يقول تجار العقارات قبل أن تشتري بيتك، اشتر المنظر المطل عليه أولا، إذ ثمة نوافذ تقتل قلبك، وأخرى تحييه. ثمة نوافذ ولد منها الحب، وزيجات، وعائلات، حين كانت النّوافذ تفتح على بعضها بعضا، في الحواري الشعبية الضيقة، في المباني شبه المتلاصقة التي تضم عائلات متوسطة الحال.
كانت النّوافذ دوما بابا يفتح على حياة أخرى، ويصنع في داخلنا حيوات عديدة، وإن طرق الحب أبواب قلوبنا من خلال نافذة الجيران، فإنه يدخل بطاقية إخفاء من خلال أشياء أخرى نراها من النوافذ. طبعا البعض يشتري البحر مع شقته، يدفع مبالغ خيالية لأن البحر يتربع أمام نوافذ وشرفات بيته. يشتري ما استطاع من أفق يحلّق فيه عقله وخياله وعواطفه حين تنغلق أبواب الدنيا كلها أمامه. يحدث في مرّات كثيرة أن تصبح النّافذة معبرا حقيقيا للهروب من سجن تطوِّقنا به الظروف.
الرّحابنة قالوا: «نحنا والقمر جيران» وما كنت لأفهم هذه الكلمات التي كانت بالنسبة لي مجرّد قصيدة رائعة إلاّ حين فاجأني القمر ذات ليلة أرقة بحجم النّافذة. كان منظره في حدّ ذاته مثل نفحة فرح اخترقتني وقلبت كل ما كان في داخلي، رأسا على عقب، ثم لحظات وإذا بي مسلوبة تماما بمنظره، بنوره وبخطوطه، ولعلّي يومها أدركت ما تحويه السّماء من نعم، وقد كتبت حول هذا الموضوع في مقالة سابقة، لكنني قبل أن أرى تلك السّماء بكل ما تحويه من ألعاب عرفت أن نافذتي أنقذتني من الأرق وما يحمله من هموم وأوجاع مضت ولا يمكن علاجها.
إن كنتُ بعد تلك التجربة البسيطة قد تعلّمت شيئا، فهو أن نغلق الأبواب على أنفسنا حين نكون في حالاتنا السيئة، ونفتح نوافذنا على ما تطلّ عليه.
أبواب بيوتنا وحدها تعرف كيف تعزلنا عن ضجيج الخارج، أمّا النّوافذ فهي العلاج الأول لأرواحنا الرّاغبة دوما في التحليق. منذ الأزل كانت السجون أماكن بأبواب تفتح ونوافذ لا تفتح. وكان هروب السجناء في الغالب يتم عبر نوافذها الصغيرة العالية، أو عبر أنفاق تحفر لمدة طويلة. ظلّت الحرية بكل ما تحمله من معان سامية وجميلة وعصية على الوصف تتراءى للسجين على شكل نور عبر النّافذة. أمّا السجون الأقسى فقد كانت غرفا مظلمة تماما بدون نوافذ، لكن بأبواب تفتح لدى الضرورة.
النّساء يعرفن أهمية النّوافذ أكثر من الرّجال، ذلك أنهن حرمن من الفضاءات الفسيحة، والخارج الطليق، وكانت شهوتهن لذلك الخارج يشبعنها عبر النّوافذ وشقوقها، وقديما قال شكسبير: «أغلقوا الباب على عقل المرأة فإنه سيخرج من النّافذة، أغلقوا النّافذة فسيخرج عبر ثقب الباب، أغلقوا الثقب وستنمو له أجنحة ويخرج مع أبخرة موقدها».
أليس هذا ما حدث؟
قرون من القهر والحبس والإساءات التي لا نهاية لها، ولا تزال المرأة واقفة، ولا تزال تنجب الرجال وتسعدهم وتبدع متى ما تسنّى لها ذلك. رغم أن تاريخ الرّجال بالمقابل كان مخجلا في حروبه واغتيالاته المتكررة للعقل.
في فيلم «النبي»، الذي أنتجته سلمى حايك وقدمت فيه أحد أجمل وأشهر قصص جبران خليل جبران لفتتني مقولة ساحرة وجد حقيقية حين قال البطل قبل إنهاء حياته، إن الفكرة حين تنطلق من عقل صاحبها فلا يمكن سجنها ولا قتلها، وإنما ستبقى مدى الحياة. بعض الأفكار نوافذ حقيقية لعقولنا، لأن العقول أيضا يمكن سجنها بالخوف، وبه يمكن سحقها وتدميرها… فمنذ ملايين السنين كان الخوف أكثر القضبان إعاقة لتطور الإنسان وفكره. وقد كانت المغامرة ومواجهة أنواع المخاوف التي تسيطر على البشر هي القفز بعيدا بأفكار جديدة نحو التغيير.
حتى البيوت إنما اخترعها الإنسان ليهزم مخاوفه من شرور الطبيعة والحيوانات والإنسان نفسه. بدأت الفكرة هكذا ثم تطوّرت. فمنذ القدم احتاج الإنسان لكهف ليحمي نفسه مثله مثل باقي الحيوانات وكائنات الله، لكن وحده الإنسان الكائن الوحيد الذي يحتاج لنوافذ.. وحده يريد أن يرى، ويعرف ماذا يحدث في الخارج، أمامه وخلفه وحوله. وليكن هذا الأمر هو الذي يميزه، إذ من الصعب أن نؤمن بعد كل الكوارث التي يرتكبها أنه الكائن العاقل الوحيد في العالم. يبدو لي أن «النّوافذ» أقرب لحصر صفاته الكثيرة الجيدة وتغطية سيئاته الأكثر. ربما عقل الإنسان «الجيّد» شبيه ببيت جميل بنوافذ، عقول أخرى قد تكون مظلمة ومخيفة مثل الكهوف التي تأوي الوحوش، يستحسن أن لا تكون لها فتحة. الحدود القريبة منا لا تشعرنا بالانطلاق، لهذا فتحنا نوافذ دوما على عوالم أخرى تختلف عن عوالمنا. نريد أن نُشبع تلك الرّغبة الفطرية في المعرفة. احتجنا لنوافذ حقيقية وأخرى تكنولوجية نطل من خلالها على العالم أجمع، أليس التلفزيون مجرّد نافذة نطل عبرها على أناس آخرين ونتابع أخبارهم ونشاطاتهم وحيواتهم؟
الكمبيوتر، اللابتوب، الآيباد، الهواتف الذكية…كلها نوافذنا الخاصة المتطورة لنطل بها على عالم آخر غير الذي يحاصرنا في أمكنتنا الضيقة.. اليوم أصبحت حياتنا كلها نوافذ، وأعتقد أننا نقضي الكثير من الوقت ونحن نطل من نوافذنا على الآخرين. هوس النّوافذ صار مرض العصر. هل تريدون الصراحة؟ لست بدائية لكنني أفضل البيوت الصغيرة التي فيها حميمية ولها نوافذ خشبية تشبه تلك التي كنا نراها في رسومات كتب الأطفال، وتطل على الطبيعة، بحر، وادي، جبل، غابة… مثل بيت الجدة في «ليلى والذئب»، مثل بيت «الدببة الثلاثة»، مثل بيت «الأقزام السبعة» بكل سحر القصص وجاذبية محتواها. أما النوافذ الإلكترونية فتشعرني دوما بالضيق… لست من عشاق التلفزيون مع أنني أعمل فيه، هاتفي يتعبني مع أني مضطرة لاستعماله، وأشياء أخرى يضيق المقام بذكرها.
صحيح أنني «مدمنة» انستغرام، لكن هذا لا يعني أن هاتفي هو نافذتي على العالم، إنه عمل إعلامي يتمم عملي اليومي في التلفزيون. نافذتي الأجمل مساء إن لم تكن مفتوحة على السماء المرصّعة بالنجوم، فهي الكتاب. وصدقا أقولها لكم إنها النّافذة الأحب إلى قلبي حين أنكمش في فراشي، تحت أنوار ضوء خفيف، وأمارس متعتي في القراءة. هناك سر في الكتب لا أجد له تفسيرا أبدا، وهو أنّه يجعل كل ما نقرأه مرئيا في مخيلتنا، وهذا في حدّ ذاته إعجاز حقيقي. تتوالى الصور في أدمغتنا بدون أن يراها أحد مع انغماسنا في السرد وملاحقة تفاصيل الحكاية، ويبدو الأمر متعة خرافية لمن يدرك جمال هذه الهبة الرّبانية المقرونة باللغة.
ربما في نهاية الأمر سنجد أن نوافذ اللغة هي الأفضل حين تصبح نوافذ بيوتنا مسيجة بما يتعبنا، وهي خلاصنا الحقيقي. أيضا حين تنغلق كل الأبواب والنوافذ المعنوية أمامنا تبقى أمامنا نافذة واحدة لا يمكن غض النظر عنها حتى في حالة الإلحاد، إنها النافذة المطلة على الله وتنفتح بسهولة بكلمة سرية واحدة هي:
« يا رب»…
دمتم ودامت نوافذكم مفتوحة على كل ما يفرحكم.
شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب