ليست الفوارق الثقافية وحدها ما لعب دوراً في تأجيج مشاعر المصريين تجاه حذاء ميسي (نجم كرة القدم الشهير) المهدى إليهم بدافع الحب، فلا شك أن أموراً عديدة وراء الأكمة.
يُنتظر من النخبة المصرية أولاً أن تلاحظ الفارق في معنى الحذاء (أو قلّة معناه) في الثقافة العربية، باعتباره شتيمة وغرضاً محتقراً، وأنه لا يحمل المعنى نفسه بالنسبة للثقافات الأخرى.
هو، في معظم الثقافات الأخرى، في المستوى الأول، لا يعني احتقاراً أو شتيمة، أما إذا تحدثنا عن لاعب كرة قدم شهير، تشكّل قدمه كل رصيده، وجوهر حياته، وبالتالي يحمل الحذاء (وهنا نتحدث عن حذاء رياضي حصراً) المعنى نفسه، فيصبح الحذاء أغلى ما يعبّر عن ميسي، ذلك الأمر شديد الالتصاق بجسده، وهو الذي يحتمل في الوقت نفسه الانفصال عنه.
قد يثير الأمر حساسيةً لدى المصريين، والعرب والمسلمين عموماً، لكن في الوقت نفسه هناك حاجة لعقلاء يتفهمون أن الأمر جاء من حب ورغبة صادقة في العطاء، لا من احتقار.
في تراثنا هناك حكاية شائعة، تعبّر عن هذا الاختلاف الثقافي في تلقي الرموز، حين أراد الشاعر عليّ بن الجهم أن يمدح الخليفة المتوكل، وهو القادم من حياة الصحراء القاسية، فقال له:
«أنت كالكلب في حفاظك للود، وكالتّيس في قراع الخطوب»…
فأدرك الخليفة أنها مفردات الشاعر الأحب، وأراد أن يغيّر من طبيعة بن الجهم، فأمر أن يسكنوه في قصر، حتى عاد بعد شهور بقصيدته العذبة:
«عيون المها بين الرصافة والجسر، جلبن لي الهوى من حيث أدري ولا أدري».
ليس ميسي صحراوياً، لكننا نتحدث هنا عمّا يمثّله الرمز بالنسبة لصاحبه، وعن نواياه الطيبة جداً في لفتة أرادها أن تكون كريمة للمصريين (آخر حذاء لنجم كروي بيع في المزاد باثنيْن مليون دولار، ذهبت إلى جمعية خيرية للأطفال).
وإذا كان العقل يقتضي أن نقدّر لفتة ميسي، فإنه يقتضي أيضاً تفهّم غضبة المصريين العاديين، أما النخبة فهي لا تغضب لله.
لقد شاهدنا مثلاً سعيد حساسين، في برنامجه «انفراد»، على قناة «العاصمة» ينتقد ميسي والمذيعة المصرية التي عرضت الحذاء للكاميرا، معتبراً أن ذلك وحده إهانة، متهكماً من القناة التي عرضت المقابلة مع ميسي، (أم بي سي مصر)، قائلاً لو أن أمرها كان بيده لشطبها. وهنا سيتضح أن الأمر ليس سوى عداوة كار.
ولكن سيتضح أيضاً، حين يرفع حساسين حذاءه في وجه مشاهديه، قائلاً إنه يهديه لفقراء الأرجنتين، أننا أمام إعلاميّ يتقصد، عن عمد، إهانة شعب بأكمله، في الحقيقة إهانة شعبين، شعبه، الذي لا يليق به أن يعرض حذاء على شاشته (كما أخبرنا منذ قليل)، وشعب الأرجنتين، الذي يفترض أن لا ذنب له بـ «حماقة» ارتكبها أحد نجومه.
«تحيا إيجبت، ومش ح ناكل من جزمة حدّ»، هكذا ختم حساسين، فتذكرت أن الوطنية تشكل أحياناً ملاذاً جيداً لمن لا يريد الخير لأبناء بلده.
غضبةُ حساسين ليست لله، وطنيّته مزيفة، وقد تكون «إهانة» ميسي، غير المقصودة، أرحم على المصريين، من وطنية حساسين.
تابعتُ المؤتمر الصحافي للمجلس الاستشاري النسائي السوري المعيّن من قبل المبعوث الأممي إلى سوريا ستافان دي ميستورا، كانت عيناي معلقتين طوال الوقت على جهة واحدة: ابتسامة ديانا جبور. لا أعني أنها كانت محيرة بالنسبة لي، كما ابتسامة «الموناليزا» الغامضة، على العكس، كانت صريحة للغاية، كادت ابتسامتها تقول كل شيء، ولم يكن من الضروري أن تضيف ذلك السطر بخصوص «تجاهل الاعتبارات السياسية للوصول إلى مصلحة سوريا»، هذه الكلمات التي تشي بأن السيدة محايدة، ليست هنا، ولا هناك، وقد جاءت لتحكي باسم الشعب، باسم مصالح السوريين!
كان يمكن أن نصدق لولا أننا نعرف أن السيدة من «عظام رقبة» النظام، وتعرفون جيداً ماذا يعني أن يكون المرء مديراً للتلفزيون الرسمي في الأيام الصعبة التي عاشها النظام، بيانات الإعلام الكاذبة، وإنكار التظاهرات، وصولاً إلى الاعترافات المسحوبة بالقوة، تحت التعذيب، وتشويه السمعة، والتشهير بالمعارضين، وحتى تلك الاستعراضات الدقيقة والمديدة للجثث المتفحّمة إثر كل تفجير، حيث المقصود ترويع السوريين.
بعد إدارة التلفزيون الرسمي تدير الإعلامية جبور «المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني» التابعة لوزارة الإعلام، وما زالت بالتالي جزءاً أساسياً من الماكينة الإعلامية للنظام. فلماذا هي اليوم في مجلس استشاري يزعم أنه جسم آخر غير ذاك الذي يمثل النظام؟
إنها خديعة بلا شك، تتعدد الوفود الاستشارية كأنما لتقول إنها ليست سوى وجه من وجوه النظام. وهنا تأتي ابتسامة السيدة جبور المرسومة بعناية، والتي كانت تقول بوضوح إن النظام باقٍ، يتمدد، ويتناسل هنا وهناك.
لم يكن بالوسع أن نفهم الابتسامة إلا كنوع من الشماتة في السوريين، بثورتهم، وضحاياهم.
«سرقتَ دموعَنا يا ذئب، تقتلني، وتدخل جثتي، وتبيعها!».
بات المشهد الأثير عند الممانعين في زيارة أوباما التاريخية لكوبا، تلك اللقطة التي صوّرت يد أوباما محاولاً أن يربت على كتف الرئيس الكوبي، فيما يستدرك راؤول كاسترو ويخفض ذراع أوباما، وقد فسّره كثيرون على أنه الأنَفَة الكوبية التي لا تسمح لليد الإمبريالية بأن تربت بأبوّة على كتف العملاق الشيوعي!
لكن يمكن النظر إلى المشهد أيضاً من زاوية مختفلة جداً. لقد حاول كاسترو أن يرفع عالياً يد أوباما، لكن الأخير منعه من بلوغ هذا الحدّ.
أياً كان المشهد، أمامنا الآن رأس الإمبريالية العالمية، ممثلة في أوباما، ومعه ألف مرافق من كل الاختصاصات من أجل التطبيع مع الجزيرة الكوبية، تلك التي قال عنها فيدل كاسترو ذات يوم «تلك البقعة التي سيتحدد فيها مصير الشيوعية في العالم».
في الأيام التالية سنشهد حفلاً تاريخياً في الهواء الطلق لفرقة الروك البريطانية «رولينغ ستونز»، بعد أربعين عاماً من الحظر المفروض على موسيقى الروك، في تمهيد واضح للانفتاح الثقافي في البلاد، فأي «انتصار» يبحث عنه الممانعون في خضمّ هذه الهزيمة، وتحطيم الجدار؟ ماذا ينفع التقاط صورة لأوباما وهو يمر بالمصادفة قرب صورة لجيفارا؟ كل ذلك ليس سوى إشارة النصر الحزينة المرفوعة المعتادة أثناء الهزيمة، إشارة نصر مرفوعة بقوة، تماماً بمقدار ما هي مهزومة.
كاتب من أسرة «القدس العربي»