1 الوديعةُ أو الانتصارُ للفكرة الشعرية. بذلك أنصتتْ ممارسةُ محمد بنيس لمُمكِنها، وأودعتْ به سؤال الحياة في القصيدة، وهي تختبرُ تبدلاتها وعناصرَها. ولم يكن من السهل الانتسابُ إلى المستقبل، في زمنٍ يعودُ فيه الماضي إلى ماضيه، ولا القرارُ في مشهدٍ لا ملامح له. والاختيارُ مغامرةٌ تهيئُ المعرفةَ، مثلما تهيئُ الجسدَ للأهوال. وبهذا الاقتناع الحيوي عبرتْ كتابةُ بنيـس، منذ أزيدَ من أربعين سنة، مضايقَ الشعر من موقع النسب الشعري لسلالةٍ تلتقي في تبادل الوديعة. 2 لا تأتي الكتابةُ، عنده، من المتعالي منةً أو هبةً، وإنما الحرفُ يبحث عن الحرف، والكلمةُ عن أختها. نداءٌ يكتبه الجسدُ، والحريةُ أختُ السؤال؛ يحياها القارئُ بتاريخه الشخصي، وبكل ما يشترك فيه مع معنى الحرية. يؤهل عينه للصفحة والإيقاع بين الأمكنة والأزمنة. في دروب فاس، بين صخور المحمدية، مع أضواء طنجة .. لقاءٌ لإعادة الكتابة، بمادية متيقظة وقلقة، ومتأهبة دوماً للعبور. 3 المساءلةُ مركز النظر. قلبٌ لجهات الاختيار والتسليم. انتشارٌ مضاد في لغة الممكن. بالفعل المعرفي يكف البحث عن الحداثة أن يكون اختياراً قولياً، بل إرادةً ومعرفةً في آن. وحيث لا اطمئنانَ لحقيقةٍ أو يقين، يكون التورط في حداثاتٍ نعيشها مسكوناً بأهمية الذات وموقعها في التاريخ العربي والمغربي. ولذلك كان الانتقال من المغرب كمجهول شعري، إلى المغرب كواقع شعري فعلاً مادياً في زمن يفتقد شروط حجية السؤال المعرفي في الداخل قبل الخارج، أيْ انفلات مسألة المغرب من الذين يسكنُون فيه. ولا يزال السؤال حاضراً بقوته منذ أن كشف عن الظاهرة إلى أن وضع حدود الكتابة : لم يجد مكاناً للإقامة غير الممارسة النصية والتنظيرية. 4 ‘ ناقصةٌ هذه القصيدة تَمِّمُوها بمغامرةٍ تعطي الإنسانَ صفاتِ الخلق حتى تُصبحَ أنتم نحن قصيدةْ ‘ يشركنا بنيس في استحقاق الوديعة، كي نرى هذا الوجه الممتد عبر امتداد الزمن؛ فبحق الضيافة نقيم في لغة يستضيف بها الشاعر امرؤ القيس والمتنبي وابن حزم، مثلما يستضيف دانتي وملارمي وباطاي، في حوار لا نهائي. وبالحق في الشعر، وفي مكانه الوثني، يحتفظ كل واحد بلغته، وبطقوسه تمجيداً للذاتيات وللمسكن الحر، بعيداً عن الوطنيات والهويات. لا يدوم غير النقصان في قصيدة تتأصل في محو الأصل؛ بيد ثالثة تتمكن من التقاط معالم النقصان في التركيب قبل الاستعارة، وفي الإيقاع قبل الوزن. 5 غنبازةُ القصيدة، في ‘ورقة البهاء’ وفي ‘هبة الفراغ’، منفتحةٌ على تاريخية الوديعة في شجرة النسب؛ وبها كان العبور إلى قصيدة ‘رمية نرد’ تحقيقاً لحلم ملارمي، وهو يهاجر إلى اللغة العربية. وتلك صيغة شاعر خبر الحوار مع النصوص، فلم يبطل ‘الزهر’ حقاً في الإقامة على حدود الخطر، وأضحت رمية النرد تحققاً مادياً بين الفرنسية والعربية، غنبازةً من قصيدة الأسرار. وصداقةُ الإنصات موسومةٌ، في هذا المختبر الشفيف، بما تمارسه لغةُ الشاعر، وبما تلامسُه مع الأشياء وهي تنكتبُ خصيصةً مسكونةً بالقلق والارتياب من مدى استحقاق الشعر وديعةً إنسانيةً قبل أي شيء. 6 والوديعةُ بين جنازة الذات وجنازة اللغة، نهرٌ آخرُ لمعنى الكتابة، كان محمد بنيس يحلم معه بالكتابة عن ضيافة الغريب، إبدالاً لأماكن التأمل والرؤية، وبحثاً عن حقه في الكتابة. وربما كان الخط المغربي الأندلسي مأهولاً بالصوت العمودي، ومتآخياً مع المنسي في أحجار وجبال ‘هناك تبقى’. إنه المخاطبُ الصموتُ الذي يرى، هذا الشبيهُ بسفر النبيذ من مجلس أبي نواس إلى حقول بوردو، طريقةً بين الحضرة والحال. لا الشرق شرق، ولا الغرب سليل الغواية، والغريبُ نحسه وإن لم يتكلم. والكتابةُ بالحواس غريبٌ أيضاً في الممكن المعرفي لحداثة معطوبة. هي ذي كتابةٌ تسمي العلاقة بين الكلام واللانهائي، بما يعطي الكتابةَ حقيقتَها: لا تنقل شهادةً، ولا تبتكرُ خيالاً، ولا تسلم رسالةً، بل ترسم الطريق اللانهائية لكتاب آتٍ. قدمت هذه الكلمة بمناسبة الاحتفاء بأعمال الشاعر محمد بنيس ضمن فعاليات الدورة 17 لمعرض الدولي للكتاب والفنون، الذي أقامه المعهد الثقافي الفرنسي بطنجة، يوم السبت 11 ماي 2013