لا يصعب أن تجد عشرين نفراً في مدينة حماة السورية يتجمهرون حول الممثل مصطفى الخاني، نمس «باب الحارة»، المسلسل التلفزيوني السوري الأشهر، عند زيارته لمدينته. لكن يصعب استيعاب كيف يتحوّل ذلك الاستقبال إلى ما يعتبره الفنان الخاني «حدث» الموسم، فيصدر بياناً يوقّعه باسم مكتبه الصحافي، ويعنونه بـ «مظاهرة حاشدة في حماة ترحيباً بمصطفى الخاني»، مرفِقاً إياه بفيديو، سيعتبره الشغل الشاغل لمواقع التواصل الاجتماعي.
يصف البيان الصحافي، الذي لن تجد مثيلاً له عند براد بيت أو ليوناردو دي كابريو وميل غيبسون، كيف زار الفنان خيوله في المدينة، حيث مسقط رأسه، وكيف ولدت له مهرة، كيف تجول في أسواق المدينة، وزار جمعياتها الخيرية مطمئناً على أحوالها.
ويصف كيف (وهنا اقتباس حرفي من البيان الصحافي) «لقي حفاوة كبيرة من الأهالي خلال زيارته لأسواق ومطاعم ومنتزهات المدينة التي قضى فيها فترة طفولته، ولكن المفاجأة كانت بعد وصول مصطفى الخاني إلى منزله، حيث اجتمع أكثر من 300 شخص من المحبين عند منزله في منطقة الحاضر وبقوا ساعات عدة أمام المنزل منتظرين خروجه، ثم بدأوا بالهتاف (بدنا أبو ليلى، بدنا أبو ليلى)، فخرج إليهم الخاني لتحيتهم وشكرهم والسؤال عن أحوالهم، والتقط معهم الصور والفيديوهات، التي سرعان ما انتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي في حماة، وتجمع الناس حوله بأعداد كبيرة، ولم يستطع الخروج إلا بمساعدة الشرطة».
في الفيديو المرفق سنشاهد الفنان محاطاً بما لا يزيد عن عشرين شخصاً، والأهم؛ العسكر المتحلقون حوله، مدججين بكامل سلاحهم ولباسهم العسكري يردّون عنه معجبيه. مشهد لن يحظى به فنان عربي ولا عالمي. «أنا» لن تجد مثلها، حتى وإن ادّعت البساطة والاهتمام بالمحتفين.
يبقى أكثر ما يلفت في بيان الخاني الصحافي تسميته لمعجبيه بـ «تظاهرة حاشدة»، الأمر الذي يدفع لسؤال الفنان، اللصيق جداً بالنظام السوري، إذا كانت هذه «العجقة» الصغيرة «تظاهرة حاشدة» فماذا يسمى تظاهرة النصف مليون الشهيرة التي خرجت في حماة مطالبة بإسقاط نظامه، وهي موثقة بالفيديو والصور والشهادات، هل له أن يسأل نظامه كيف أنكر كل ذلك!
بالمناسبة؛ على بُعد بضعة كيلومترات فقط من زيارة الفنان تدور معارك طاحنة، وقصف بربري يذهب ضحيته يومياً عشرات الأبرياء، فهل أخذ الخاني، ومعجبوه، وخيوله علماً بذلك؟!
فوز المعلمة الفلسطينية حنان الحروب بلقب «أفضل معلم في العالم لعام 2016» جاء أفضل رد على مجموعة كبيرة من الفيديوهات التي تناقلها فلسطينيون بغضب، شكّلت أكبر إهانة للمعلم الفلسطيني، من بينها انتقاد عزام الأحمد، رئيس كتلة «فتح» البرلمانية، في مقابلة تلفزيونية تحركهم، بل ووضعه «عليهم علامات استفهام وطنية».
قبل ذلك كانت استجابة الرئيس محمود عباس لمطالب المعلمين جواباً معقولاً، لكن الحروب جاءت، قياساً بحال المعلمين المزري، وتجرؤ السلطة على التشكيك بوطنيتهم، أشبه بمعجزة.
مدهشة حنان الحروب، عندما تصنع معجزتين في وقت واحد، وهي على كل تلك البساطة في الإطلالة والحضور والخطاب، كأي أم فلسطينية، تصنع معجزاتها، من دون أن تنتبه إلى أنها تصنع المعجزات.
أعلن الكاتب والمعلق السياسي عماد فوزي شعيبي، أحد أبرز أبواق النظام في سوريا، أن قصيدته «سرّي في الشام»، ستظهر إلى النور بصوت ميادة بسيليس وألحان سمير كويفاتي.
لطالما قدم شعيبي نفسه كمفكر وكاتب موسوعي، ومبدع شامل، وهكذا قدمه إعلام النظام. مهنة الشعر، وإلقاء الشعر، ليست جديدة تماماً على جمهوره. الجديد هو قابلية قصيدته للغناء، وهو بالفعل وضع القصيدة على صفحته في «فيسبوك» ملقاة بصوته، مرفقة بموسيقى وكورال يغنيها.
شعيبي يقرض الشعر إذاً، فيما تغنيه بسيليس، ويلحنه زوجها كويفاتي، أولئك اللذين توسّم العالم (العالم السوري خصوصاً) بهما فيروز وعاصي رحباني سورييْن. ولعلهما يجدان الآن في شعيبي سعيد عقل الخاص بهما.
يا له من شاعر ومفكر ومعلق وسياسي رديء! ويا لهما من «مبدعيْن» مخيّبيْن، خصوصاً على اختيار قصائد شعيبي.
لكن لِمَ الغرابة! حين يجد الشاعر صالح هواري ميادة الحناوي تغني له، لا غرابة في أن تغني بسيليس لفوزي شعيبي. هذا ما نسميه بالفصحى، وبالعامية «اكتمل النقر بالزعرور».
بئس الزمان الذي يغني فيه الناس فوزي شعيبي!
أحزن ما قد يشاهده المرء، في الذكرى الخامسة لانطلاقة الثورة السورية، فيديو لمعتقلين سوريين وهم يخرجون من سجن صيدنايا، سيىء الصيت. المعتقلون بالعشرات يغلب عليهم الأطفال والنساء. ليس بريئاً تماماً تصويرهم بلا مواربة، على مرأى الجميع، وليس بريئاً أن يكون الفيديو منشوراً على قنوات التواصل الإجتماعي.
الفيديو حزين تماماً، ترى فيه الأقدام العارية، المتورمة، والوجوه المتعبة، الحزينة، الأكتاف المحنية، باختصار ترى خلاصة الذل، في وجوه خرجت تقول «الموت ولا المذلة». هذا هو انتقام النظام، الذي جعلهم، فوق ذلك، يهتفون لبشار، وبحياته.
إنه فيديو انتقاميً تماماً. الشعب السوري صرخ بعالي الصوت «الموت ولا المذلة»، والنظام جاوب (والقول مكرر) بعالي الرصاص «الموت والمذلة معاً».
لعله من المحبط، إلى حد ما، أن تكون أغنية مشتركة لهاني شاكر وحسين الجسمي واحدة من إشارات البدء لعملية «رعد الشمال»، وهي أغنية حملت عنوان «عزم الرجال».
ليس من السهل أن يقبل المرء فيديو الدم والنار على وقع بكائية هاني شاكر وزعيق الجسمي، مع كلمات تقول «أهدافنا واحدة. جيوشنا في وحدة. ثابتين ليوم الدين. وفي أي محنة. رافعين سلاحنا. حالفين ومتعاهدين. لا دينا دينهم. ولا إحنا منهم. ولاغدرهم ده حلال. يا رجال رعد الشمال».
هناك من تذكّر تراثاً هائلاً من الأغاني الحماسية العربية، بعضهم قال نريد «طل سلاحي من جراحي»، و«فوق التل»، «أصبح عندي الآن بندقية»، «الله أكبر فوق كيد المعتدي.. أقل من ذلك لا نقبل، أقل من ذلك لن يكون رعداً لائقاً.
كاتب من أسرة «القدس العربي»