من الأغوار إلى القدس والخليل والاحتلال يعاملهم كـ«أشباه بشر»: البدو في فلسطين نكبتهم مستمرة والتهجير القسري متواصل

حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: حكاية البدو في فلسطين من أقدم الحكايات الفلسطينية خاصة وأن «النكبة» بالنسبة لهم مستمرة حتى يومنا هذا. من الأغوار أو من محيط القدس المحتلة ورام الله وحتى جنوباً في الخليل، يلاحقهم الاحتلال ويطردهم من أماكن سكناهم ويقوم بترحيلهم من مكان إلى آخر. لكن النكبة تجددت منذ أن بدأت إسرائيل الحديث عن مخطط «إي 1» الاستيطاني والذي يهدف إلى جمع البدو في مكان واحد قرب مدينة أريحا أقدم مدن العالم على الإطلاق.
وغالبية البدو في الضفة الغربية يهددهم مخطط قد يفضي إلى وضعهم داخل كنتونات هي أشبه ما تكون بمعسكرات التجميع النازية «غيتوات أو معازل». فمع استمرار تهديدهم في منطقة محيط القدس وحتى الأغوار والبحر الميت إلى الجنوب الشرقي بالترحيل الجماعي والقسري وتدمير نمط حياتهم الأصيل تتعثر حياة ما لا يقل عن خمسة عشر ألف شخص أكثر من نصفهم من الأطفال.
وصعدت سلطات الاحتلال من ضغوطاتها على التجمعات البدوية الفلسطينية متعمدة وضعهم في حال شديد الصعوبة والخطورة. فقد ارتفعت وتيرة أوامر الهدم والترحيل والجزء الكبير منها أصدر بدون إعطاء مهل كافية للاعتراض القانوني أو لتتصرف العائلات في شأن حياتها. وإزدادت اعتداءات المستوطنين وتطاولهم على التجمعات البدوية بتصرفات تدل على عنصرية ممنهجة. وكذلك شددت السلطات الإسرائيلية من قبضتها من أجل منع تطوير البنى التحتية البسيطة في التجمعات البدوية من توصيل ماء أو كهرباء أو حتى تحسين وضع طريق بعد هطول الأمطار. بل راحت تهدم حتى الممتلكات الممولة أوروبياً دون أي اعتبار لتأثير هذا العمل على علاقاتها مع بلدان أوروبا.
ويحاول الاحتلال الإسرائيلي تغليف مخطط التطهير العرقي ضد البدو على أنه مخطط لتحسين وتطوير حياتهم، إلا أن من الطبيعي أن يرفضه البدو كونه يدمر النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي لهم لعدة أسباب أولها: أن تخصيص مساحة صغيرة لكل عائلة لا تكفي لمتطلبات عيش الأسر البدوية ومتطلبات تربية المواشي وتستحيل معها الحياة.
أما السبب الثاني فيكمن في تخصيص المساحات الصغيرة لكل عائلة وجمع أكثر من عشيرة من مختلف المناطق في منطقة واحدة وهذا يخرق أحد أبرز مميزات حياة الإنسان البدوي وثقافته والتي من ضمنها مثلا تمتعه بالخصوصية وبشكل أساسي للنساء.
والسبب الثالث هو الإضطرار إلى التخلي عن نمط الإنتاج والحياة التي يعيشونها للبحث عن سبل أخرى للعيش لا تتفق مع ثقافتهم وبالتالي تحويلهم إلى العمالة الرخيصة في المستوطنات الإسرائيلية بدون حقوق أو إلى عاطلين عن العمل.
ويكمن السبب الرابع في أن هذا التحول في نمط الحياة وما ينتج عنه إقتلاعهم من محيطهم وحاضنتهم البيئية والاقتصادية، من شبه المؤكد أنه سيراكم لدى الإنسان البدوي شعورا بالمرارة والذل قد يتحول بسهولة إلى قنبلة اجتماعية تخلق توترات غير مرغوب فيها مع المحيط وبالأخص مع مدينة أريحا. فيما السبب الخامس يكمن في أنه ومع هذا كله سيُحرم الاقتصاد الفلسطيني الضعيف أصلاً من حوالي 13٪ من مصادر إنتاج اللحوم الحمراء والألبان ما سيهدد الأمن الغذائي والاقتصاد معا.
وتعتبر خطورة مخطط «إي 1» في تقويض واضح لأي فرصة في أن يعيش الفلسطينيون في دولتهم المستقلة ذات السيادة على كامل أراضيها ويشكل متواصل جغرافيا، حيث أن المشروع إضافة إلى المجمعات الاستيطانية الكبيرة في شمال الضفة ووسطها وجنوبها سيجعل من الضفة الغربية مجموعة من الكنتونات المغلقة وغير المتصلة جغرافيا والمعزولة عن مدينة القدس المحتلة عام 1967 وبالتالي تكون فكرة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل غير ممكنة.
وتتعامل إسرائيل مع قضية البدو بفوقية رغم وجود قرارات محكمة تقول أنه يجب استشارتهم في أي مخطط لنقلهم أو ترحيلهم من أماكن سكناهم. لكن إسرائيل عندما قررت إخلاء البدو من منطقة القدس ونقلهم إلى غور الأردن لإقامة مدينة كبيرة شمال أريحا «تل نويعمة» خططت لذلك دون استشارتهم أو محاورتهم حول الخطة.
وحتى في إسرائيل يرون أن خطة تهجير البدو إلى منطقة واحدة تبدو وكأنها اشبه بـ»مخيم لاجئين مكتظ دون أي إعتبار لنمط حياة البدوي وحالة الطقس الصعبة وفقر السكان. كما أنها لا تأخذ في الاعتبار حجم مواشيهم وحاجتهم إلى المراعي وأماكن العمل خاصة وان جزءا منهم يعمل في المنطقة الصناعية في شرقي القدس».
وتحاول إسرائيل نقل البدو الفلسطينيين إلى ثلاث «بلدات» خاصة بهم، الأولى هي قرية الجبل قرب مجمع نفايات ابو ديس في القدس المحتلة التي يقيم في قسم منها 300 نسمة من أبناء قبيلة الجهالين الذين تم اخلاؤهم في عام 1977 من أراضيهم حيث جرى ضمها إلى مستوطنة معاليه أدوميم. وتم تجميد إنشاء القسم الثاني من هذه القرية بسبب المسافة القريبة من مجمع النفايات، فيما تخطط الإدارة المدنية التابعة للاحتلال لإنشاء بلدة أخرى تتسع لـ1200 نسمة في منطقة الفصايل شمال غور الأردن.
أما البلدة الثالثة فستقام في منطقة الأغوار قرب أريحا ويصل عدد من فيها إلى قرابة 12500 نسمة من أبناء ثلاث قبائل مختلفة هي: الجهالين والكعابنة والرشايدة.
ويعتبر تركيز البدو في بلدات ثابتة في الضفة الغربية قمة للمخطط الإسرائيلي الذي يجري تنفيذه منذ 40 عاما والذي يهدف إلى تقليص مساحات الرعي ووقف ترحال القبائل البدوية ورفض السماح لهم ببناء بيوت ثابتة والارتباط بشبكات الخدمات في الأماكن التي يعيشون فيها منذ عشرات السنوات وتم تسريع تطبيق هذا المخطط بعد توقيع اتفاقيات اوسلو في 1993.
ولا تختلف الأمور كثيراً بالنسبة للبدو الفلسطينيين في منطقة الخليل جنوب الضفة الغربية. فهناك اثنتا عشرة قرية لهم تخوض منذ 17 عاما صراعا قضائيا مع الاحتلال ضد قرار إخلائها وهدمها وتحويل أراضيها إلى معسكرات تدريبات للجيش الإسرائيلي.
وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي أعلنت السلطات الإسرائيلية القرى الـ12 كمناطق عسكرية مغلقة، وسمحت بالإقامة فيها فقط للسكان الدائمين. وحتى عام 1997 واصل السكان الفلسطينيون الإقامة في قراهم وهو ما يدل على اعتبارهم من السكان الدائمين. لكن سلطات الاحتلال قامت في شهري آب/اغسطس وتشرين الثاني/نوفمبر 1999 بتسليم السكان أوامر بإخلاء بيوتهم بإدعاء أنها «غير قانونية وفي منطقة عسكرية» وأبلغتهم أنها تعتبرهم «متسللين إلى مناطق لإطلاق النار» وفي 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1999 أخلت قوات الاحتلال بالقوة أكثر من 700 مواطن.
وفي العام 2012 بدأ الجيش في إجراء تدريبات عسكرية في المنطقة بعد قيام وزير الجيش آنذاك ايهود براك بتوقيع أوامر تقضي بإخلاء ثماني قرى من بين الـ12 قرية من أجل إجراء التدريبات. وبعد سنة ادعت النيابة العامة أن إخلاء القرى وإجراء التدريبات هناك هي مسائل حيوية لأنها توفر الأموال على الجيش. وفي ايلول/سبتمبر 2013 أوصت المحكمة الأطراف المعنية بالتوصل إلى تسوية بواسطة المستشار القانوني السابق للحكومة الإسرائيلية والقاضي سابقا في المحكمة العليا.
لكن جمعية حقوق المواطن في إسرائيل اعتبرت انه تم إعلان منطقة التدريبات العسكرية بشكل غير قانوني لأن السكان أقاموا هناك منذ ما قبل عام 1967 أي قبل «تاريخ الاحتلال». ومنذ ذلك الإعلان يقوم الجيش وبشكل منهجي بخرق واجبه بتمكين السكان من العيش وتخطيط قراهم واستصدار تراخيص بالبناء.
فيما تعاني منطقة المالح والمضارب البدوية في الأغوار الشمالية من مشاكل متعددة. فقد تعرض سكانها في السنوات الثلاث الأخيرة لتنكيل غير مسبوق من سلطات الاحتلال الإسرائيلي حيث هدمت لهم 450 منشأة في المنطقة وما زالت إخطارات الهدم تردهم كل فترة بسيطة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وكانت «القدس العربي» زارت المنطقة التي يعيش فيها ما يقرب من 350 فرداً يعانون منذ احتلال الضفة الغربية في العام 1967. وهم يعتاشون على الثروة الحيوانية فتربية الماشية هي كل حياتهم إضافة إلى زراعة أراضيهم ومن أجل ذلك يحتاجون إلى المياه طوال الوقت بينما حولها الاحتلال لبناء المستوطنات وتحويل أهم منطقة زراعية فلسطينية إلى صحراء وهي التي تعد «سلة غذاء فلسطين».
وتشهد منطقة المضارب تسارعاً في وتيرة السيطرة على الأرض وطرد سكانها منها لإفراغها وتحويلها إلى فضاء مفتوح للمستوطنين ولمعسكرات جيش الاحتلال، ويعيش عشرة آلاف مستوطن في ثمانية تجمعات استيطانية في منطقة الأغوار هذا عدا عن المعسكرات التي وضعت على قمم الجبال المحيطة وبالتالي طوقت الأغوار وجعلتها جزءا منفصلا عن الضفة الغربية.
ورغم أن الحكومة الفلسطينية تحاول تحسين حياة البدو الفلسطينيين الذين يعتبرون من الفئات المهمشة حتى فلسطينياً، إلا أن الدعم المقدم لهذه الفئات قليل جداً حتى الدعم الأوروبي الذي يبرمج على إعتبار توفير الاحتياجات الأساسية، إلا أن إسرائيل لا تأبه بذلك ومثال ذلك هدم المدرسة الوحيدة للبدو في منطقة القدس وأخرى قرب نابلس وثالثة قرب الخليل المحتلة في الضفة الغربية. ويقطن البدو في أهم المناطق الاستراتيجية الفلسطينية التي جرى الحديث عنها خلال المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وعرضت إسرائيل استئجارها من السلطة الفلسطينية لعشرات السنوات وهو ما يفسر المحاولات الإسرائيلية المتكررة لترحيل البدو وطردهم من مناطقهم.
وكانت منطقة مضارب المالح تعرف قبل احتلال إسرائيل للضفة الغربية في عام 1967 بـ»حمامات المالح» حيث كان المكان يضم نبعاً للمياه المعدنية ومنتجعا ونزلا للإقامة ويجتذب المئات من المستجمين الفلسطينيين والأجانب. لكن لم يتبق من المنتجع الآن سوى قصر عتيق بجدران مزقتها القذائف الإسرائيلية وغرف لا تصلح للعيش!
هذا هو حال البدو الفلسطينيين، ورغم أنها حكاية كل الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال الإسرائيلي. لكن حال البدو هو الأسوأ والأقسى على الإطلاق. فلا بيوت تأويهم من شمس الصيف، ولا تحميهم من أمطار الشتاء وبرده. فيما يلاحق الاحتلال الإسرائيلي أحلامهم التي لا تتجاوز الحياة البسيطة لإناس يعتاشون على ماشيتهم وما تدره لهم.

فادي أبو سعدى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية