ظاهرة «العواكيش» تتصدر المشهد خاصة في الإعلام… والدستور ينتهك يوميا مع كل شهيق وزفير

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»:مرة أخرى شعار لا صوت يعلو على صوت الدولار، الذي سيطر على اهتمامات الرأي العام وعكسته الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 15 مارس/آذار، بإعلان البنك المركزي خفض القيمة الرسمية للجنيه أمام الدولار، بحيث أصبح ثمانية جنيهات وخمسة وتسعين قرشا، وتبع ذلك نشر بنكي مصر والأهلي إعلانات عن شهادة جديدة باسم «شهادة المايسترو» بالجنيه المصري بفائدة سنوية قدرها خمسة عشر في المئة، وتقتصر على أصحاب الودائع الأجنبية، التي يحولونها إلى الجنيه.
وبينما أثارت عملية الخفض الرسمي للجنيه، رغم أنها أقل من سعر الدولار في السوق الموازية، القلق من ارتفاع أسعار السلع، فإن وزير التموين خالد حنفي سارع إلى التأكيد على أن أسعار السلع الغذائية التي تبيعها الدولة في المجمعات الاستهلاكية ومنافذ البيع الأخرى، لن تتأثر بالقرار، وأن سلع شهر رمضان متوافرة. أما رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، فقد رحبوا بالقرار وأكدوا أنه يثبت لهم جدية النظام في تنفيذ تعهداته بالإصلاحات الاقتصادية لعلاج أزمة عجز الموازنة العامة للدولة، وبالتالي قدرتها على تسديد القروض التي تطلبها، ورفع تصنيفها في الأسواق العالمية. أما رئيس الوزراء شريف إسماعيل فقد أحس بالارتياح، لأن قرار البنك المركزي خفف عنه عبء فرض زيادة كبيرة على تذاكر مترو أنفاق القاهرة، عندما يعرض برنامج حكومته على مجلس النواب في السابع والعشرين من الشهر الحالي، بأن نفى الإقدام على هذه الخطوة، لكنه أكد كذلك على أنها لو حدثت فستكون الزيادة طفيفة، وفي قدرة الركاب، وليس كما يقال. وهو ما يعني أن الزيادة إما أن تكون في حدود جنيه أو نصف الجنيه على التذكرة، بدلا من ثلاثة أو خمسة جنيهات، كما نشر. ولكن المشكلة هي في توقيت رفع السعر، هل سيكون قبل شهر رمضان أم بعده؟ هذا ما سيتضح بعد بيان الحكومة. أما بالنسبة للتغيير الوزاري، فلم يعد الناس يهتمون به ولا بالقضايا الأخرى الساخنة التي تشغل بال السياسيين والمثقفين فقط، لأن الفجوة بينهم وبين اهتمامات الأغلبية تتسع باستمرار، لدرجة أن القضايا الدينية الحساسة التي كانت تثير العواصف لم يعد الناس يهتمون بها، وهو ما اتضح من ظاهرة انتشار الإلحاد إلى ازدراء الأديان إلى قضية وزير العدل المستشار أحمد الزند وإقالته بسبب ما قاله عن حبس النبي صلى الله عليه وسلم.
والاهتمام الثاني للأغلبية بعد ارتفاعات الأسعار، لا زال كما هو، نتائج مباريات كرة القدم وبعض الجرائم مثل القبض على جزار أراد إجبار طليقته وأبنائه منها بالعودة إليه بتخويفهم، بأن اصطحب صديقا له وسكبا البنزين على باب شقتها وأشعلا فيه النار حتى يخافوا ويهربوا فكانت النتيجة احتراق الزوجة وصديقة لها وقفز أبنائه من الدور الثامن للنجاة فماتوا، وفي الإسكندرية تم القبض على أم ذبحت ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما وأنكرت أمام الشرطة أنها القاتلة، إنما الجن السوداني الذي تلبسها وأخبرها أنه يجب عدم وجود ذكر غيره في الشقة، وطلب منها ذبحه ففعلت. وإلى بعض مما عندنا….

الخروج على قيم
وآداب وتقاليد المجتمع

ونبدأ تقريرنا اليوم بمعارك الإسلاميين والتحقيق الذي نشرته «اللواء الإسلامي» الأسبوعية، التي تصدر كل خميس عن مؤسسة أخبار اليوم الحكومية، لزميلنا مهدي أبو عالية عن الذين يطالبون بإلغاء عقوبة ازدراء الأديان فقالت المستشارة تهاني الجبالي النائبة السابقة لرئيس المحكمة الدستورية العليا «ناصرية»: «تجريم ازدراء الأديان ليس مسألة اختيارية، إن أحدا في مصر لا يقبل ازدراء الأديان في ثوابتها العقائدية وقيمها الأخلاقية ومبادئها الإنسانية. هناك خلط شائع الآن بين حرية الرأي والإبداع والخروج على النظام العام، فمن منا يقبل الإباحية؟ ومن يرضى بالإسفاف؟ ومن يتهاون في الآداب العامة؟ لأن هذه فضلا عن أنها قيم دينية، فإنها جزء من قيم وآداب وتقاليد المجتمع. أطالب هنا بتحديد المعايير التي تحكم ازدراء الأديان، حتى لا يُساء استخدامها، بتحديد واضح للحدود الشرعية، التي لا يجوز لأحد أن يقترب منها، حتى لا تصبح قيدا على التفكير وإعمال العقل، الذي هيأ له الإسلام مناخا رشيدا للتفكير وحرية الرأي والإبداع. نحتاج تفسيرية تضبط المسألة بمعايير واضحة ومنضبطة فلا خلط بين حرية الرأي والازدراء، ولا ربط بينها، أي حرية الرأي والتعصب والتشدد، لأننا بصدد قضية خطيرة، وأعني بها حماية النظام العام للمجتمع في تراثه وقيمه ومبادئه التي تربت عليها أجيال، قبل أن يدهمنا طوفان إباحي يهدد المجتمع ولا يقل في خطورته وضراوته عن الإرهاب الأعمى الذي يقتلع الأوطان ويهدد هوية المجتمعات. إن التطاول على الأديان ليس رأيا والطعن فيها ليس إبداعا لأنها ليست من صنع البشر».

مزدرو الأديان يلوثون الرأي ويهينون الإبداع

وفي تحقيق «اللواء الإسلامي» نفسه قال صديقنا الفقيه القانوني والمفكر الإسلامي الدكتور أحمد كمال أبو المجد: «استغفر الله من تداعيات خطيرة لأنها تفتح بابا لا حدود له من السخرية والاستهزاء والازدراء والتهجم على الأديان، ممن يعرف ومن لا يعرف، لأن ازدراء إبليس ليس إبداعا، فما بالنا بازدراء الأديان ولماذا هذا التخوف؟ وما هي الضرورة؟ بعض أحكام القضاء التي صدرت بحق بعض أدعياء الثقافة والفكر، هؤلاء ليسوا أصحاب فكر أو رأي. هؤلاء «شاتمون» متطاولون يفسدون الفكر ويلوثون الرأي ويهينون الإبداع، فليس فكرا ولا رأيا ولا إبداعا من يزدري دينه سر وجوده وقيمه ومبادئه وأخلاقه. محاكمتهم قضائيا حماية للمجتمع ونظامه العام من شرور أفكارهم التي ينشرونها على الناس، وليتهم يتوارون خجلا وخزيا «إذا ابتليتم فاستتروا». ويظل الازدراء للأديان جريمة لأنها عملي إيجابي في الإهانة، تجاوزت حد الاعتقاد الشخصي لتصبح ظاهرة اجتماعية تستحق التجريم، فنحن لا نتحدث ولا نتكلم عن شك أو ريبة انتابت من يزدري دينا «أي دين»، لكننا نتحدث عن إهانة إيجابية تصل إلى حد الإنكار والتطاول، والجدل هنا لا يليق بمثقفين أو مفكرين أيا كانوا قيمة وقامة قل ما شئت عنهم وفيهم، لكنني أخاطب كل عقول واعية وقلوب نقية لماذا يطالبوننا بغمض الطرف عن جريمة إيجابية».

إبراهيم عيسى:
الوهابية تسيطر على الأزهر الشريف

أما يوم الأحد فقد عاد زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة «المقال» بمهاجمة الوهابية خاصة بعد اتهامات الرئيس الأمريكي أوباما لها فقال بثقة شديدة:
«لم تعد هناك أي قدرة على المراوغة، الوهابية هي سر الإرهاب وسبب انفجار العالم كله بكارثة التيارات الإسلامية الإرهابية. كل الأسباب الأخرى صغيرة وثانوية وفرعية، أما السبب الأكبر الأهم فهو الوهابية الثرية التي امتلكت أموال النفط فدمرت العقل المسلم. الوهابية هي عقيدة كل إرهابي مسلم في العالم، ولا أمل في مواجهة الإرهاب إلا بمواجهة شاملة للوهابية، لكن الوهابية تحكم وتسيطر على العقول في المكان الوحيد الذي يمكن أن يواجهها بقوة، تحكم وتسيطر على مصر الأزهر ومن ثم لا أمل للعالم وللإنسانية كلها إلا بأن تتحرر مصر أولا من الوهابية».

علماء الأزهر يرفضون دعوات تنقية التراث

واجتذب الهجوم على الوهابية والأزهر زميلنا في «المصري اليوم» حاتم فودة المشرف على باب البريد فقال في عموده «ألو»: «معظم ما يدور حاليا على الساحة الإسلامية من أفكار متطرفة، تُظهر الإسلام بغير صورته الصحيحة، يقع جزء كبير من الوزر على عاتق الأزهر الشريف، عبر الفضائيات المتعددة أجد كثيرا من علماء الأزهر يرفضون دعوات تنقية التراث، بل أشعر بأن بعضهم يخاف وينتفض فزعا إذا تعلق الأمر بما يمس حديثا ورد في «صحيح البخاري»، رغم تجريح علماء عبر القرون لبعض ما طُرح فيه. إن كل دارس للسنة النبوية يعلم أن سيدنا النبي أمر بعدم تدوين أحاديثه، وأمر من كتب شيئا أن يمحوه. كما أن الخلفاء الراشدين رفضوا تدوين السنة ونصحوا بالإقلال من الرواية والاعتماد على القرآن، ولم يُدون الحديث إلا بعد قرن ونصف القرن من وفاة الرسول، وذلك في عهد عمر بن عبد العزيز وتدريجيا تضخم عدد الأحاديث حتى بلغ المليون حديث في عهد أحمد بن حنبل».

وجيه وهبة:
شتان بين وهابية الفن ووهابية الداعية

ولأن صاحبنا وجيه وهبة كان يدندن بأغنية لمحمد عبد الوهاب وقرأ ما كتبه عيسى وفودة عن الوهابية حتى ربط بين الوهابيتين وقال في عدد «المصري اليوم» نفسه:
«بالنسبة لنا في مصر كانت تعني أنصار ومحبي وتابعي الفنان محمد عبد الوهاب، والمعجبين بمدرسته اللحنية وأدائه الغنائي. «الوهابية» الآن تعني أنصار وتابعي الداعية «محمد بن عبد الوهاب» صاحب المذهب السلفي المتشدد المتطرف في غلوه. هناك تشابه واختلاف بين الفنان المصري محمد عبد الوهاب الشعراني، وبين الداعية النجدي محمد بن عبد الوهاب التميمي. كلاهما اسمه الأول محمد وكلاهما اسم أبيه عبد الوهاب، كلاهما عاش ما يقرب من القرن من الزمان، فعبد الوهاب الداعية وُلد في بداية القرن الثامن عشر ومات في نهايته، وعبد الوهاب الفنان وُلد مع ميلاد القرن العشرين ورحل مع نهايته. كلا المحمدين ترك أثراً مهماً في الملايين من الناس، ولكن شتان بين «الوهابيتين» بين وهابية الفنان «الحياة الحب والحب الحياة» ووهابية الداعية «الحياة القتل والقتل الحياة». شتان بين وهابية تهتز لها الرؤوس نشوة، ووهابية تُقطع لها الرؤوس طاعة، وهابية تقويم الوجدان بالأنغام، ووهابية إقامة الدين بالألغام. وُلد عبد الوهاب في مثل هذا اليوم عام 1900 على الأرجح، ورحل عنا في الرابع من مايو/أيار عام 1991. «وهابية الفن» هي التجسيد المعبر عن ذوق وثقافة عصر مصر الرقِىّ والأَلِق، نراها تبتعد عنا منسحبة تاركة الأرض لتحتلها «وهابية الداعية«رويدا رويدا».
وكلمة محمد عبد الوهاب الشعراني يقصد بها وجيه مولده في حي باب الشعرية وله تمثال هناك أقيم له.

الزند: المصري يقدر يعيش بـ 2 جنيه!

لا تزال المعارك مستمرة بسبب إقالة وزير العدل المستشار أحمد الزند، الذي قال عنه يوم الاثنين في «المقال» الإخواني السابق والكاتب والباحث سامح عيد موجها هجومه على الرئيس: «وزير العدل منفلت اللسان كثير الحديث كانت له عدة تصريحات مثيرة للجدل، أربعة تصريحات أثارت الجدل كان آخرها التصريح الذي ما زالت أصداؤه تملأ الفضائيات و«السوشيال ميديا»، ولم يكف حتى الآن عن الصراخ.. المصري يقدر يعيش بـ 2 جنيه. مش حيستريح قلبي إلا لما كل واحد قصاده عشرة آلاف من الإخوان ومن يحبهم ومن يواليهم، لازم نحاكم والديّ الإرهابي عشان معرفوش يربوا ابنهم، وآخرها عندما سأله حمدي رزق حتحبس الصحافيين؟ الزند: لو نبي ححسبه، أستغفر الله العظيم، أمال السجون أتعملت ليه. نحن نتحدث عن وزير العدل فتصريحاته تجوب العالم ويستغلها المتربصون للتشكيك في نظامنا القضائي، فسمعة مصر كلها تهتز أمام تصريحات من تلك الأنواع، كل تصريح من تلك التصريحات كان يثير الجدل ويثير الصخب ويثير التساؤلات، ويحاول السياسيون المتعصبون الدفاع عن الرئيس، ومن الممكن أن يصبوا اللعنات على الحكومة التي لا تساعده، وأنه بيشتغل وحده! طيب ما هو اللي اختارهم. ولم يكن جديدا على الزند مثل تلك التصريحات فمنذ كان رئيسا لنادي القضاة وهو كثير الصخب وكان يوضع مع عدة شخصيات أخري لا داعي لذكرها هم ديناصورات الإعلام يثيرون الجدل دائما وتحفظ كثير من السياسيين على تعيين الزند وزيرا للعدل».

لم يعد في بلادنا رجل رشيد

وأمس الثلاثاء أراد زميلنا مجدي شندي «ناصري» رئيس تحرير جريدة «المشهد» الأسبوعية المستقلة، عقد مقارنة غير مباشرة بين الزند ورئيس نادي القضاة الأسبق المستشار زكريا عبد العزيز، الذي قرر القضاء الأعلى إحالته إلى المعاش بسبب وجوده في مقر مباحث الدولة في حي مدينة نصر أثناء اقتحام المتظاهرين له في ثورة يناير/كانون الثاني والاستيلاء على محتوياته فقال شندي: «الجميع بمن فيهم السيسي نفسه يعرف جيدا الدور الذي قام به زكريا عبد العزيز لصالح الدولة المصرية، فقد كان صوت العقل الذي يكبح جماح ثورة غاضبة، وكان رجل الدولة الذي يُسمِع صوته لملايين من شباب الثورة، ظل الضمير الذي يحمي ويوجه الانحراف إلى العبث والفوضى. وذمها القاضي الجليل بهذه الطريقة يؤكد أن جهات ما لم تكن تريد أن يظهر أصحاب ضمائر يجنبون مصر مصيرا سيئا مثلما يفعلون الآن، حين يدفعون بالبلاد إلى حافة هاوية تارة بالتضييق على معاش الناس وأرزاقهم، وتارة أخرى بالتجاوزات الأمنية التي تولد حالة غليان داخلي وحرج خارجي بالغ، وتارة ثالثة بقتل السياسة حتى لا يجد الشباب طريقا غير العنف وحمل السلاح والانضمام لتنظيمات إرهابية. لا تبتئس يا صديقي القاضي الجليل فلم يعد في بلادنا رجل رشيد».

الزند نجح في تشكيل شبكة تكتل مصالح

وفي يوم الثلاثاء أيضا اتجهنا لصحيفة «المصريون» لنقرأ مقال رئيس مجلس إدارتها ورئيس تحريرها جمال سلطان ومما جاء فيه: «… أحمد الزند نجح في تشكيل شبكة تكتل مصالح نافذة للغاية في مؤسسة العدالة منذ السنوات العشر الأخيرة لمبارك، وحتى تمت الإطاحة به، سواء من خلال نادي القضاة والصراعات التي خاضها من خلاله ضد آلاف القضاة، أو من خلال الأشهر العشرة التي قضاها في الوزارة، وقام بعملية إعادة هيكلة بالكامل تقريبا، وبدأ بأجهزة لها حساسية خاصة، مثل الكسب غير المشروع الذي غيره بالكامل تقريبا، ووضع عددا من القيادات المقربة له، كما وضع يده على إدارة التفتيش القضائي التي يخشاها أي قاض، بما تملك من أدوات مؤثرة للغاية على مستقبله الوظيفي، ولذلك أعتقد أنه ستكون المسؤولية كبيرة على القيادة السياسية، إذا كانت ترغب في حماية مؤسسة العدالة من الشللية والاستقطاب، التي وصلت إلى حد تحدي سلطات الدولة وقرار الرئيس بتغيير الوزير الموالي لهم، والمؤكد أن هذه المجموعة ترتب أوراقها من الآن لكي لا يفلت المنصب كلية من أيديهم، وهناك أسماء يتم تداولها الآن كمرشحين لوزارة العدل خلفا لأحمد الزند، وقد لاحظت أن عددا من هؤلاء المرشحين هم من «شلة» الزند، ومن يدينون له بالولاء الكامل، وإذا تولى أحدهم المسؤولية خلفا له فهذا يعني أسوأ من استمرار الزند نفسه، لأن «المجموعة» ستعمل على «رد الصاع» وتلغيم أجواء العدالة بما يربك القيادة السياسية ويشل قدرتها على التغيير مستقبلا، كما أن تولي أحد «رجال الزند» للوزارة سيعرض العلاقة بين مؤسسات الدولة وأجهزتها للصدام والصراعات، على خلفية الاتهامات التي تروج حاليا بأن الزند كان ضحية صراعات أجهزة، واستغلت غلطته الكبيرة بالتطاول على مقام النبي. لم يعرف القضاء المصري في تاريخه بؤسا وصراعات وضياع هيبة مثلما حدث في المرحلة التي علا فيها نجم الزند، سواء في نادي القضاة أو وزارة العدل، حيث أصبح القضاء جزءا من الصراع السياسي الصريح ومن الصراخ الإعلامي والمهاترات والاتهامات المتبادلة بين القضاة وبينهم وبين القيادات الحزبية وبينهم وبين الإعلاميين، ولم يحدث أبدا أن شهدت المحاكم هذا العدد الكبير من القضايا التي يمثل وزير العدل نفسه طرفا فيها ضد الصحافيين والإعلاميين، كما لم يحدث أن ووجه القضاء المصري بهذا القدر من الاتهامات والانتقادات الدولية مثلما هو الآن، والنظام السياسي بكامله يدفع فاتورتها، سياسيا وحقوقيا واقتصاديا أيضا، لأن المجتمع الدولي يصنف النظام كله ويعاقب النظام كله، وليس فقط قضاءه، وقد آن للدولة المصرية أن تستعيد قضاءها، وآن للقضاء نفسه أن يستعيد هيبته وقدسيته، التي تنبع من احترام المجتمع له والثقة في نزاهته وحيدته وشفافيته واعتداد رجاله باستقلالهم وأمانتهم، وأنا واثق من أن قضاء مصر يمتليء برجال كثر شرفاء وقادرين على إنقاذ رسالتهم النبيلة من أزمتها التاريخية» .

أبو الهول ينتقم من الزند

أما في جريدة «روز اليوسف» اليومية الحكومية فقد أخبرنا أمس الثلاثاء زميلنا الرسام أحمد دياب أنه شاهد معجزة جديدة وهي تحول القضاء إلى هيئة أبو الهول وهو يمسك بشاكوش ليضرب به رأس الزند، الذي هرب لكن أبو الهول أمسك بذيل بنطلونه وهو يحاول الهرب».

السياسة لا تبعث من القبور

وإلى المعارك والردود المتنوعة، حيث لوحظ اشتباك الكل مع الكل بحيث بات يصعب العثور على مساحة توافق، مع ملاحظة أن كل هذا الضجيج الناتج عن المعارك لا صدى له بين الناس على الأرض. ونبدأ مع زميلنا في «الوفد» عضو الهيئة العليا للحزب محمد عبد العليم داود، الذي شن يوم الأحد هجوما على الوفديين والناصريين، لأنهم جميعا يحاولون الاستعانة بزعمائهم الميتين خالدي الذكر سعد زغلول ومصطفى النحاس وجمال عبد الناصر وقال عنهم: «عفواً يا حضرات.. السياسة لا تبعث من القبور.. وساكنوها لم يطلبوا منكم سوى الزيارة بقصد الدعاء. يقول سعد والنحاس وسراج الدين لمجاذيبهم من الوفديين.. أين دفاعكم عن الحريات وحقوق الإنسان؟ أين دفاعكم عن الدستور وكيف تتركونه ينتهك يوميا ثلاث مرات مع كل شهيق وزفير؟ كيف ارتضيتم أن يظل سجيناً في المعتقلات سواد ليلة واحدة، وكيف لكم أن يهان مواطن في مغفر أو قسم؟ ومن بيت الأمة إلى قبر عبد الناصر أمام كوبري القبة ولسان حاله يخاطب مجاذيب الناصريين، أنا لا أملك من أمري شيئاً وأنتم يا معشر الناصريين تركتوا دنياكم وأتيتم هنا لتشكوا حالكم وانقسامكم، وأصبح كل منكم يمسك بقطعة من قميصي مصراً على تبرئة عهدي من استبداد وديكتاتورية وهزيمة، ومن هنا أهلتم التراب على إنجازاتي في التصنيع والعدالة الاجتماعية ومشروعاتي، تريدون الحق، ففرقوا بين الحق والباطل فكما تعلمون أنا بين يد العدل وأحكم الحاكمين، لا أريد أن تأتوا لا في مولدي ولا مماتي، ولكن أريد أن تتمسكوا بعمل على أرض الواقع فقد مل الناس الشعارات، انتم تذهبون وراء كل حاكم تقدمون له الولاء والطاعة، ألم يكن رجال التنظيم الطليعي أهم رجال مبارك؟ وكل حاكم يأتي تقولون عليه إنه يمشي على خطى عبد الناصر. هكذا كانت كلمات ساكني القبور لساسة وأجيال يئست من إصلاح لأنهم اعتقدوا يوما أن الإصلاح هو منحة من حاكم، هكذا الساسة في مصر شيوخ وشباب لا تفرق عن مجاذيب الموالد في شيء، وما كان من رجال النظام وأركان حكمه إلا مباركة هذا الأمر، فالقبور لا تحدث صوتا ولا إزعاجاً، بل إن النظام على استعداد لتجهيز ساحات أولياء السياسة،ونصب الخيام وذبح العجول والحمير وإعداد الفتة لمجاذيب ساسة المقابر والأضرحة».
وفي الحقيقة فعند زيارتي لقبر خالد الذكر منذ أربع سنوات، حيث تجمع الناصريون الذين ينتمون إلى أحزاب مختلفة ووقعوا على وثيقة وأعلنوا عن توحدهم في تنظيم واحد، ومن يومها وحتى الآن لم يلتزموا بشيء، بل زادوا تفرقا وعداء وخصومة لبعضهم بعضا. ولم أسمع وقتها صوت خالد الذكر، كما أدعى محمد عبد العليم، لكنه ذكرنا بالخيبة القوية التي أصابت التيار السياسي المؤهل، لأن له قاعدته الجماهيرية الواسعة لأن يكون الحزب الأول في البلاد لكن ماذا يفعل المرء عندما تحل به الخيبة والأنانية، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

«العكشنة» صناعة مصرية بامتياز

وفي اليوم التالي الاثنين ترك زميلنا في «الأهرام المسائي» سلامة حربي مناقشة خيبتنا والتفت إلى ظاهرة أخرى، حيث كان اسما على مسمى وهو يخوض معركة حربية صاح فيها: «لن تكون الظاهرة العكشية التي تخيل صاحبها العكش أنه فوق القانون، وأنه فريد عصره وأوانه‏‏، وأنه الإعلامي الأوحد‏‏ والبرلماني اللوذعي اللولبي‏‏ الذي يستطيع أن يحل مشكلة سد النهضة‏،‏ وتعديل اتفاقية كامب ديفيد،‏‏ وأنه «باتمان» مصر.‏‏ لن تكون هذه الظاهرة هي الأخيرة‏‏ فـالعكشنة صناعة مصرية بامتياز‏،‏ ولا يكاد يخلو مكان في مصر‏‏ مؤسسة أو وزارة أو محافظة من وجود عكش، صورت له نفسه المريضة أنه الحاكم بأمره، وأنه فوق الجميع وقد ساعد على انتشار هذه الظاهرة غياب الشفافية والموضوعية في اختيار القيادات، والاعتماد على الوصفة السحرية المستوردة من بلاد «الواق واق» التي تعطي الأولوية في تولي المناصب القيادية لأهل الثقة من العميان والطرش، ورغم قيام ثورتين في مصر وتغير المشهد السياسي، لا تزال هناك بعض الظواهر العكشية موجودة حاليا في كل المجالات، ولا تزال تتلون كالحرباء وتغير جيناتها الوراثية، حتى تتأقلم مع الواقع الجديد، وكان أكثرها غباء هو عكاشة الذي وقع في الكماشة، وبعد أن وقع العكش في شر أعماله هل تضع الدولة آليات جديدة لمواجهة ظاهرة العواكيش التي تتصدر المشهد خاصة في الإعلام».

تجار الوطنية

ومن الوفديين والناصريين والعواكيش إلى نوع من التجار قال عنهم في يوم الاثنين أيضا زميلنا في «الأهرام» محمد إبراهيم الدسوقي وهو يصنف الأعداء: «العدو الأول: تجار الوطنية الذين يطلقون حناجرهم أمام كاميرات الفضائيات،وعبر مقالاتهم النارية في الصحف السيارة، وتكاد عروقهم تنفجر من كثرة صراخهم واستهجانهم وتخوينهم للناس بالحق وبالباطل. العدو الثاني: دعاة اليأس والقنوط الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب، ولا يكفون عن التقليل من قيمة أي إنجاز يتحقق على أرض الواقع، ويرفضون ما يُطرح من مشاريع كبرى بدعوى أنها عديمة الجدوى، ولا يفعلون شيئا سوى التبكيت والعويل. أما العدو الثالث: فهو إحجام المسؤولين الكبار والصغار عن امتلاك شجاعة اتخاذ قرارات حاسمة، خشية العواقب المتمخضة عنها، ومن بينها توجيه اتهامات إليهم بإهدار المال العام وخلافه. العدو الخامس: سياسة رد الفعل وليس الفعل فنحن ننتظر وقوع المصيبة ثم نبدأ في التحرك. العدو السادس: عدم الانضباط الاجتماعي، فالمصريون أساتذة في فنون الانتقاد والهجوم، والإشارة لمواضع السلبيات ومكامن الخلل. العدو السابع: الاستهزاء بالأصوات الصادقة الداعية للتغيير ومن المعارضين الذين يعارضون من فوق أرضية وطنية خالصة. ويبقى العدو الثامن وهو الفاسدون وهؤلاء ليسوا مقصورين على من يتلقى رشوة لإنهاء مصلحة ما، بل أيضا الذين يتقاعسون عن العمل بحجة على قد فلوسهم».

مصطلح «الوسطية»
يحتمل العديد من التأويلات

ويبدو أن زميلنا الكاتب فهمي هويدي أراد في «الشروق» في يوم الاثنين نفسه إضافة عدو تاسع فقال: «دعوة شيخ الأزهر إلى فصل الطالب أو الأستاذ من الجامعة، إذا حاد عن المنهج الوسطي، تحتاج إلى تحرير وتوضيح. ذلك أن المصطلح أصبح فضفاضا بحيث يحتمل العديد من التأويلات، وبغير معيار موضوعي يضبطه فإنه قد يتحول إلى باب للإرهاب الفكري، وسيف مصلت على رقاب الجميع. الكلام عن الوسطية ليس جديدا تماما، إذ كان الدكتور يوسف القرضاوي أبرز من كتب عن الوسطية في ثمانينيات القرن الماضي. لم تعد الوسطية عنوانا ينصرف إلى فئة دون أخرى في الساحة الإسلامية، لكننا وجدنا في كل فئة من يدعى الوسطية وينسب نفسه إليها، ذلك حاصل عند أهل السنة والشيعة، فقد أجازف بالتحذير من أن يطلق أهل العلم شعار الوسطية بحسن نية، ثم يتولى أهل الأمن تنزيله على الأرض، وتصنيف خلق الله في ظله تبعا لمعايير الولاء السياسي، وتحريات الأجهزة الأمنية، بحيث يصبح المؤيدون هم أهل الوسطية يفوزون بالرضا، وكل من عداهم تحل عليه اللعنة ويدرج في القوائم السوداء».

الخلاف بين المصريين حول الأساليب لا الغايات

ومن «الشروق» إلى «الأسبوع» التي تصدر كل اثنين وزميلنا أحمد بديوي الذي أضاف السبب العاشر بقوله: «ممارسات بعض من ينتسبون لقطاع الإعلام الرسمي والحزبي والخاص، منحوا الخصوم والأعداء الفرصة لتدمير سمعة الإعلام بعدما أدركوا قوته ودوره في دعم مؤسسات الدولة، لا سيما بعدما تحولت الخلافات السياسية إلى صراع وجود بين دولة تسعى بجد واجتهاد للحفاظ على أمنها القومي، وقوى وظيفية تسعى بطرق متعددة لاستعادة سلطة حصلت عليها في ظروف استثنائية. الآن أصبحت الوقفة مع النفس مطلوبة من الجميع، عبر إعادة النظر فيما هو حاصل وما سيكون. يجب علينا أن نبحث عن المشترك بين الشعب والمؤسسات الوطنية كي نمد الجسور ونقرب الرؤى ونطرح الحلول الموضوعية العملية للإنقاذ، في هذه الحالة سنتجاوز مرحلة اللاسلم واللاحرب في التعامل مع المسكوت عنه من أزمات وملفات، خاصة أن الخلاف بين المصريين حول الأساليب لا الغايات».

عبد الناصر عسكر
كل المواقع الرئيسية في الحكم

وإلى أبرز ردود الأفعال على الدعوة لإيجاد البديل وكان أولها يوم الاثنين لزميلنا وصديقنا في «الوفد» ورئيس تحريرها الأسبق عباس الطرابيلي، الذي شن هجوما عنيفا ضد صباحي في عموده اليومي «هموم مصرية» مستغلا حكاية العسكريين والدفاع عنهم بقوله: «إلى العائدين من المجهول أسألهم- وهل كان جمال عبد الناصر مدنياً- أم كان عسكرياً- هو وكل أعضاء مجلس قيادة الثورة حتى محمد نجيب نفسه الذي رفعوه- ونحن معهم- على الأعناق ألم يكن عسكرياً؟ وكان مديراً لسلاح المشاة، حتى أن الإنكليز أطلقوا عليه وعلى نظامه اسم «حكومة البكباشية». والبكباشي رتبة عسكرية هي اليوم رتبة «المقدم». ويدعي تلاميذ «الناصرية» أن «عبد الناصر» اضطر إلى عسكرة الوزارات المهمة وكل المواقع الرئيسية في الحكم، وهل نكتفي بكل هذه الأمثلة؟ أم نتحدث أيضاً عن حكومة إعداد مصر لحرب التحرير بحكومة يرأسها «السادات» نفسه؟ وكان الدكتور «حاتم» نائباً له، وكان هو من يدير الحكومة كلها وممدوح سالم الذي رأس خمس حكومات من عام 1975، وإلى مهاويس «يسقط حكم العسكر» كيف تحمّلوا حكومات نصفها على الأقل من العسكر، أقول ذلك رغم أنني لست ضد تولي أي عسكري أي منصب وزاري، أو أي موقع حيوي آخر، إذ رأينا من هؤلاء العسكر أيام الحكم «الناصري» و«الساداتي» من أجاد عمله خير إجادة، وفي مقدمتهم محمود يونس وصدقي سليمان وممدوح سالم، عبوراً بـ«البغدادي» صاحب العصا السحرية على القاهرة، وصلاح هدايت صاحب المشروع النووي، وكمال رفعت الفدائي نصير العمال، وسعد زايد بطل معركة خلو الرجل، ثم هل رأى هؤلاء ما أنجزه العسكر في مواقع مدنية عديدة من الطرق والموانئ؟ هل ننسى الفريق أحمد شفيق- قائد القوات الجوية- صاحب اليد الكبيرة في تطوير المطارات المدنية المصرية، التي أعادتنا إلى حظيرة الدول المحترمة بالمطارات الحديثة التي نفذها؟ أم هم «مجرد هتيفة»، بل ما هو البديل الآن ولفترة طويلة مقبلة تلك هي المعضلة الكبرى».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية