عشرية «العرض الأفضل» للمسيحيين ومآلها الراهن

حجم الخط
1

على امتداد عشر سنوات فاصلة بين توقيع العماد ميشال عون ورقة التفاهم مع «حزب الله» وبين «مصالحة معراب» التي أنسحب خلالها رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع لصالحه، بدا الاجتماع السياسي المسيحي منقسماً بين «موارنة الشيعة» و»موارنة السنّة»، بأرجحية عددية نسبية للأوائل. برز طبعاً من كان يركّز على الجزء الممتلئ من كل كأس: بحيث أنّ هذه القسمة تجعل الحزبيتان المهيمنتان على الشيعة والسنّة تخطّب كل واحدة منهنّ ودّ المسيحيين الذين في صفّها، لتظهر أنها الأقدر على تقديم العرض الأفضل للمشاركة السياسية، مع المسيحيين.
لم تنطلق هذه اللعبة، بطبيعة الحال، بشكل متساو بين الفريقين المسيحيين الأكبر، تيار عون و»القوات اللبنانية». ذلك أنّ المزاج المسيحي العام، سلبيّ على نحو واضح حيال «اتفاق الطائف» منذ توقيعه، ويختزله في معادلة أنه سحب الصلاحيات من رئيس الجمهورية الماروني وأناطها برئيس الوزراء السني. وهذا بالتحديد ما ظلّ يمدّ عون بالشعبية الأوسع في النطاق المسيحي، الثابتة نوعاً والمتأرجحة نوعاً، سواء في المرحلة التي كان فيها رمزاً للمواجهة مع الجيش السوري في لبنان، أو في المرحلة التي صار فيها رمزاً لنصرة الجيش السوري على الشعب السوري في سوريا.
لكن مفارقة شعبية عون الاضافية أنها كانت تعكس رغبة مجتمعية مسيحية للخروج من نظام الحرب. فقد سأمت البرجوازية والطبقة الوسطى المدينية المسيحيتان من «المراقبة الحربية» لهما في نهاية الثمانينيات، ونظرت لبونابرتية عون كمشروع «عودة إلى الدولة». أن تكون هذه البونابرتية صرفت الرغبة السلامية في حربين عاتيتين، واحدة ضد الجيش السوري وحليفه الدرزي آنذاك، وثانية ضد «القوات اللبنانية» فهذه كان «مفارقة المفارقة»، التي اكتملت بدفع «القوات» أي المقاومة، وفقاً لثنائية «الجيش النظامي والمقاومة» الفيتنامية، التي اقتبسها اليمين الماروني في أعوام الحرب، إلى الطرف اللاجئ عملياً إلى اتفاق الطائف، مع أن شعبية «القوات» كانت منحسرة قبل ذلك لأنها عنت بالنسبة للبرجوازية والطبقة الوسطى المسيحيتين استمرار نظام الحرب. ثم انحسرت هذه الشعبية أكثر لأن «القوات» قبلت نظاماً مشوّهاً للسلم، يقوم على الهيمنة السورية وسحب صلاحيات «المسيحيين» لاعطائها لـ»المسلمين»!
في المقابل، طيلة العشر سنوات الماضية كانت «القوات» تتمتع بورقتين تتفاضل بهما على عون وتياره. فعون، بمقدار ما هو ناجح من حيث الشعبية، فهو فاشل من حيث البناء التنظيمي الهرمي لتياره، في حين واجهت «القوات» عملية تفكيك أمنية منهجية في التسعينيات، وأعادت تشكيل نفسها تدريجياً لتنطلق بهمّة تنظيمية متصاعدة، مع نكهة «عصرنة»، بعد اطلاق سراح الدكتور جعجع عام ألفين وخمسة.
ومن ناحية ثانية، فالعلاقات التي كانت قائمة ضمن تحالف «قوى 14 آذار» لم تكن لتوح بوجود أي تبعية من تيار وازن ضمن هذا التحالف في طائفته لصالح التيار الآخر، وهذه ليست حالة العماد عون.
زد على ان تحالف 14 آذار استعاد، ولو بشكل «لايت»، خطاب المارونية السياسية، المكثف بمقولة «لبنان أولاً»، في حين أن «المشرقية» و»الحج إلى براد» المستجدين عند عون لم تثر اقتناعاً جدياً بهما عند المسيحيين المؤيدين له. لا يحتاج الموارنة لمن يذكرهم بأصول كنيستهم «السورية والأنطاكية»، لكنهم ما فتئوا ينظرون إلى الكيان اللبناني الذي اعتنقوه كمشروع حل وطني للمسألة المارونية كفعل انسلاخ دائم عن سوريا، وكتجسيد للأسطورة التاريخية السياسية عن نجاحهم في اجتناب «أحكام أهل الذمة» عينياً ونفسياً (الأمر الذي ينقضه الهوس المتوتر باللاذمية وكيفية تحصيلها طول الوقت).
أكثر من هذا، فبعد عملية 7 أيار 2008، وهشاشة التصدي لمسلحي «حزب الله» في شوارع بيروت الغربية، وما تبعها من «اعادة الانتشار» السياسية للزعيم الدرزي وليد جنبلاط، برز جعجع بوصفه الرمز الأكثر منهجية وصلابة ضمن تحالف «14 آذار»، وبشعبية لافتة له في الشارع السني، تختلف إلى حد كبير عن نوعية شعبية عون في الشارع الشيعي. علّة الأولى شعور سنّي بفائض قوة «حزب الله» قياساً على ما هو متاح للسنّة تنظيمياً وسياسياً في مواجهته، وعلّة الثانية انحياز عون لفائض القوة هذا.
وفقاً لهذه المحدّدات انطلقت لعبة «من يقدّم العرض الأفضل للمسيحيين، السنة أو الشيعة؟». مع أن المطلوب الأساسي عند عون ايصاله لرئاسة الجمهورية، فان زعيم «حزب الله» لم يتبن ترشيحه رسمياً الا في الصيف الفائت. لكن الحزب التقط بذكاء لحظة طرح مسودة ما عرف بـ»القانون الأرثوذكسي» عام 2013، وقبل أشهر قليلة من انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان.
اقترحت هذه المسودة قانوناً يجعل كل طائفة دينية دائرة انتخابية قائمة بذاتها، بالتصويت النسبي داخلها. حصل هذا على ما يشبه الاجماع المسيحي انطلاقاً من الثنائية العونية القواتية، فقبله «حزب الله» ورفضه «تيار المستقبل». وهكذا كان الانسداد في القانون الانتخابي، وبالتالي في الانتخابات الانتخابية، ولم ينقصه سوى الانسداد الموازي في الانتخابات الرئاسية، حتى تكمل!
حصيلة كل ما تلى لحظة «القانون الأرثوذكسي» منذ ثلاث سنوات كانت اضمحلال تحالف «14» بين القوات و»تيار المستقبل»، ولو كانت نقطة التناقض مع مشروع «حزب الله» لا تزال جامعة، ولا يمكن أبداً القول أنها باتت حبراً على ورق، لكنها عملياً نقطة جامعة تعطّل نفسها بنفسها حتى اشعار آخر. ما يبقيها هو أساساً موقف «حزب الله» الذي ما زال ينظر إلى «القوات اللبنانية» بوصفها القوة السياسية الأكثر تنظيماً في مواجهته. ما يقوّضها هو صعوبة تنظيم الخلاف بين «القوات» والتشكيلة المسيحية السياسية الأقرب لتيار «المستقبل»، وليس فقط بين «القوات» و»المستقبل».
اغفال النقطة «الاستراتيجية» («القوات» بوصفها القوة التنظيمية الأهم في مواجهة «حزب الله» حتى وهي تحالف حليفه التابع له) يستدعي قصوراً في الرؤية. كما هو أيضاً اغفال النقطة المقابلة، وهي أنّ التقارب القواتي العوني، بدءاً من توقيع «اعلان النوايا» وصولاً إلى خوض معركة استرجاع الجنسية لطالبيها من المتحدرين من أصل لبنان انتهاء باعلان المصالحة – التحالف بين القوتين المسيحيتين، في مواجهة ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية تحديداً، كل هذا المسار جعل العلاقة بين «القوات» و»المستقبل» تتدهور، في حين أن «حزب الله» يغير خطباءه على ارث «المارونية السياسية» من دون أن يشعر ميشال عون وتياره أنهم معنيون، لا بل تراهم يتطوعون لخوض معركة «حزب الله» مع مجلس التعاون الخليجي عوضاً عنه في هذه الأيام، وهذا أيضاً عبء اضافي على سمير جعجع.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية