(إلى أمّي منى بنت أحمد بن صالح رحمها اللّه وهي تسألنا أحيانا في آخر أيّامها وقد أصيبت بالزهايمر ‘أنحن في أمس أم في غد؟’).
انعقدت بكلية الآداب والعلوم الانسانيّة بسوسة، خلال الشهر الماضي، ندوة علميّة حول ‘الخلف والسلف’؛ شارك فيها نخبة من الأساتذة الجامعيّين، من تونس وبعض البلاد العربيّة (المغرب والجزائر وسلطنة عمان والعربيّة السعوديّة). كانت الورقات التي قُدّمت في غاية الأهميّة، ولكن نظرا لكثافة المادّة، فإنّي أقتصر ها هنا على ورقة المعزّ الوهايبي أستاذ الفلسفة، وأسوق أهمّ ما جاء فيها؛ وليس لي في ذلك من فضل سوى عرضها وتقديمها.
تعالج هذه الورقة ميكانيزمات ‘التّقليد’ السّلفيّ في علاقتها بالزّمن وبمقتضيات الفكر، على ضوء اختبار ثنائيّة السّلف/الخلف وبيان ما إذا كان ثمّة بالفعل حبل واصل بينهما. وهذا ما أبانه الباحث وقد خلص إلى أنّ السّلفيّة طبقا لميكانزمات اشتغالها لا تفعل غير أن تخلف نفسها. أي أنّ أخلاف الأسلاف لا يعدون أن يكونوا غير الأسلاف أنفسهم، وأمّا الأخلاف الحقيقيّون فهم أولئك الذين لا سلف لهم.
افتتح الباحث ورقتة بإثارة جملة من الأسئلة الشائكة هي في حقيقة الأمر مفاصل الإشكاليّة التي يطرحها: كيف يتعيّن علينا أن نفكّر، اليوم، في مسألة العلاقة بين السّلف والخلف؟ أينبغي أن نفكّر فيها بوصفها مجرّد علاقة تعاقب زمنيّ كمّي أم بوصفها علاقة تناوب زمنيّ نوعيّ؟ أي بوصفها تعاقبا تكراريّا شكليّا مثل تعاقب الأيّام والأشهر والأعوام أم بوصفها تناوبا نوعيّا يحلّ فيه الخلف محلّ السّلف ليضطلع بعين وظيفته؟
وما معنى أن نفكّر، اليوم، في مسالة السّلف والخلف: أنفكّر فيها ضمن إطار من الحرص على الحياديّة والموضوعيّة التّامّتيْن على نحو ما يفعل العلم مثلا إزاء ظاهرة طبيعيّة موضوعيّة أم نفكّر فيها من أجل أن نضطلع بمهمّة ما على أساس أنّ التّفكير إجراء قصديّ؟ ثمّ من عساه يكون السّلفيّ، اليوم، ومن عساه يكون الخلف؟ وهل ثمّة سلف وخلف أم ثمّة سلفُ سلفٍ وخلفُ خلفٍ؟
منطق المعاودة والاختلاف
يتعيّن الموضوع الذي يتناوله الباحث ضمن فضاء الزّمن. وهذا ما جعله يترسّم ـ في الظاهر ـ علاماته بممارسة فنّ سرد التّناوب بين السّلف والخلف.نقول في الظّاهر إذ قد ننتهي إلى تنسيب هذا التّناوب، وإلى إحلال منطق القطيعة والتّجاوز التّامّين محلّه. ومن هنا كان لا بدّ من استحضار أفق الوعي بالتّاريخ أو الوعي التّاريخيّ. وكان جيل دولوز قد استأنف مسألة علاقة الفكر بالتّاريخ في كتابه الموسوم بـالاختلاف والمعاودة (سنة 1968). وفيه يتدبّرهذه العلاقة بالمقارنة بين مساريْن: مسار هيغليّ ومسار ضدّ-هيغليّ.
أمّا المسار الهيغليّ فيقوم على مبدإ التّجاوز، وأمّا المسار ضدّ-الهيغليّ فبقوم على مبدإ المعاودة والاختلاف. وينتسب هذا المساران إلى دائرة الفكر الفلسفيّ المعاصر والرّاهن، أي إلى دائرة ‘الخلف’ بلغتنا نحن. وفي المسار الثاني يحوز الاختلافُ والمعاودة مكانةَ المتماثل والسّالب
مكانة الهويّة والتّناقض؛ ذلك أنّ الاختلاف لا يشير إلى السّالب ولا يؤول إلى التّناقض إلاّ في حدود مواصلتنا جعله تابعا للمتماثل. إنّ أولويّة الهويّة بحسب الطرّيقة التي تكون بها متصوَّرة إنّما هي تحدّد عالَم التّمثّل..
والتمثّل يفيد، من بين ما يفيد، إعادة إحضار الهويّة على صعيد الممارسة من منطلق أنّ الهويّة لدى الذين يحصرون معنى التفكير في معنى التمثّل، إنّما هي حقيقة ثابتة معطاة ما قبليّا؛ وهذا عين ما يعتقد فيه السّلفيّ. ونخلص من ذلك إلى أنّ التّقليد السّلفي يظلّ حبيس تصوّر للتّفكير يعتبره مجرّد شاهد يتمثّل العالم ،في حين أنّه في حقيقة الأمر لا يفعل غير أن يتمثّل تمثّلا، فالنّصّ، بما في ذلك النّصّ المقدّس هو تمثّل للعالَم. ولذلك يتولّى التّأصيل الجينيالوجي مهمّة التّأويل. إلاّ أنّ الفكر الحديث يولد من إفلاس التّمثّل، كما يولد من فقدان الهوّيات، ومن اكتشاف كلّ القوى التي تتفاعل ضمن تمثّل المتماثل. إنّ العالَم الحديث هو عالَم الصّور المشابهة (أو المزيّفة)؛ وفي هذا العالَم لا يوجد الإنسان منشدّا إلاّ إلى نفسه ولا تنشدّ فيه هويّة الذات إلى جوهر محايث أو مفارق. وعليه فإنّنا نحتاج إلى أن نفكّر في الاختلاف ذاته، وفي علاقة المختلف بالمختلف، بمعزل عن صيغ التّمثّل التي تقودنا إلى الهو نفسه. ذلك أنّ ما يدعى إليه الفكر الحديث إنّما هو الانتباه إلى كون الهويّة تصوّرا.
يطرح جيل دولوز هذا التّصوّر الذي يتعيّن علينا، بحسب توصيته، أن نختبر ما إذا كانت له كفاية الإقناع أم ينبغي الانزياح عنه.
توجد حياتنا الحديثة خارجنا وفينا، على نحو ما نلفي أنفسنا أمام المعاودات الأكثر ميكانيكيّة والأكثر نمطيّة، فلا نكفّ عن أن نستخرج منها [حياتنا] اختلافات صغيرة وتنوّعات وتحويرات. وعلى عكس ذلك، فإنّ معاودات سرّية، متنكّرة ومخبوءة يغذيها اختلاف موصول، تتدبّر فينا وخارجنا معاودات مجرّدة وميكانيكيّة ومنمّطة. وفي السّيملاكر تتعلّق المعاودة أيضا بمعاودات، والاختلاف باختلافات.
وقد يجد بعضهم في هذه الأبستيميّة الجديدة مسوّغا لاستمراريّة التّقليد السّلفيّ لكن هيهات لأنّه ثمّة، أوّلا، تمييز دقيق بين ‘المعاودة’ و’المشابهة’. ولذلك يشير الباحث هاهنا إلى تاريخ من التّلف يحكم التّقليد السّلفيّ الذي يعتقد أن الخلف مشابه للسّلف أو يتعيّن عليه أن يشابهه.
فهناك بداهة لا بأس من تَكرارها، وهي أنّ كلّ ما يفقد يمكن تعويضه ما خلا الزّمن. والتّكرارالميكانيكيّ الذي يتشبّث به التّقليد السّلفيّ ليس إلاّ تكرار السّاعة. ولذلك يتعيّن التّقليد إلغاء للتّاريخ سواء بالمعنى الهيغليّ، بما هو معقود على جدل السلب والتّجاوز، أو بالمعنى الجينيالوجيّ لدى نيتشه، بما هو معقود على تأويلات لتأويلات.. ولأنّه ثمّة، ثانيا، كفّ عن الإحداثيّات الما قبليّة التي تحكم التّفكير الميتافزيقيّ ونزوع نحو إحداثيّة المحايثة ، إحداثيّات السّميلاكر أو الصّور غير التّمثّلية لأنّها [في فضاء المحايثة] منشدّة إلى نفسها وعلى علاقاتها وليس إلى علّة مفارقة.
ولكن علينا ألاّ نتغنّى بالاختلاف دونما تحفّظ، فمن المخاطر الكبرى، بحسب جيل دولوز، هي ‘أن نتمسّك باختلافات مجرّدة بإطلاق من المتماثل، وقد أصبحت مستقلّة عن السّالب’. إنّ اكبر خطر هو أن نسقط في تمثّلات ما يسمّيه هيغل، ويعيده جيل دولوز، ‘الرّوح الطّيبة’: لا شيء غير اختلافات متصالحة ومتآلفة أو متعايشة بعيدا عن الصّراعات الدّمويّة. تقول النّفس الطيّبة: ‘نحن مختلفون، لكنّنا لسنا متعارضين’. وإنّ فكرة المشكل التي نراها مقترنة بفكرة الاختلاف تبدو هي أيضا مغذية لحالات النّفس الطّيبة: فوحدها تحوز الاعتبارَ المشاكلُ والأسئلةُ.
ومع ذلك، فإنّنا نعتقد أنّه عندما تبلغ المشاكل درجة من الوضعيّة خاصّة بها، وعندما يكون الاختلاف موضوع إثبات ملائم، فإنّها، أي المشاكل، تطلق قوّة عدوانيّة، وتغدو ممارسة انتقائيّة تحطّم الرّوح الطّيبة وذلك بتجريدها من هوّيتها وحتّى بكسر إرادتها الطّيبة [ والباحث في هذا السياق، إنّما يجيب عن أحد الأسئلة التي طرحها في مقدّمة اورقته؛ والسؤال: ما معنى أن نفكّر اليوم في التّقليد السّلفيّ؟]. إنّ الإشكالي والاختلافيّ يحدّدان صراعات أو تهديمات تكون بالنّسبة إليها صراعاتُ التّسالب مجرّد تمظهرات، وتكون تمّنيات النّفس الطّيبة مثل ضروب من المخاتلة. إنّه يعود إلى السّميلاكر، صورة الخلف [ولكن هذه المرّة الخلف الذي يفكّر] لا أن يكون نسخة، ولكن أن يقلب كلّ النّسخ وذلك بأن يقلب أيضا النّماذج بحيث يغدو كلّ تفكير عنفا.
وقد يُعترض على هذا بأنّنا إزاء تفكير لا ديمقراطيّ؛ وعلينا في هذه الحالة أن نقوم باستطراد نتساءل ضمنه: ما معنى أن يكون التّفكير ديمقراطيّا؟ وهل ثمّة وجاهة أصلا في عقد قران بين هذين الطّرفيْن؟
يلاحظ الباحث في الوقت نفسه بأنّ التّحفظ على الوصل بينهما لا يعني بالمقابل أنّ التّفكير لا ديمقراطيّ أو هو ضدّ ديمقراطيّ؛ وإنّما يعني باختصار أنّ الأمر قد يكون مجرّد إسقاط من شأنه أن يشكّل خلطا بين سجلّين: سجلّ الفكر وسجلّ السّياسة [ وهو يقول ‘خلطا’ ولم يقل ‘ارتباطا’] فعندما يفكّر المرءُ لا يعنيه أن يكون للآخر الحقّ في الاختلاف أو حتّى في الخطإ، وإنّما يعنيه أن يفكّر في اختلاف الآخر وفي خطئه وأن ينظر إلى صلتهما بالفكر، أي هل هما ناجمان عن خلل في إجراءات التّفكير أم هل هما ناجمان أصلا عن غياب التّفكير.
ما ينبغي أن يكون ديمقراطيّا هو التّشريع للحقّ في التّفكير وللحقّ في الاختلاف وفي الخطإ، ولكن عندما يفكّر المفكّر فيها فهو يتناولها من حيث هي ظواهر أو أحداث أو تقاليد… ومن هنا يتعيّن تفكيكها وبيان ميكانيزماتها وأوجه المغالطة فيها.
يستعير الباحث في هذا السّياق من جيل دولوز قولا بشأن ما ينبغي أن يكون عليه ‘كتاب في الفلسفة’ ولكنّه ينوّع عليه بحيث يذهب ألى القول بأنّ ‘تفكيرا نقديّا حرّا ينبغي أن يكون من جهة نوعا مخصوصا من الرّواية البوليسيّة، وأن يكون من جهة أخرى نوعا من الخيال العلميّ’. والمقصد من استعارة الرّواية البوليسيّة هو أنّه يتعيّن على المفاهيم أن تتدخّل، ضمن حيّز من الحضور مخصوص، لتحلّ وضعيّة محلّية. بل هي تتبادل الدّور مع المشاكل التي تطرأ. إنّها دوائر تأثير حيث تجري الأمور في علاقة بـ’مآس’ وعن طريق وسائط بيّنة ‘الفظاظة’ على نحو ما نرى في الممارسة السّلفيّة باستمرار. وأمّا في ما يخصّ استعارة الخيال العلميّ، فالأمر يتعلّق بالتّفكير الذي يذهب قدما نحو المستقبل وإن عن طريق التّخييل.. كما لو أنّ المفكّر الحقيقيّ هو ذاك الذي نجده أمامنا يمسك بأيدينا لا ذاك الذي نمسك بتلابيبه وهو خلفنا.
ولا يفوت الباحث أن يذكّر بأنّ الخيارات المنهجيّة مسالك، والمسالك لا تعدو أن تكون غير التّفكير والتّجربة نفسهما. وبعبارة أخرى، فإنّ طريقة تفكيرنا في العلاقة بين السّلف والخلف هي في حدّ ذاتها الموقف من هذه المسألة. فإجرائيّة التّفكير ليست مجرّد دعوة للالتحاق بتجربة معيش؛ بل هي على العكس من ذلك تؤسّس للإبداع الأكثر جنونا للمفاهيم كما لم نر ذلك أو نسمع به.
إنّ إجرائيّة التّفكير، سواء أكانت حفرا أو تفكيكا أو تأويلا، ليست إلاّ ضربا من تكريس صوفيّة المفهوم وترييضه. فالأمبيريقيّة تتناول، تدقيقا، المفهوم، على أنّه موضوع لقاء، على أنّه هذا ‘الهنا-الآن’، أو بالأحرى على أنّه هذا ‘اللاّمكان’ الذي تصدر عنه دون أن تنفد الآناءات والهناءات (إذا أمكن تعريب عبارة دولوز-؛ فهي دائما جديدة وبطريقة مغايرة. ليس ثمّة إذن غير الأمبيريقيّ من بوسعه القول: المفاهيم هي الأشياء نفسها، لكنّها الأشياء في الحالة الحرّة بل المتوحّشة والتي تحتاج إلى ضرب من التّرويض والتّرييض.
وبعبارة أخرى ينبغي أن تسجّل المفاهيم ضربا من الحضور العمليّ؛ فسرّ الأمبيريقيّة هو كونها ليست كما يُعتقد ردّ فعل ضدّ المفاهيم وإنّما هي تدبّر إجرائيّ لها. فالمفكّر يصنع ويعيد صناعة مفاهيمه ويمحوها انطلاقا من أفق متحرّك، من مركز هو دائما محوّل ، من حزام دائما منقول يكرّرها ويجعلها مختلفة.
إنّما يعود إلى الفلسفة المعاصرة أن تتعدّى الزّمنيّ اللاّزمنيّ، التاريخ-الأبديّ، الخاصّ-الكونيّ… وإنّما نحن بعد نيتشه نكتشف اللاّتزمينيّ بوصفه أعمق من الزّمن والأبديّة؛ فالفلسفة ليست فلسفة التاريخ ولا هي فلسفة الأبديّة، ولكنّها لا تزمينيّة، أي هي بلغة دولوز: ضدّ الزّمن، لصالح زمن يأتي، على أمل زمن يأتي’ . وقد أشار الباحث أعلاه إلى استعارة ‘الخيال العلميّ’.
ومن ثمّة يخلص المعزّ إلى إنّه يمكن أن نضيف إلى ميكانيزمات التّقليد السّلفيّ بشأن ضرورة المعاودة بأنّه يتعامل مع التّاريخ بوصفه تكرارا كمّيا أو مشابهة كمّية في خلط بين مجاليْن (لكن دونما وعي منه): مجال العلم الطّبيعيّ ومجال الحراك البشريّ. فعندما نقول بأنّ شيئين متشابهان مثل قطرتيْ ماء، أو عندما نصرّح ‘لا علم إلاّ بما يتكرّر’ فالاختلاف هو بالطّبيعة بين المعاودة والمشابهة، وهو اختلاف يكون أحيانا حتّى برجّة قصوى؛ لكن أنّى للسّلفيّ أن يقف على ذلك؟
فلا يمكننا اليوم أن نكون شافعيّين أو حنبليّين.. ولكن يمكن للشافعي أو ابن حنبل أن يحلاّ ضيفيْن على لحظتنا التاّريخيّة، لكن أن يأتيأ إلى لحظتنا بما تمليه آداب الضيافة لا أكثر ولا أقلّ.
والخلط لا يقف فقط عند هذا المستوى، وإنّما هو يتعدّاه إلى السّجلين السّياسيّ والأنثروبولوجي؛ فعندما يقرن التّقليد السّلفيّ بين السّلف والخلف إنّما هو ينزلق من سجّل سياسيّ-دينيّ إلى رؤية أنثروبولوجيّة للإنسان على نحو يراد معه فرض الأوّل عنوة على الثاني.
لكنّ ذلك لا يعني إسقاط التّاريخ من الاعتبار؛ فحتّى إن كان الخلف يكرّر السّلف، فهو يفعل ذلك بموجب شروط تاريخيّة سالبة، أي بموجب فقر في الحراك التّاريخيّ بما هو في الوقت نفسه حراك ثقافيّ أو حضاريّ.
في شروط الزّمن
يمكن القول ـ استئناسا بهذه الورقة الفكريّة الغنيّة ـ في ما يخصّ علاقتنا بالماضي، بأنّه لا معنى لها ما لم تُدرج ضمن تفكير أعمّ على نحو ما تتناولها العلوم الاجتماعيّة، اي الاختصاصات التي تهتمّ بالمجتمعات البشريّة (فلسفة الحقّ، علوم الاقتصاد، الأنثروبولوجيا، إلخ.). و يستحضر الباحث في هذا السياق جون شيسنو الذي يرى أنّه ثمّة ثلاث موالفات متداخلة الاختصاص، الموالفة الأولى هي الزّمن نفسه؛ فهذه الاختصاصات الثلاثة تتحقّق على مرّ الزّمن وتشتغل على قاعدة تصوّر مخصوص للزّمن، تصوّرٍ لبناء معيّن للزّمنيّة.
وهاهنا يجد المفكّر والمؤرّخ نفسه في وضعيّة غير مريحة . وأمّا الموالفة الثانية فهي الكونيّ، أي عالم الحداثة، اي القدرة على الأخذ بالاعتبار للقدر المشترك والمصير المشترك بين كلّ ثقافات العالَم [وهذا ما يفتقر إليه لا محالة التّقليد السّلفيّ]. وأمّا الموالفة الثالثة، فتكمن في العلاقة بالممارسة الاجتماعيّة. فعلينا أن ننتبه إلى أنّه توجد أشكال متنوّعة بين المجتمع وماضيه: ثمّة المعرفة التّاريخيّة، الأساطير، الآداب، ممارسات السّلطة السّياسيّة، التّمثّلات الجماعيّة المتذكّرة… لكن لا يجوز أن نجعل أيّا منها تحلّ محلّ الخطاب التّاريخيّ العقلاني أو التّفكير العقلانيّ؛ فعلى الحاضر أن يضطلع بمسؤوليّة مساءلة الماضي، وليس العكس وإلاّ فإنّ الأمر يكون عبثا منطقيّا وإتلافا للزّمن؛ فلا يمكن للفكر العربيّ الحديث أن يكون، اليوم، حديثا بحقّ إلاّ إذا تعاطى مع السّلف بوصفه أسبقيّة في الزّمن لا بوصفه سلف الوصاية.
والأسبقيّة في الزّمن لا تعني بالضّرورة حيازة الفضل، بل لعلّ العكس هو الأصوب إذا ما استخدمنا منطق المفاضلة الذي يقول الباحث إنّه لا يحبّذه في واقع الأمر، فالمتأخّر أوفر علما من المتقدّم ما دام يستطيع أن يطّلع على ما سبقه من أحداث وإنتاجات فضلا عن أحداث عصره وإنتاجاته؛ في حين لا يتأتّى للمتقدّمين أن يطّلعوا على منجزات أخلافهم. وإنّ معرفة الماضي لا تتطوّر إلاّ انطلاقا من إنذارات أو إخطارات صادرة عن الحاضر. ونحن هاهنا لا ننطلق من تبجّح بالحاضر، ولكن نصدر عن وعي بكون الحاضر هو حقل الممارسة (البراكسيس)، فهو ما يأتي للقائنا (كما تقول اللّغة الألمانيّة)، هو ما نواجهه. ومع ذلك فإنّه ينبغي التّخلّص من الفكرة الوضعيّة القديمة التي تقول بوجود تعاقبيّة ميكانيكيّة بين الحاضر والماضي والمستقبل، وهي الفكرة التي ما زال الكثير من المؤرّخين والمفكّرين حبيسي إطارها
لكن لا يعني بالمقابل أنّ الزّمن ارتجاعي، وعدم ارتجاعيّة الزمن لا تشتغل على أساس وحدة أساسيّة، أنطولوجيّة، بين الحاضر والماضي والمستقبل. ولكن من منطلق أنّ الماضي يحلّ ضيفا على الحاضر بحسب شروط الحاضر وكذلك المستقبل. والحاضر هو زمن الإتمام ؛ فهو اللّحظة التي تنعقد فيها، من اجل أن تتحقّق، سلسلة كاملة من الاتّجاهات يتبع بعضها بعضا، وهي لا تتحقّق إلاّ ضمن الانفتاح على المستقبل.
لكن ما يجري عليه التّقليد السّلفيّ هو العكس: الانفتاح على ماض لا ينفكّ يغدو سحيقا. ذلك أنّه ينطلق من رؤية تيليلوجيّة (غائيّة). والواقع أنّه ثمّة فكرة تكاد تكون قناعة، وهي أنّه يصعب فكّ ما يسمّيه شسنو ‘ثنائيّة الاتّجاه’ للزّمن والحاضر؛ فهذه الثنائيّة تفيد أنّه يوجد في الوقت نفسه عالية النّهر ومهبطه. ولنا أيضا أن نستحضر مصطلحيْ جانكيليفيتش ‘الاستقباليّة’ والماضويّة، أو صيغة بول ريكور التي تقول بأنّ المؤرّخ يكون في وضعيّة غير مريحة لأنّه يجلس على نصف المنحنى ويُفتن قي الوقت نفسه بن يفكّر في النّصف الآخر. وليس لنا في الفكر العربيّ الحديث إلاّ أن نغنم من منطق المفارقة هذا، من منطق الإحراج، من منطق ترحّل الفكر؛ وإلاّ فإنّه يكون سلفيّا لا داخل دائرته الحضاريّة بل داخل الدّائرة الإنسانيّة. وما لا يعيه التّقليد السّلفيّ هو أنّ المنطق لا يزول بزوال أنظمة الحكم في ما يسمّى ببلدان الرّبيع العربيّ؛ فما تمّت إزالته أنظمة حكم لا منطق التّاريخ..
ولا بدّ هاهنا من الإشارة إلى نوع من الخلط يجري بين ‘الذاكرة’ و’التّاريخ’. ولا نظنّ أنّ هناك من يماري في حقّ أيّ كان أن يستند إلى ذاكرته؛ إلاّ أنّ تصوّر البناء المجتمعيّ يقتضي قراءة أو دراسة للتّاريخ لا تذكّر أحداث أو حالات. والتّقليد بما هو ليس فكرا لا يكتب تاريخا با يثبّت لحظة. ولا يتعلّق الأمر طبعا بالمفاضلة بين التّاريخ والذاكرة، ولكن ببيان الحدود بينهما. ويعود بنا التّقليد السّلفيّ إلى ماض ليس ماضينا، يريد أن يركّب لنا ذاكرة تتذكّر أحداث بشر آخرين وحالاتهم وأذواقهم
يسعى التّقليد السّلفي غلى أن يحوّل التّاريخ إلى ذاكرة تستحضر يوطوبيا مفقودة، واليوطوبيا تكون دائما مفقودة لا-مكان. يتعلّق الأمر بمكان خياليّ. لكن ما يفوت التّقليد السّلفيّ هو أنّ اليوطوبيا رؤية مستقبليّة في حين أنّ الذي يتمسّكون بالسّلف اعتقادا وتقليدا ماضويّون.
يقول الباحث إنّه قد لا أجد ما يختم به هذه الورقة أفضل من الإشارة إلى أمر خاصّ وحميم: كانت أمّي رحمها اللّه تسأل أحيانا في آخر أيّامها وقد أصيبت بالزهايمر ‘أنحن في أمس أم في غد؟'[ وقد وظفت أنا هذا في قصيدة لي منشورة]؛ ولم تكن رحمها اللّه سلفيّة أبدا ولم تكن معنيّة بهذه المسألة، ولكن ما كان يلفت انتباهنا في صيغة سؤالها غياب الحاضر أو تكثّف الماضي (أمس) والمستقبل (غد) فيه. ولا أماري في أنّ هذا الخلط التّزمينيّ إنّما هو من أعراض مرضها. وهو عين ما يبدو لي في علاقة ‘التّقليد’ السّلفيّ بالزّمن.
لقد كان الأسلاف الأصليّون أخلافا حقيقيّين؛ وعندما يتمّ التّعاطي معهم بوصفهم سلفا يتمّ التّجنّي عليهم لأنّه يتمّ تكييفهم ليكونوا أصولا قابلة للنّسخ والتّكرار، أي يتمّ تحويلهم من حدث نوعيّ استثنائيّ إلى حدث كّمي يُكرّر. ونحن نعلم أنّ جودة التّكرار يمكن أن ترقى تقنيّا إلى مستوى الأصل فيلتبس الأمر بينهما؛ وهي على أيّة حال جودة تقنيّة وليس قدرة إبداعيّة أو تأسيسيّة. من يكن سلفيّا يكن همّه تأصيل الأصول، ومن يكن مختلفا يكن همّه استئصال الأصولk الأسلاف لهم أسلاف والأخلاف لهم أخلاف.