الآن في مثل هذه الثانية الثقيلة جدا، لا أرغب في شيء سوى الاعتذار فقط…
أود أن أعتذر لأولئك الذين يتظاهرون بالنوم حين يفتح عليهم باب الغرفة، يدفنون دموعهم بصمت في وسائدهم، وأحزانهم في أعماق سحيقة في دواخلهم.. لمن يتحاشون الجلوس في المقهى لئلا يطلب منهم أحد استعارة الكرسي الشاغر من أمامهم فينبش قبر الوحدة.. لمن يزرعون الورد في حياة الآخرين ولا يحصدون غير الشوك، من يبكون حين يقرأون نصا يلامسهم، وعلى الرغم من كل هذه الأمور السيئة التي تحدث لهم نجدهم يؤمنون بأن النهاية ستكون سعيدة، كما في قصص الأميرات. لأولئك الذين يشعرون بالحزن والوحدة الآن في مثل هذه الثانية أنا أعتذر.. أعتذر بشدة لأنني فشلت في التعبير عنكم ولو بكلمة واحدة..
أعتذر لأنني دوما أرى تلك الوحدة التي لها مخالب متشبثة بكم ومع هذا كنت أقنع نفسي بأنها تفصيل من باب الحميميات التي لا يُسمح باختراقها. أعتذر لأنني بقيت دوما خلف حجاب تلك الوحدة متوهمة أن الخصوصية حق فردي حتى حين تكون ذلك الوحش الكاسر الذي يزرع في قلوبكم الكثير من الخوف من المستقبل.
سلسلة الاعتذارات كثيرة، تقفز بين حلقي وشفتيّ وتعود للأعماق المثخنة بأوجاع من نسيتهم. أكاد في هذه اللحظة التي عصفت بي كموجة تسونامي مفاجئة أن أركع وأطيل الركوع والسجود مستسمحة من لم أسمع صوته بقلبي، مع أنني حتى في أعتى لحظات فرحي، كانت تهبُّ عليّ صُور الذين تمنيت أن أتقاسم معهم الفرح، فأذكرهم ولا أعرف حين تبكي نفسي هل أبكي غيابهم أم أبكي حالي بدونهم، متذكرة تماما ما قاله شكسبير: «ليس الوجع في أيام الفقد الأولى، بل حين تأتي الأيام السعيدة فنجد أن من يستطيع مشاركتك بشكل أعمق قد رحل».
الرّاحلون بدوننا أيضا يحتاجون لاعتذار متأخر منّا، لأننا لم نمنحهم الوقت الكافي من وقتنا المبعثر هنا وهناك. الذاهبون إلى الأبد يستحقون اعتذارا بحجم الحسرة التي تملأ قلوبنا، لأننا لم نعطهم لقمة الحب التي تشبع جوعهم نحونا.. الذاهبون بدوننا، أولئك الذين تتعلّق بهم قلوبنا عشقا ونطمر عشقهم خوفا من كبريائنا، يلزمهم اعتذار خاص.. علينا أن نكون آسفين على كل لحظة ذهبت هدرا لأننا لم نعرف أن نحضن فيها من نحبهم، لكن حين نكون ـ نحن المنسيين ـ في الغرفة المظلمة وسط بهرج من نحب، من يعتذر منا؟ من يأسف لوجعنا وهو ينهشنا حتى العظم؟ من يشعر بالخنجر الحامي الذي يخترق كومة مشاعرنا ويترك اللهب يلتهمنا شيئا فشيئا في صمت؟ تبدو الحياة كلها في هذه اللحظة وهي تعصرني كبرتقالة طازجة، مجرّد يد قدرية قوية تريد أن تخرج مني عصارة عمر بأكمله لم تكتمل فيه مواسم الحب كما تمنيت.. إذ فجأة رأيت الشق الذي لم يمتلئ في كأس أدمنت الشراب منها، كما رأيت شقوقا تسيل منها دموع روحي… وأشياء أخرى كثيرة تسربت منها هي أجزاء حية من ذاتي.
يقال إن الاعتذار لا يصحح الماضي ولا يمسحه، ولكنه يفتح أبوابا واسعة على المستقبل. فهل ترى ستفتح هذه الأبواب أمامي أنا التي تصعب عليّ العودة للماضي وتنقيحه من أشواك النسيان؟ وإن لم أتلقّ الاعتذار الذي تمنيته دوما من أشخاص علقوا في الحلق غصة لا تنسى فهل سأجد السلام الداخلي الذي أرجوه، والذي يتحدث عنه المعتذرون والمعتذر لهم؟
ما أعرفه من أعمق أعماقي هو أن الاعتذار ابن المحبّة. ولست حتما بحاجة لحكمة مارتن لوثر كينغ التي تقول «الرجل الذي لا يعرف أن يعتذر لا يعرف أن يحب»، لأنني تعلمت هذه الحكمة من تجاربي الخاصة، أما ما أعجبني في المقولة فهي أن رجلا قالها.
ما عشته وأعيشه هو أن الاعتذار جزء من النّفوس الطيبة، الشفافة، ولست بصدد وصف نرجسي لنفسي، ولكنني كثيرا ما بكيت وأنا أعتذر من أحبة تجاوزوا حدود القلب إلى قلب القلب. والآن واللحظة تمر بكل ثقلها عليّ محمّلة بصور من أحبهم، كموجات بحر خريفي هائج، أزداد إلحاحا على نفسي للسجود أمام هذا الأفق الأزرق وطلب المغفرة والسماح… أشعر بأن أشياء غير محتملة وكائنات شريرة تغزو داخلي الطيب، كلما عصي عليّ أن أنحني معتذرة ممن أسأت لهم بدون قصد…
نعم يحدث أن أنطلق من نفسي لكتابة مقال ما، لكنني أيضا أذهب في خضم الموضوع إلى نهايته. فلطالما تساءلت هل الاعتذار رشوة للآخر، حتى إذا ما أخطأنا في حقه مرة أخرى ننال صفحه سريعا؟ أم تراه الطريقة المثلى لبناء علاقات صحيحة ومنتجة؟
يقول العقلاء دوما إن الشعوب التي لا تنال تربية جيدة في صباها، ولا تتعلم فن الاعتذار إلى جانب فنون التعامل اليومي تبقى مكانها، وتدور في رحى التصفيات الجسدية التي لا تنتهي، وحتّى أنها تخفق تماما في أن تخرج من دوّامة تبتلع المغضوب عليهم، بدون أي إشارة في الأفق لإنهاء ملهاة الدم تلك، تماما كالمتاهات القاتلة لقصص الثأر في الصعيد المصري ومناطق أخرى معروفة في العالم.
أقول كل هذه الأشياء وصوت يرن في رأسي يخبرني عن كم الحب الذي يحمله الاعتذار..عن كمية الحرية التي تغمر المعتذر، وكيف تغير حياته من «ساسه» إلى رأسه.
لنتوقف قليلا: فالحالات التي تحدثت عنها ابتداء من نفسي وجدت في الطبيعة البشرية جمعاء، ولننظر من حولنا كيف أن الناس على اختلافهم يعطوننا أمثلة حقيقية عن نتائج الأحقاد والبغضاء، وهي كوارث مضاعفة تضرب بكل محتويات أفئدتنا، ووحده سخاء الاعتذار يجعل المحطّات المؤلمة خلفنا. لعلّ ذلك صعب على من تلقّى ضربة موجعة، ولكن السؤال الذي يجعلنا نوقف اندفاع الشر فينا للسيطرة على سلوكنا هو: «لو أنني كنت مكان من أذاني كيف أتصرّف؟ بالتأكيد كان ألمه لا يطاق حين نفث سمّه في وجهي وتمنى لي أن أموت»، في أقصى حالات الكراهية هكذا يجب أن يكون الوضع.. هكذا يجب أن نخطو خطوة نحو السلام الداخلي، ونعالج النّفس من أثقال أوجاعها. لكن لنعد لذلك الشخص الذي يتظاهر بالنّوم في الغرفة المجاورة لغرفتنا، ويتقاسم دمعته مع وحدته، ألم نعش شيئا مماثلا؟ إن لم تتذكروا أو كابرتم ورفضتم الاعتراف، فأنا عشت تلك اللحظة يأسا، لأني لم أعد أنتظر شيئا من أحد، ولأنني امتلأت واكتفيت من لامبالاة الأقربين.. تلك طريقة لطلب النّجدة من الذات.. مع توسل صامت أن نُفهم من الآخر، توسُّلٌ فيه مزيج من الأمل واللاأمل.
من عاش اللحظتين معا، لحظة المتظاهر بالنوم ولحظة الواقف عند الباب مع خطوات للوراء، سيعرف أن المشهد يجب ألا ينتهي هنا، لهذا يجب تغييره.. بعض الكلمات الهادئة..
لمسة حنون.. عناق أن تطلّب الأمر مع كلمة «أعتذر»، نصبها بكل مشاعرنا في مشاعر الآخر، ثم نفتح الأبواب على مصراعيها ليخرج الجفاء إلى الأبد منا، ويحل محلّة سلام بلا حدود.
شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب