باريس ـ «القدس العربي»: استغرب كثير من اللبنانيين أن تتذرع قناة «العربية»، وهي تقفل مكتبها في بيروت، وتسرّح سبعة وعشرين موظفاً من العاملين فيه، بأسباب أمنية. فهم أحالوا الأمر لأسباب سياسية تتعلق بالمواجهة الكبيرة بين المملكة السعودية، التي تتبع لها القناة التلفزيونية المعروفة، وإيران، وذراعه الحاكم في لبنان «حزب الله»، وباختصار فسروا الأمر على أنه تابع للعقوبة التي يواجهها لبنان بسبب عدم تضامنه مع المملكة في وقفتها بعد الاعتداءات على سفارتها في طهران.
قد يكون ذلك بالفعل هو المناخ العام الذي جاء الإقفال في سياقه، ولكن هذا لا يمنع أن يكون هناك تهديدات أمنية بالفعل، وللمصادفة، فقد شهد يوم الإقفال نفسه اعتداء على مكاتب صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية في بيروت، وذلك في ضوء رسم كاريكاتيري اعتُبر مهيناً للبنان، ساخراً من كونه «دولة»، معتبراً أن «دولة لبنان» ما هي إلا «كذبة نيسان». وبالصوت والصورة وأقوال الشهود جرى توثيق الاعتداء على «الشرق الأوسط».
لكن هناك من يحيل أسباب إقفال «العربية» إلى الفيلم التسجيلي «حكاية حسن»، الذي عرض على «العربية» في عزّ تلك الأزمة الناشبة بين الحزب والمملكة. الفيلم يتناول، كما يشير الاسم، سيرة حياة وصعود حسن نصرالله أمين عام الحزب، وكان مفاجئاً في تقديمه نصرالله على هيئة بطل ومناضل كبير.
ذلك فاجأ أنصار الحزب أولاً، وكان كثير منهم قد كمن في الزواريب المحيطة بمكاتب قناة «العربية» في بيروت، جاهزين للانقضاض عليها بعد الفيلم، الذي توقّعوه مسيئاً.
وكانت الصدمة، بالقدر نفسه، في أروقة القناة، التي شعرت، على ما يبدو، بالخديعة، وأن خرقاً ما حدث، و»طابوراً خامساً»، انقضّ على أجندتها الصارمة والصريحة.
هذه الوجهة، التي تتحدث عن «طابور خامس» لها ما يؤيدها في تداعيات الإقفال، فقد شاهدنا على الهواء أحد الموظفين المسرّحين يقول إنهم يظنون بذلك أنهم يضغطون سياسياً على الحزب وعلى «السيد»، لكننا نقول «فدا رجل السيد». فهل هناك ما يفسر الإقفال أكثر من هذه العبارة الواضحة؟ لا شك أن رعاة القناة شعروا إزاءها أنهم على حق تماماً بما فعلوه، ولعلهم قالوا لأنفسهم بأننا لا نريد تأييد سياسة المملكة، ولكن على الأقل نطمح إلى حياد هؤلاء العاملين في القناة، إعلاميين وتقنيين. كيف تضمن حياد صحفي يقدم نفسه، على الهواء، قرباناً لقدم «السيد»!
صحيح أن هناك أزمة سياسية كبيرة، ولكن غريب أن لا يقيم اللبنانيون لتلك الاعتداءات وزناً، فلم يمض وقت طول على ظهور ممثل على شاشة «ام بي سي» يقلد بشكل كوميدي حسن نصر الله، الأمر الذي أدى لنزول أنصاره إلى الشوارع هاتفين بشعارات طائفية، ولم يقصر إعلام الممانعة بدوره في المشاركة بهتافات موازية، على طريقته، خصوصاً وهو يمرر رسائل مبطنة تهدد مختلف الفعاليات الإعلامية لقنوات السعودية، ومنها استديوهات «ام بي سي» في بيروت، والتي تتحضر لاستقبال تصوير حلقات البرنامج الجماهيري الذائع «آراب آيدول»، وهو قد بدأ يفكر بالفعل بالانتقال باستديوهاته إلى دول آخرى.
اللافت في الفصول الأخيرة من المعركة أن الإعلام اللبناني أسهم بوضوح في كمائن الزواريب، وقبل الاعتداء على مكاتب «الشرق الأوسط» بشكل مباشر، كانت صحيفة لبنانية قد صرخت بأعلى صوتها و»شوفينيّتها» ضد الرسم الكاريكاتيري، كان ذلك أشبه بالتمهيد للاعتداء، صحيفة لا تتردد في وصف شعبها بـ «الأغنام»، وتزعل من مجرد رسم كاريكاتيري يتهكم من «كذبة دولة لبنان»، التي نعرف جميعاً أنها ليست دولة لبنان، بقدر ما هي «دولة حزب الله».
كان مضحكاً فعلاً أن ترى الصحف والقنوات التلفزيونية «الزميلة» وهي تحرّض وتصرخ ضد رسم كاريكاتيري، مجرد رسم. قناة لبنانية قالت مثلاً في احتجاجها على الكاريكاتير «الصحيفة التي لا تدرك أن الأوطان والدول لا تُبنى بريشات سخيفة، إنما بالعزم والتضحيات، بالحناجر الصادحة للحرية والحياة». بينما خفّفت صحيفة ممانعة من صورة الاعتداء على مكاتب «الشرق الأوسط».
لا ندري إذاً أي «دولة لبنان» هذه التي تضيق برسم كاريكاتيري، وأي «لبنان الحريات» يكون حين يأخذ «الزعران» حقهم بأيديهم، لا عبر القضاء، إن كان في الأمر ما يستحق أساساً.
الحمدلله أن كاتباً لبنانياً، لا سعودياً، هو الشاعر عباس بيضون، من تحدث من قبل عن شائعة « لبنان الحريات» حين قال إن « سبع عشرة طائفة تتعاون كلها من أجل زيادة عدد المحرمات في البلد. عندما نتكلم عن الحرية في لبنان نتكلم عن نفاق من يملك مهارة وقدرة على أن يبدو حراً، ويتصرف ويفاخر بحريته على العرب الآخرين الذين لديهم استبداديات. هذا التباهي بحرية منزوعة هو جزء من أدبياتنا».
لبنان، واللبنانيون يستيقظون كل يوم ليكرروا سؤالاً شهيراً، لن تسمعه في مكان آخر «وين هيه الدولة؟»، إلى حدّ أن العبارة باتت من المأثورات المتداولة عن لبنان. ولكن العبارة هي من حق اللبنانيين وحدهم، ليس من حق رسم كاريكاتيري أن يقول «وين هيه الدولة؟».
هكذا بات علينا أن نقول أيضاً ليست الدولة وحدها، إنما «لبنان الحريات» هو أيضاً شائعة، و»كذبة نيسان» أخرى.
راشد عيسى