أبوظبي ـ ‘القدس العربي’: بشعريته الشفيفة، ورومانسيته المتأرجحة بين الإيقاع الظاهر وإيقاع القلب وتفعيلة الحلم، يكتب الشاعر والإعلامي اللبناني محمد غبريس ما يتداعى من بوحه والذكرى والآتي، ليسكبها في مجموعته الجديدة ‘جرار الضوء’ الصادرة حديثاً عن أكاديمية الشعر في أبوظبي.
حيث تقع في150 صفحة من القطع المتوسط، وتضم 21 قصيدة، تنوعت بين الشكلين العمودي والتفعيلة، وفي موضوعاتها من خلال العناوين ‘ميلاد، كفاك، صحوة، مسودة، قبلة، اشتهاء، قفص، اعتراف، أمي، تسبيح، ربيع، نجمة، حلم، صهوة، رصاص، شهداء، بيروت، نور، احتمال، أبي، ونيسان’، مواصلاً الاقتراب ممّا يخفيه الضوء في الجرار، لتتعتـّـق اللحظة بالاحتمال والنسيان والغربة والوطن والجرح والحب ‘وجدتك في دمي، مليون ذكرى/ ص117’، وليربط بين النسق الكلامي البسيط والحدث الشعري، نجده يميل إلى الحكي أيضاً، ليخبرنا عن (60) سنة من عذابات (فاطمة) ودراميّة نزيفها من خلال قصيدة (صهوة)، راسماً الصورة للمرأة الرمز (فاطمة) ودلالاتها، ومعانيها الحضارية من موسيقا تنشد السلام (الحمائم) إلى شمس الجنوب، عبوراً إلى حضورها في (النخلة)، ولا يترك هذا الحضور المباشر سوى الصلابة لا الانكسار، متحدياً موتَ البنت، وموتَ الإنسانية في الآخر، من خلال التشبث بالأرض والغيم والحلم: ‘ فاطمه /تتسلل في الشرايين والحدقات /يجمّع خطوتها الغيم/ يسكبها مطراً / يتسلق جبهتها / قمر العائدين البهي / تمدّ يديها المكللتين/ بسرب يمام / تشقّ الرؤى الباسمه’
حالة من الحزن الصامد، والوقت الذي سيتحول إلى صورة رهيفة، كأنها المقصد المملوء في الجرار، المشتبك مع السحاب والثلج المكدس في دم (فاطمة)، ثم يعشوشب كما النداء، أو الصوت العميق للذات العربية، وانتظارها، واعتزازها، وصفاتها الحضارية الأخرى: ‘لم تطأطئ جبيناً/ لهذا السحاب المكدس / كالثلج في دمها / منذ ستين عاماً / وتكتب قصتها / بالنداء المعشب في شفتيها / وتقرأ حرفاً من الكرمل الجبلي / وبعض الخُطى الحالمة’
ولا تنتهي الكلمات إلا مع اللحظة الأخيرة من الوعي المتراكم بين الأنا والانتماء والأرض بجميع مفرداتها: الأرض،السماء، الإنسان، نشيد الحمائم وعيون الغد: ‘فاطمهْ / أثمرتْ في العروق / لتوقظَ عين الغد النائمهْ’.
وإلى ذات الهاجس، تعبر الحواس، لترتفع مع قصيدة (شهداء)، وتفتتح الكلمات على (احتمال)، وتصل إلى (أبي)، تلك القصيدة المتخمة بالحنين والشجن، والكشف عن الوجدانات بين الصمت والذكريات والمسافات الزمانية والمكانية، التي تبدأ:
‘وحيداً هناكَ / يلمّ بداياته وحكاياتهِ / لا يكفّ عن الصمت والذكريات الحزينهْ / ويحمل أنشودة الحزن / في رئتيه / وأغنية من بقايا المدينهْ’
وهذه الصورة المتداولة في الحياة، تعكس حالة الإنسان أينما كان، في أي زمان ومكان، فماذا لو كانت الشخصية هنا هي (الأب)، التي تجسّد مرآة الوطن أيضاً، والشاعر هنا كمن يرث الحلم من أبيه، يقول في القصيدة ذاتها ‘كان أبي يحرث البحر/ في مقلتيه/ يشق طريقاً إلى الحلم’.
وتتميز المجموعة عموما برقي في تناول المفردة الشعرية، حيث نهل قاموسه من مجموعة من الروافد وأخذ الكلمات معاني عدة، حملها المعنى الذي يريد، في لغة مسبوكة وخيال جنح إلى الحلم، واستمد من المعاش واليوم ومن الوطن والغربة تفاصيل كثيرة. ولا يخفى على القارئ ما يحمله عنوان ‘جرار الضوء’ من ألق وقوة منحت المتن والمدخل بداية شعرية تستوجب الوقوف عندها.
تلك إطلالة على المجموعة التي سبقتها مجموعة (نبض الأقحوان/ دار الحوار ـ سوريا/ (2010)، ولديه كتاب تحت عنوان ‘قريبا منهم: كيف ينظر المبدع الإماراتي إلى المشهد الثقافية’ الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، ولا بد من الذكر بأن الشاعر غبريس شارك في برنامج (أمير الشعراء)، وهو عضو هيئة تحرير مجلة ‘دبي الثقافية’ التي تصدر عن دار الصدى ـ دبي/ الإمارات العربية المتحدة.