يحيى (تسفا هجناه لشرائيل) الذي بنى الجدار ليصد المسوخ عن أرض الميعاد، قبل أن يتمكن شعب زومبي من تسلقه، ثم القفز من فوقه والانقضاض على شعب الله المختار، الذي يضم في نسخته الهوليوودية، بالإضافة إلى بني إسرائيل، المسلمين، اليهود الذين احتشدوا خلف السور العظيم يدبكون على إيقاع «اليرغول» في انتظار أن تمطر السماء هدايا الرب مِن المن والسلوى، في صورة لا يمكن للمساطيل حتى أن يحلموا بها، ولا لحشيشة الغرز المدججة بالأفيون والهيروين أن يتخيلوها أو حتى يتندروا بتصورها ولو من قبيل التسلية و»عَمَل المزاج» أو «المخمخة»، فكيف استطاع فيلم براد بيت، الذي عرضته «أم بي سي 2»، أن يمنح البطولة لجيش مكون من الميليشيات الصهيونية ويحمل اسم أخطر فرقها «الهاجاناة» التي نظمت الهجرات السرية اليهودية إلى فلسطين وقمعت الثوار بأبشع الأساليب وأفرزت المنظمة الإرهابية الإرغون» ذراعها الدموي السفاح، الذي كان شعاره المسلح يضم خارطة فلسطين والأردن، وهي العصابة التي ارتكبت أعنف المجازر على رأسها مذبحة «دير ياسين»؟
هل هي صدفة أن تعرض «أم بي سي» فيلم «حرب الزومبي العالمية»، الذي تدور أحداثه حول وباء الزومبي فلا تجد القوات الأمريكية بدا من التصدي إليه سوى بالاستعانة بخبرة «حرب العصابات الإسرائيلية ولقطاء الشوارع» من أفراد جيش الإحتلال، الذي تغلب على كل ما واجهه من إرهاب عبر التاريخ بسياسة الجدران المحصنة على ذمة هوليوود، بالتزامن مع دعوات العار العربية للتطبيع مع المحتل؟ أم أن «أم بي سي» بريئة من جريمة الصدف!
حرب المعلومات بين الجاسوسية و«الميديا»
في عروض ممارسة الدحرجة الخلفية على الحدود على طريقة «الفاشينيست الداعشي»، الذي لم تتبق من مهاراته الحربية سوى بعض حركات الجمباز، التي تعينه على مغادرة الملعب متأبطا طاقية إخفاء دون أن يضطر لاستجداء التصفيق، تخرج إسرائيل من ثكنة المخاض السوري بمولود جديد بالتبني هو المعارضة، التي تدخل بيت الطاعة الإسرائيلي كعقلة إصبع بعد أن انتصر الصنم على عبدته، ورمى للإعلام عظمة الدب ليلهث وراءها كقصاص إثر جُدِع أنفه في الجولان ليدخل تدمر فاتحا على ظهور البعير، فمن كان منكم يتأهب لعصر دموعه بعد تفشي أخبار التقسيم بين الدب القطبي والكاوبوي الأسمراني، أخذته العزة بالإثم وهو يخر ساجدا للروس حمدا وشكورا على دغدغة الأصنام! فيا أيها العار لا تستح ممن يتمرغون بك، لأنهم لن يعروا سوى أنفسهم ما دمت لن ترضى لهم سواك!
لم يتعلم العرب بعد من عكاشة، الذي لم يسعفه تطبيعه بالترجل عن حماره، وقد هوى على نافوخه مترنحا كالمخمور، في زمن تتمنى فيه أن تكون جاسوسا ولا تكون إعلاميا، ليس له من الرجولة سوى الشنب ليتباهى به أو يحلف عليه لا ليحفظ به عهد الرجال، فإن أخذنا بعين الاعتبار أن وجه الشبه بين الجاسوس والإعلامي هو التنكر لخوض حرب معلوماتية الهدف منها التمويه على الخصم لتحقيق الهدف، فان الربح المادي واختطاف الأضواء والتجارة بالمعلومات على حساب القيم الأخلاقية والوطنية والنزاهة المهنية هي لعبة الإعلام التي تنصاع لرأس المال ومن يستثمره، بينما يجمع الجاسوس المعلومات الأمنية في الوقت ذاته الذي يُصدر لعدوه معلومات تضليلية، في إطار سري يضطره للتنازل عن بعض الضوابط والمعايير حتى يتم مهمته بشرف ويخدم أمته ووطنه، ومن يشاهد المذكرات التلفزيونية لـ«أحمد الهوان» المعروف بجمعة الشوان، الذي تقمص عادل إمام شخصيته في مسلسل «دموع في عيون وقحة»، يطلع على فن الخديعة التي دفعت غولدا مائير لتكريم الشوان بعد أن تجاوز اختبار الكذب، وتم ترشيحه للسفر لكوبنهاغن والانضمام لمدرسة داخلية للجنس كل طاقمها حواءات، كتكنيك تدريبي تتبعه إسرائيل مع عملائها، ثم الصفعة التي سددها لأعدائه عندما سرق جهازا استخباراتيا حديثا زودوه به لإمدادهم بالمعلومات الأمنية عن بلاده، فما كان من الاستخبارات المصرية إلا أن ترسل للموساد الإسرائيلي رسالة شكر على الخدمات التي يقدمها لمصر، متوعدة بحرب ذهنية أخرى.. فكيف تحول هذا الجهاز البطولي الذي أسسه ناصر عام 1954 إلى فضائيات بهلوانية تصهر الوعي وتشل القدرات الذهنية للعامة وتزج بالمصريين في حاوية المخبرين الرديحة وملمعي المؤخرات التطبيعية؟
يا أيها المشاهد، أنا لا أشفق عليك لأنك شريك بهذا الانحدار الفكري والوطني، الذي وصلنا إليه، في جبهتيك «التويترية» و«الفيسبوكية»، خاصة لما انشغلت عن فقرك بحذاء ذهب ريعه للفقراء، فإن كانت كرامة جوعك تعز عليك، فالأولى أن تقتص ممن جوعوك بالحذاء، في زمن يُعايرك فيه آكلو اللحوم بطبقك الشعبي المقدس: الفلافل، الذي تنفق إسرائيل الملايين في حرب الموائد معك لتسرقه من مائدتك، فلماذا تستبسل بحرب الشتيمة والتجريح دفاعا عن الفتات، بينما لا تهتز لك قصبة وأنت ترى عدوك يجيش الجيوش للظفر بالوليمة!
أصابع الخصومة
في حلقة الواقع العربي كانت البشرى التي زفتها فيروز زياني ووليد العمري عن انتصار جديد لفلسطين، تمثل برفض البرازيل تعيين سفير مستوطن لإسرائيل في أراضيها، كاستجابة لحرب الحملات الدولية التي تدعو للمقاطعة، والتي أتت أكلها خاصة أن دول الإتحاد الأوروبي تسم منتوجات المستوطنات تمهيدا لحظرها، في هزيمة ساحقة لثقافة معاداة السامية التي تلوح بها دولة الاحتلال، لأن وسم منتوجات مستوطناتها هو ذاته الذي استخدمه اليهود في المحرقة!
تقرير العمري كشف عن أكبر مؤتمر صهيوني عالمي ضم كبار الشخصيات من رئيس الكيان ومهندسي الخطط العسكرية والاستخباراتية والصحافة والإعلام ورجال الأعمال وقادة الاستيطان، إلى جانب سفيري أمريكا والإتحاد الأوروبي حشدتهم صحيفة «يديعوت أحرانوت»، لمواجهة دعوات المقاطعة، فنجاح هذه الحملات يذكر بانهيار النظام العنصري في أفريقيا، ويبرهن الفشل الاستخباراتي الجديد للدعاية الإسرائيلية، ويذكر المحتل بحرب يوم الغفران، التي حولت موشيه ديان إلى ضابط مغتاظ لا يملك من ذخيرته القتالية سوى أصابع الخصومة ليخوض حربه بها، وبعد كل هذا يأتي طاهر المصري في برنامج الذاكرة السياسية على «العربية» ليتحدث عن خلافه مع الملك حسين رحمه الله، بسبب التطبيع مع إسرائيل، وقد برر الملك سرعة ركوب الموجة بأن الإسرائيليين متخوفون من إلقاء العرب لهم بالبحر، فهل تسريب المصري لهذه المعلومة وضع التاريخ الملكي في خانة «الفيسبوكيين»، الذين تخلوا عن معداتهم الخاوية لصالح مشاعر الحذاء الرياضي وصورة مصر أمام الكورة؟
لم يكن السادات أفضل حالا، ولكن التوثيق لثعلبيته السياسية كان خبيثا بحيث كشف مهاراته في فن الخديعة، فلم يكن ظلا شاحبا لناصر، كما توقعت إسرائيل، إنما سمسار شيفرات معلوماتية وتشهد عليه عبارته لبيغن لما قال: «هذا سوق والبضاعة ثمينة»، وبين التسريبين ستتحيز لقناة النيل في برنامجها عن تاريخ الجاسوسية في الحروب، حين اعتبرت أن اليد العليا لمن يملك البحر والسلاح والسماء والمعلومات، لكن فات الملك أنه لا داعي للقلق على مشاعر إسرائيل ما دام البحر وما وراءه وأمامه خارج سيطرة العرب!
هدهد استخباراتي
على إسرائيل أن تطمئن، ولا داعي لأن تكلف نفسها وتنفق أموالها على مؤتمرات بهذا الحجم الذي أظهرته «الجزيرة»، لأن حملات المقاطعة التي استغرقت سنينا من العمل الحثيث والإصرار الدؤوب والجهود الإنسانية من دول العالم كافة بكل أطيافها السياسية والدينية والثقافية، تجد حملات تطبيع مناهضة لها تقودها شخصيات عربية مصابة بعوارض خرف وطني وشيخوخة مبكرة وهشاشة ذاكرة قومية وانفصام سياسي، وتملك أقداما مطاطية تمكنها من القفز فوق قبور شهدائها بوثبة الكترونية عرجاء، ودادي داي!
لم يتبق علينا بعد كل هذا سوى إقامة الأفراح والليالي الملاح على شرف هدهد سليمان، كأول عميل استخباراتي عرفه التاريخ، والتنازل عن الجنة التي وعد بها محمد (عليه السلام) من يأتيه بأخبار القوم في حرب الأحزاب، ما دامت حرب المعلومات لا تليق بمن تحولت بندقيته إلى نكاشة أسنان على رأي نبيل وهشام في مسرحية «أهلا تطبيع»، فلم يعد يهمه من وعيه سوى ما أفتى به الشيخ عمر عبد الكافي بأن الجدال ضد الحسنى ولا حل له إلا بالتطبيع، وهذه فتوى دينية لشراء الرؤوس (بخلو رجل)، فهل هزلت؟
يا أيها العربي إنه عرس الدم الذي تحول ماء، أما العروس فهي الحرب، التي تبدو كبنت الهوى يصعب عليك أن تصدق حمرة خدودها وقد جفت وردة حيائها، والعريس مفتي «takeaway» مع حلفان مجاني، كلما (اتزنق) يحلف، والإعلام يتنافخ شرفا بعرض عسكري للشنب متناسيا أن الشعر ينبت في موضع الدنس قبل سحنة العسس!
٭ كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر