العراق هو موطن الأساطير بامتياز، أعني الأسطورة من حيث هي فكر وتجربة تجسّد حضور الإنسان الدائم في الكون باعتبارها نسقا لازمانيّا وتذكيرا بالعود الأبدي للشيء نفسه، ولكن العراق يصنع أساطيره أيضا. ومنها المدرسة العراقيّة (السيّاب ونازك والبيّاتي وسعدي يوسف وسامي مهدي ويوسف الصائغ وسركون بولص وخزعل الماجدي وهاشم شفيق وعلي نوير…) التي تركت أثرا بعيدا في الشعريّة العربيّة الحديثة لا يمكن إنكاره.
والحقّ أنّ هؤلاء وغيرهم من شعراء عرب آخرين، يستحقّون وقفة خاصّة؛ وهو ما أرجو أن أقوم به. والشعر إنّما ينتسب إلى اللغة بالمعنى الثقافي العميق للكلمة، وليس بالمعنى السياسي أو القومي. و»المدرسة» لا تعني نمطا موحّدا للكتابة، وإنّما إرساء مرجعيّات بلاغيّة (أسلوبيّة) وجماليّة جديدة؛ يتسنّى في ضوئها وضع قيمة أدبيّة رمزيّة مضافة.
زمنيّة الشعر ـ على ما نرجّح ـ حاضر أبديّ، ولا يحتاج الشعراء بموجبها إلى أن يعيدوا إحياء «الموتى» فهم حاضرون في قصائدهم ، وهم يحاورونهم باستمرار. وضمن الوعي بأنّ «النموذج» قائم على نوع من الشعريّة خاصّة به، يكون النموذج منشدّا إلى نفسه مثلما هو منشدّ إلى لاحقه، بل ليس للشعريّة من غاية أو من هدف يتراءى في عقب القصيدة، وهي لا تتأتى من نسق شعريّ أو فكريّ أو من منظومة عقديّة. إنّما الشعريّة هي الطريقة نفسها، وما يسلك شاعران في طريق واحدة أبدا، وحظّ هذا ليس حظّ ذاك. لنقل إنّ الزمنيّة الشعريّة نوعيّة، أو إنّ الفارق الزمني بين نصّ وآخر فارق جماليّ. وقد لا تعني الجماليّة في السياق الذي نحن به، أكثر من اسم آخر لزمن الشعر، فضلا عن أنّ كلّ أثر فنّيّ ـ مهما تكن قيمته أو عظمته ـ تخليق لعالم افتراضيّ، وهو «ناقص» ضرورة، ولعلّه نقص مقصود، شأنه شأن النّقص في الأشياء أملا أو رجاء فيها.
نوير مثل سامي مهدي (أعود إليه في مقال خاصّ) صاحب عمل شعريّ يقوم على علاقة حميمة بين الرؤية والتصوّر، وليس مجرّد قصائد متناثرة لا رابط بينها كما هو الشأن في أكثر مجاميع الشعر عندنا. والانتقال من القصيدة إلى «العمل» الشعري، هو في ما يقرّره المعاصرون؛ وفي كلامهم مقدار كبير من الصواب؛ أحد أظهر إبدالات الحداثة وملامحها. على أنّ الحداثة ليست مفهوما كما يقع في ظن كثير أو قليل منّا، بل ليست لها قوانين ولا نظريّة، إذ لو كانت كذلك لكان بإمكان أيّ منا أن يكون حديثا بمجرّد الاحتكام إلى جملة من القواعد والأحكام أو القوانين. وتاريخ الفن يعلّمنا أنّ الاحتكام إلى نظريّة ما لا ينجم عنه سوى «الغرق في الفن الميكانيكي». إنّما الحداثة سمات وملامح ومنطق، بل هي مبادئ لا ثبات لها ولا حدّ، ولعلّ من أظهرِ سماتها الاعتراض على الحاضر الأدبي أو مخالفته باعتباره قديما. ولا سبيل إلى ذلك سوى جعل الحاضر المنشود أكثر حضورا. وأقدّر أنّ هذا ما حاوله شعراء العراق، ويحاولونه، وكأنّ شعارهم «الحداثة المطلقة» بعبارة رامبو، أو السعي الدؤوب إلى الاتصاف بـ»معاصرة الجميع» كما جاء في «متاهة العزلة» لأوكتافيو باث.
قصيدة علي نويرـــ وهو يجمع بين النمطين النثري والموزون ـــ قصيدة المشاركة الحسيّة الإيحائيّة المتجانسة؛ أعني مشاركة الأشياء عالمها الداخلي، واستبطان التناغم، حيث يتعايش كلّ شيء من حيث هو مادّة وحياة أو روح، وتمجيد الأشياء الناقصة غير الكاملة. وهذا في تقديري هو الخيط الناظم الذي يجمع كلّ هذه القصائد من السبعينيات حتى اليوم. وفيها تتأسّس الكتابة من حيث هي «مَخبر» للتأمّل، بل تأمّل فعل التأمّل ذاته. يقول في «لا أحسن غير الانتظار/ مالمو»، حيث يجمع بين جنوبين: جنوب الشمال «مالمو» أو شجرة البتولا القصيّة كما يسميها، وجنوب الجنوب «البصرة» وشطّ العرب بملوحته: آهِ ما أبعدَكِ/ أيّتها الأرضُ التي لم أرَها/ حتّى في أحلامي/ يا ربّةَ الثلوج/ ويا حارسةَ البلطيق/ أنتِ يا مالمو/ مدّي إليَّ يديكِ الآن من وراء هذا الضباب/ لأودعَ عندكِ/ أنا الأبُ اللائذُ بجدارٍ قديمٍ في أور/ شيئآ من ذاكرتي/ وقبسآ من روحي/ اِنّهُ ولدي يا مالمو/ هذا الذي لم يعرفْ من الدنّيا/ غيرَ سوادها الممتدّ/ على جدارِ وطنٍ/ يسيرُ مُتعثّرآ بينَ خرائبهِ وحرائقه…».
أو قصيدة «شانديز»:
…لا شيءَ،
لا شيءَ،
لا شيءَ أجملُ
من مَقعدٍ فارغٍ،
مُنزوٍ،
بعدَ ليلٍ طويلٍ،
على سفحِ أيامكَ الآتيةْ».
في هذا النصّ كما هو الشأن في أكثر هذه النصوص، نقف على طرفين في الصورة أو مستويين: واقعيّ ومتخيّل يتظافران في صياغة معنى قائم على انفعال تعزّزه صيغة النداء وصيغة التعجّب وإن بدرجة أقلّ. ويمكن أن نعتبرهما رمزا مزدوجا أو مجموعة رمزيّة متجانسة بعبارة المعاصرين، تنهض بمعنى ممكن أو محتمل. نسوق هذا من دون أن يكون من مقاصدنا تجريد مفهوم التأمّل من الدّلالة الذّاتيّة، إذ لا نخال المكانة التي تحوزها الذّات (ذات الشاعر من حيث هي ذات متلفّظة) في هذه اللّيدولوجيا (اللعبيّة)، بخافية. ولعلّ تعديل الأنا – أفكّر الدّيكارتيّة بأنا – أشعر؛ أو بذات تشطّ أو تتسلّط أو تهيمن بصلف على العمليّة الفنّيّة؛ يمكن أن تبدّد بعض حذرنا؛ على اعتبار أنّ الأنا – ألعب هي علاقة مشرعة أكثر منها كيانا أنطولوجيّا» ترنسندنتاليّا» مغلقا.
ربّما لا مسوّغ لذلك سوى هذه الوساطة الشعريّة التي تؤلّف بين الذّات المتلفّظة والموضوع، وهو ليس أكثر من تفكير صاحب النصّ في لعبه. وربّما أمكن لنا ها هنا أن نتحدّث عن «ذاتيّة موضوعيّة»؛ فالذات الشعريّة في هذه القصائد «موضوع» للنصّ يعتريها ما يعتري النصّ (لاعب وملعوب به في آن). وهي علاقة تجاذب بين متقابليْن: الذّات المتلفّظة والذات الشعريّة مثلما هي علاقة موازاة، ولعلّ هذا ما يجعل اللّعب كما النصّ الذي نحن فيه والفنّ عموما تخليقا لعالَم افتراضيّ. وفي «مرثيّة الخيول» تستوقف انفعالنا الأشياء التي تنزل بالإنسان سهل الأباطح، وهو في عزلته أو وحدته:
«ثمَّةَ مَنْ يجلس الآن
في معتزَلهِ
في يومٍ شتائيٍّ كهذا
يقلّبُ كتابَه القديم
الذي لم يفارقْهُ طولَ الوقت
يجلسُ الآن
يقلّبُ كتابَهُ بأوراقهِ الصفر
ورقةً
ورقةً
بلا حذرٍ أو رهبةٍ
غيرَ أنّهُ لم يستطعْ
أنْ يوقفَ مجرى الريح
وهيَ تدفعُ نثارَ الكلمات
إلى حيثُ لا يرى
إلى حيثُ لا يريد
يتصاعدُ غبارُ الكلمات
دوائرَ وخطوطآ
يتأمّلها
يتأمّلُ ما صنعتْ يداه
ماسكا بالكتاب
الذي لم يبقَ منهُ
سوى غلافهِ السميك
يتأملُ ثانيةً
ماسكا بالغلاف السميك
كما لو أنّهُ
يمسكُ أعنّةً بلا خيول».
نحن ننفعل إزاء الرمز المتواري أبدا، وإذ نسبر انفعالنا يتسنّى لنا أن ننفذ إلى دلالة ما أو ما يمكن أن نسمّيه المرموز. وكأنّ الكتاب هنا كتاب «الرمل» لبورخيس أو كتاب لا أوراق فيه أو لا قبل له ولا بعد. وربّما لا مسوّغ لهذا العدول سوى إرادة المتكلّم في قول «ما لا يقال» أو ما يدقّ عن القول والوصف، لقصور لغويّ أو لأنّ اللّغة لا تعرف كيف تؤدّيه؛ وكأنّ الذّات تريد من اللّغة أن تبلّغها ما ليس تبلغه من نفسها اللّغة، أو لأسباب إيقاعيّة.
وهذا نوع من «اللعب» بالمعنى العميق للكلمة. وقد أسلفنا في مقالات أخرى «لاعب النرد» لمحمود درويش أنّه لا حرج من إدراج مفهوم اللعب بالمعنى «الاستطيقي» للكلمة، أي طريقة وجود الأثر نفسه، ضمن ما يمكن أن نسمّيه «أنطولوجيا الشعر» ودلالته الهيرمينوطيقيّة؛ إذن ما دام الأمر يتعلّق ببنية وجود الأثر نفسه، استئناسا بخصائصه الشّكليّة مثل ثبوت أدوار التخاطب وتغيّرها فيه، أي تلك التي تؤدّيها في الظـّاهر ذات، فرد تحيل إليها جملة من العناصر الإشاريّة التي يمكن جردها والتحقـّق منها بواسطة ضمير المتكلـّم وأسماء الإشارة وأسماء المكان والزّمان وأزمنة الفعل، من حيث هي أدوات يحيل بها الخطاب على إجراء القول. والشاعر لاعب، واللاّعب ليس «موضوعا» للعب، وإنّما اللعب هو الذي يرتقي عبر اللاّعبين إلى مستوى التّمثّل. و»من هذا المنطلق يحوز مفهوم اللّعب، عندئذ، أهمّية كبرى. لأنّ اللّعب له ماهية خاصّة، مستقلّة عن وعي الذين يلعبون، أو الذين يراقبون اللعبة.
نقول إذن إنّه مهما تباعدت المسافات بين القصائد، وتفرّقت الأذواق بالشّعراء، وتنازع النّقّاد من الأحكام، فالأمر يتعلّق عند علي نوير، بقصائد هي آيلة إلى هذه «المدرسة العراقيّة» أو النّسق الذي يستوعب المختلِف داخله ليبقى نسقا. والشعريّة التي نحن بصددها إنّما هي «شعريّة الاختلاف» عند شاعر يعرف كيف يحصّن نصّه من «الكيتش» أو»الرؤية الفلكلوريّة» التي تسم أكثر ما يُنسب إلى «قصيدة النثر» أو «قصيدة البياض».
٭ شاعر تونسي
منصف الوهايبي