الإرهاب واستراتيجية الأخطبوط في فوضى العولمة

يشكل المسلمون أكثر من ثلث سكان ساحل العاج، ويعتبر الإسلام الديانة الأولى بين أبناء هذه البلد، ولكنها لا تعتبر دولة إسلامية، وربما هي من أكثر الدول الأفريقية انفتاحاً على فكرة العلمنة، لوجود ثلاث كتل دينية متقاربة في العدد، الإسلام والمسيحية والديانات الأفريقية التقليدية.
وحتى في محنة الحرب الأهلية بعد الانتخابات الرئاسية سنة 2010 فإن فرزاً على أساس الدين لم يحدث في صفوف العاجيين، ولذلك فعملية التفجير التي شهدتها أبيدجان تبدو مستغربة وبدون مبررات تقريباً.
المسلمون لا يشكلون أغلبية في ابيدجان، ولا يمكن أن توصف هذه البلاد ضمن المفهوم التقليدي لأرض الإسلام، كما أن المسلمين لا يعانون من الاضطهاد، ولا يوجد تاريخ لأحقاد متوارثة على أساس ديني مثل نيجيريا، وفوق ذلك، فساحل العاج ليست في حالة عداء مع أي دولة إسلامية مجاورة أو حتى قريبة منها، كما هي الحال مع كينيا المتاخمة للصومال، وما يتنازعه البلدان من سيادة على أقاليم حدودية، وفوق ذلك فإن بلداً مثل ساحل العاج لا يمكن أن ينظر له بأنه أحد قوى (الطغيان والاستكبار) بما يجعل استراتيجية «القاعدة» تتوجه لضربه في عملية لم تستهدف بصورة مباشرة مصالح غربية، ولكنها توجهت إلى السياح في بلد ليس معروفاً عنه استقطابه للسياح الأجانب بكثرة.
بعد عملية سابقة في بوركينا فاسو يبدو أن منطقة غرب أفريقيا تشهد صعوداً مقلقاً للجماعات المتطرفة، ويجب الالتفات إلى أن هذه القوى تعمل بصورة نوعية، ولا يمكن التنبؤ باستراتيجيتها في ضوء المعطيات المتاحة، ولكن ما يمكن التوثق منه أن هذه الحركات يجري استيرادها من خارج الغرب الأفريقي، وأنها ليست امتداداً لحركات محلية مثل «بوكو حرام» التي تخضع لمراقبة من الدول المجاورة لنيجيريا ومالي، وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الجهة المسؤولة عن العملية الإرهابية تنظيم «القاعدة في دول المغرب الإسلامي»، وهو ما يفسر تشابه الهجوم في ساحل العاج مع عمليات سابقة اعتمدت على البنادق الاوتوماتيكية، كما حدث في تونس وبوركينا فاسو، علماُ بأن العمليات التي تجري عادة في المشرق العربي تعتمد بكثافة على المتفجرات والسيارات المفخخة.
إلى حد بعيد لا يمكن أن تعتبر الهجمات المعتمدة على الأسلحة النارية تغييراً في منهجية الجماعات المتطرفة، ولكن الأمر يتضمن دلالة على أن هذه المجموعات القتالية لا تمتلك الإمكانيات المادية والفنية اللازمة للتعامل مع تفخيخ السيارات وصناعة الأحزمة الناسفة، وهو ما يعني أنها غير وثيقة الصلة لوجستياً بالتنظيمات في المشرق العربي، إلا من خلال استخدام فكرة التفرع، من خلال إعلان الولاء والتضامن مع التنظيمات الأكبر والأوسع تأثيراً، وبما يوحي بالوجود الأخطبوبي على مساحات واسعة في العالم.
مشكلة الحرب على الإرهاب أن الجماعات المتطرفة كانت تستفيد بصورة فاعلة من العولمة ونتائجها، وأنها كانت مستهلكاً نشيطاً ونهماً للتطور في تقنيات الاتصال، وتعقد وتوسع عمليات نقل وتحويل الأموال، كما أن مشكلة أخرى تطرح نفسها مع العمليات في غرب أفريقيا، وتتعلق بالهيكلية المتبعة من الناحية الأمنية في الحرب على الإرهاب، فمن المعروف أن الدول الأفريقية وكثيرا من الدول في شرق آسيا، لديها معلومات مهمة عن تحركات الإرهابيين ومنهجياتهم، وكذلك هي الحالة مع أجهزة الأمن في بعض الدول بالمشرق العربي، خاصة مصر والأردن والسعودية، ولكن عمليات التنسيق تجري دائماً من خلال توسط أجهزة الأمن الغربية التي تمتلك علاقات ثنائية متميزة مع الأجهزة الأمنية في المناطق الساخنة المختلفة، فعمليات تبادل المعلومات وتوثيقها ومتابعتها لا تجري مباشرة بين أجهزة الأمن في الفلبين ومصر أو بين بوركينا فاسو والجزائر، ولكنها في النهاية تخضع للتدوير والمعالجة من خلال الأجهزة الغربية في واشنطن ولندن وباريس.
الحرب على الإرهاب في جانب منها تتعلق بالمعلومات والفعالية في تبادلها والثقة في تشاركها، ويبدو أن «داعش» مثلاً استفاد من وجود خلافات سياسية واستراتيجية بين الدول التي تهدده، وهو الأمر الذي أدى للحيلولة دون التنسيق الأمني بصورة كافية، واليوم ليس من مصلحة أي طرف أن يواصل الثقة ببقائه بمعزل عن المخاطر التي تشكلها الجماعات الإرهابية، فتركيا التي بدت بعيدة لفترة طويلة عن الهجمات الإرهابية أصبحت تتعرض بصورة مقلقة لهجمات مختلفة، ويبدو أن مشكلة الأتراك في جانب منها معلوماتي، حتى أن الأجهزة الأمنية التركية تريثت قبل أن تتوجه بأصابع الاتهام وبقيت العملية حائرة بين «داعش» والعمل الكردستاني.
الجماعات الإرهابية مثل «داعش» و»القاعدة» تواجه مشكلة الحاجة الدائمة لعدو للمحافظة على تماسكها الداخلي، في بيئة تتشكل من ثقافات وتوجهات مختلفة، وهي بيئة عقائدية في الأساس تقوم على الغيبي والوهمي (الجانب الطوباوي ـ التطهري) أكثر من استنادها إلى الواقع وحدوده ومصالحه، ولذلك فهي بحاجة دائماً لاختلاق الأعداء والبقاء في حالة مواجهة مفتوحة مع الجميع، وتؤشر سلوكيات هذه التنظيمات لقدرتها على استغلال أي هفوة أمنية من أجل الضرب وبعنف في الدول المستهدفة بصورة أساسية وهي دار الإسلام ودار الكفر على الدرجة نفسها، كما تمتلك شهية لضرب أي هدف آخر تحت باب الفعل التنفيسي، في حالة تضييق الخناق عليها أمنــــياً في المناطق المستهدفة، وكما يحدث حالياً في غرب افريقــــيا، ولكن جميع هذه الضربات والامتدادات تحمل طموحاً بأن ترتد، سواء لدار الإسلام أو دار الكفر، ففي الدارين توجد المبررات للسلوك العدواني الذي تنتهجه هذه التنظيمات.
تبدو الحرب الفكرية بالطبع معطلة حتى إشعار آخر، فقوى الاعتدال بين التيارات الإسلامية معطلة لدرجة الشلل، والمراجعات الضرورية لا يمكن أن تمتلك قدراً من الشعبية في حالة صدورها عن الإعلام الرسمي أو التقليدي، كما أن حديثاً عن إصلاح منظومة التربية والتعليم ستصطدم أصلا بقوى الشد العكسي المتمثلة في الثقافة الشعبية التي تميل لوجود الإسلام بوصفه عاملاً طاغياً في تشكيل المزاج والتوجهات العامة، عدا بالطبع عن أنها عملية تحتاج إلى جيلين على الأقـــــل، وفوق ذلك تبقــــى عناصـــر المظلومية القائمة في أنظمة تمـــارس الاستبداد وتضعه في مقـــدمة حلولها وإجراءاتها حاضرة بقوة، والتحديات الخاصة بالحرب على الإرهاب في جانب منها فكرية في الأساس، والفكر لا يمكن محاصرته أو الحجر عليه، فقط يمكن مواجهته من خلال فكر آخر، أو من خلال إجهاض الظروف الموضوعية لنموه، بحيث تصبح الديمقراطية ومهما كانت متعسرة وصعبة أسلوباً لدفع المتشددين للمشاركة حتى لو جعلتهم يبوؤن بحصتهم من الفشل، وتقديمها على فكرة الخروج والاستعداء التي تسيطر عليهم وتغذي شهوتهم الانتقامية بأنصار يقدمون أصلاً من بيئات مغايرة تعيش مشاكل وتحديات مختلفة وبعيدة عن البيئة التي ولدت الجماعات الإرهابية.
مرة أخرى يظهر أن الحروب التقليدية لا يمكنها أن تحسم المعركة مع الإرهاب، وأن أعواماً طويلة من الوجود العسكري في أفغانستان والعراق لم تضع حداً لتفشي ظاهرة التطرف والأعمال الإرهابية، ولكنها حولتها إلى ثقافة وجعلت من السهولة بمكان التضليل وخلع صبغة المقاومة على الأعمال الإرهابية، فبذلك تتقدم طالبان من جديد وكأنها حركة ثورية وطنية، وبذلك يمكن أن تعيد الجماعات الحالية تقديم نفسها من جديد في شرنقة أي ثورة أو فوضى مقبلة أو محتملة.

٭ كاتب أردني

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية