؟ لكنني اخترت هذه المرة أن أكتب عن الرجل. نعم الرجل العربي وموقفه المتناقض من المرأة.
وسآخذكم أعزائي القراء في رحلة قصيرة إلى عقلية الرجل، وندخل قليلا بعد أن تشدوا الأحزمة جيدا إلى دماغه لنلتقي بأربعة وجوه نسائية، ثلاثة منها يرى الرجل فيهن الوجه الجميل للمرأة. أما الوجه الرابع فهو الذي يكشف زيف مواقف الرجل وينقض كل ما جاء من إطراء للمرأة في المحطات الثلاث الأولى، ويظهر زيف الخطاب الذكوري الفوقي وازدواجيـــــته وتخلفه وانتمائه إلى عصر الوأد والسبايا والقيان. ومع أن لكل قاعدة شواذا فقد تجد نسبة ضئيلة من بين الرجال من تخطى العقلية الذكورية الشوفينية وعدى برزخ ازدواجية المعايير وتناقض المواقف والخطاب الأكثر تخلفا ونفاقا. ولنقرأ بعض ما وجدناه في هذه المحطات:
الوجه الأول ـ المرأة حبيبة
أنت بالدنيا كلها ولو خيرت بينك وبين نساء الأرض جميعا لرجحت كفتك. أنت الهواء الذي أتنفس والأمل الذي أعيش من أجله والترياق الذي يشفيني من هذا الوجد الذي شف عظامي وعصر قلبي. لا أعرف كيف أصف جمالك الآسر ولا رقتك الملائكية ولا حضورك الآسر. وقد كنت أحسب أنني عيي على العشق «ولكن من يبصر عينيك يعشق». سأبقى الدهر عاشقا لك «وإن أمت يتبع صداي صداك بين الأقبر». و»قسما بربي والشريعة أنني لولا الشريعة ما عبدت سواك». إن نمت أراك في أحلامي وإن أفقت أتخيلك أمامي. «وإني لأهوى النوم في غير موعد لعل لقاء في المنام يكون» أراك في كل زهرة وفي كل قطرة ماء وفي كل نسمة عليلة. «أنت النعيم لقلبي والعذاب له فما أمرّك في قلبي وأحلاك» وهل رأى أحد قتيلا بكى من حب قاتله قبلي؟ أنت دائي ودوائي. حنانيك يا معذبتي ويا فاتنتي ويا ملهمتي ويا ظلي الذي أستظل وقلبي الذي يدق باسمك، ويا عيني التي أرى بهما وأقسم لك «إني لتعروني بذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطرُ». أذلني هواك يا معذبتي فقد «خضعت لها في الحب من بعد عزتي وكل محب للأحبة خاضع». فخففي عليّ فقد أصبحت أقرب إلى الأشباح، فكلما رأيت جمالك مقبلا «وحقك يا روحي سكرت بلا شرب». أتذكرين حين التقينا على منحنى وضممتك لعلي أشفي من نار الجوى «فلم تطفأ نيراني وزاد وقودها». لقد شكوت لك الغرام كثيرا ولو شكوت لصخر رق لي الحجرُ». سأنتظرك إلى آخر العمر لأن العمر يا عمري لا يعني شيئا بدونك. «ولأخرجن من الدنيا وحبكم بين الجوانح لم يشعر به أحد».
الوجه الثاني ـ المرأة أمـاً
وهل في مفردات اللغة أجمل من كلمة أمي. أنت يا أرق مخلوق في هذا الكون يا من تسهرين لأنام وتتعبين لأرتاح وتشقين لتوفري لي العيش الكريم. إن مرضت تألمت لي وإن غبت أرقت عيناك عليّ، وإن تعبت أقسمت إلا أن تحملي عني الوزر. هل في الدنيا مكان أدفأ من حضنك؟ وهل في الدنيا قلب أوسع من قلبك؟ وهل هناك نعمة في الكون أفضل من الأمومة؟ الجنة تحت قدميك يا أمي في الدنيا والآخرة فاسمحي لي أن أفرش خدي تحت قدميك واسمحي لي أن أقبل يديك صباح مساء، كما كنت تقبلين وجنتي وأنا طفل ألهو بين يديك، واسمحي لي أن أسهر على راحتك كما سهرت على راحتي سنوات طويلة. «يا رب يخليك يا أمي يا ست الحبايب يا حبيبة». حملتني وهنا على وهن. أنا مدين لك بكل نجاحاتي، فلولا الأجواء التي وفرتها لي وأنا أطالع دروسي على ضوء قنديل زيت لما وصلت إلى ما وصلت إليه. طفت الهند والسند يا أمي ولم أعثرعلى امرأة تمشط شعري وتحممني وتلبسني وتحدثني وتسليني وتواسيني مثلك.
«وتحمل في حقيـبـتها إليّ عرائس السكر، وتكسوني إذا أعرى وتنشلني إذا أعثر». هي حرم الحياة «بطهرها وحنانها هل فوقه حرم أجلّ وأقدس؟» إنها مدرسة الأخلاق التي نفتح عيوننا على دروسها الصادقة الصافية «فلم أر للخلائق من محل يهذبها كحضن الأمهات. فحضن الأم مدرسة تسامت بتربية البنين مع البنات». كل قوي ضعيف أمام أمه، وكل طاغية أرنب أمام أمه، وكل جبارعنيد قد يبكي على صدر أمه، كما بكي عبد الله الصغير أمامها فزجرته لأنه «لم يحافظ على ملكٍ مضاع مثل الرجال». والأم في الأخير مدرسة إن أعددتها وعلمتها وأهلتها أنبت جيلا طيب الأعراف. كل ما أتمناه ألا أموت قبلك يا أمي، فأخجل من الدموع التي ستسحينها عليّ. وكم بكيت في غربتي عندما سمعت عن رحيلك وصحت «كلا فما صدق الناعي ولا الخبرُ».
بكيت من قهر ومن غربة وشعرت بأنني الطفل الصغير اليتيم الذي لا يعرف كيف سيواجه نوائب الدهر من دون سلاحه الأمضى. بكيت عليك بدمع عينيّ فلم يجد البكاء ولا النحيب. ويارب خفف عليها ترابها «وأي حياة بعد أم فقدتها، كما يفقد المرء الزلال على الظما». كانت لعيني قرة ولمهجني سرورا لكن الأمور دول ومن كان لي خير منها في هذا الزمان ولولا اعتقادي بالقضاء وحكمه «لقطّعت نفسي لهفة وتندما».
الوجه الثالث ـ المرأة بنتاً
مع وصولها الميمون تغيرت كل معاني الحياة. أصبحت الحياة لها طعم أجمل. أدخلت الفرح والسعادة والأمل إلى البيت. البيت أصبح جنتي التي لا أريد براحها. أعود من العمل مثقلا بالهموم فألقفها في أحضاني فأنسى هموم الدنيا وما فيها. معها أصبح طفلا مثلها وقد أتفوق عليها في تصرفاتي الصبيانة، كي أرسم الضحكة على محياها. عندما خطت خطوتها الأولى كدت أطير من الفرح. صرخت على زوجتي بصوت عالٍ تعالي وانظري غزالتنا بدأت خطواتها الأولى. تنافسنا أنا وأمها على كلمتها الأولى هل ستكون بابا أو ماما. نحصي عليها حركاتها وابتساماتها وخطواتها وأعد أصابعها كل يوم وأكاد أعض إصبعها الصغرى لحلاوتها ورقتها. غرفتها تحولت إلى مخزن لكل أنواع الألعاب والدمى والأجهزة منها ما يضيء ومنا ما يعزف أو يغني ومنها ما يطير. وعن الفساتين حدث ولا حرج. كلما رأيت فستانا جميلا قلت كم هو لائق عليها فأشتريه من دون تردد. ملأت علينا حياتنا وأضفت على البيت حيوية لا نهاية لها. نداعبها نحملها نطير بها نتسابق في تدليلها. رويت لها كل قصص الأطفال، وبسّطت لها كل حكايات كليلة ودمنة، وغنيت لها كل الأغاني. أصبحت خبيرا في أغاني الأطفال وأفلامهم وألعابهم. فتشت عن كل محلات التسلية والحدائق التي تحتوي ملاعب خاصة بالأطفال وكل محلات ملابس الأطفال.
وأطيب ساع الحياة لديّ عشية أخلو إلى ولديّ. يا بنتي – يا قطعة من كبدي فداك يومي وغدي- يا أنشودتي ويا شعري الندي – تمختري وصفقي والعبي وغردي. فأنت السعادة ولا أتخيل الحياة بدونك.
الوجه الرابع ـ المرأة في المطلق
ناقصة.. عقلا ودينا. متخلفة.. ويجب أن تضرب بالعصا. أفضل شيء لها أن تبقى في بيت أبيها، ومن بيت أبيها لبيت زوجها ولا تخرج منه إلا للقبر. طريق جهنم معبد بالنساء. عاطفية لا تحتمل الضغط ولا تصلح للقيادة ويجب ألا تصل مقعد الحكم ولا أن تصبح قاضية ولا إماما، وأفضل شيء للمرأة بيتها وأولادها. هذا هو عمل المرأة الأفضل. المكتب ليس المكان المناسب للمرأة، ولا السوق ولا الشارع ولا البرلمان ولا الوزارة. إحذر المرأة دائما فكيدها عظيم وتستطيع أن تجر سبعين بغلا بخيط عنكبوت. والمرأة تلدغ من يقف في طريقها وتدعي المسكنة في الوقت نفسه. «يبدين ودا كاذبا والغدر حشو ثيابهن»، وخذ العبرة من قصة يوسف وآدم «أو ما ترى إبليس آخرج آدم من أجلهن». وإذا سألت حكيما عن النساء فسيقول لك «إذا شاب شعر المرء أو قل ماله فليس له من ودهن نصيب». والمرأة تدعي أن عقلها كامل وهي لا تملك إلا نصف عقل، بل و»إن أجملهن ليس بها جمال إذا غسلت ملامحها بماء. وأطولهن ليست ذات طول ويبقى سر ذلك في الحذاء. وأحلمهن تغضب من حوار وعند العجز تجهش في البكاء».
وما المانع أن يتزوح الرجل بثانية وثالثة ورابعة «فلا ذاك عيبا ولا بمحرم»، خاصة إذا ضمن طعامها وشرابها ومسكنها وملبسها. «متع فؤادك ما استطعت من الهوى». شاوروهن وخالفوهن واهجروهن إن لزم الأمر. وإذا عدت إلى البيت ولم تجد طعامك جاهزا فازجرها وحذّرها. وعليك أن تريها دائما العين الحمراء وإلا سيطرت عليك ويا ويله من تسيطر عليه إمرأة، بل «لا خير في قوم ولوا عليهم امرأة».
حوار بعد الرحلة مع رجل عربي
– هل ينطبق النوع الرابع على حبيبتك؟
– لا
– هل ينطبق على أمك؟
– لا
هل ينطبق على بنتك؟ لا
إذن ينطبق على كل نساء الأرض إلا حبيبتك وأمك وزوجتك؟ أليس هذا منتهى النفاق؟
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز
د. عبد الحميد صيام