هل يعتذر السيسي للصحافيين أم للشعب المصري؟

لأسباب شخصية غيبت هذه الزاوية عدة أسابيع، وجدت نفسي مضطرا لاستئناف الكتابة اليوم، مع تفاقم الأوضاع العربية. ويعني هذا أن ألقي بعيدا تعليقات مشددة من طبيب إنكليزي صارم بالامتناع عن الكتابة، تحديدا لعدة شهور.
وأعترف بأن مخافة ذلك الطبيب تمنحني نوعا من سعادة الانتقام، إذ أن لديّ شعورا قويا بأن أحد جدوده، إما شارك في نكبة فلسطين، أو احتلال مصر، أو المشاركة في واقعة الاقتحام العسكرية الشهيرة لقصر عابدين الملكي في القاهرة عام 1942، حيث كان جدي الحاج محمود الشامي يعمل موظفا، وواحدا من الذين أبدوا استعدادهم للتضحية بحياته دفاعا عن كرامة مصر، رغم أنه كان مؤيدا لحزب الوفد، مثل أغلب المصريين في ذلك الوقت، لكنه رفض أن تفرض الدبابات الإنكليزية حكومة وفدية لدواعي الحرب العالمية، كما قالوا في لندن.
(لدواعي السياق وليس بعيدا عن موضوعنا، أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أصدر قرارا بإبقاء الحاج محمد الشامي في وظيفته في رئاسة الجمهورية بعد الثورة تقديرا لوطنيته، وكان أن اشترك معه في استقبال الملوك والرؤساء لسنوات في وقت لاحق، رغم أنه كان معروفا بتاريخه الوفدي، بل وعمله مع الملك فاروق).
ولاشك أن الأحداث المروعة الخطيرة التي شهدتها سوريا وفلسطين مؤخرا كانت تستحق أن تكون موضوعا لمقال اليوم، إلا أن الهم المصري عاد ليفرض نفسه مجددا، ربما لاعتبارات تجعل معركة الحرية تتفاوت، في جوهرها قضية الصحافيين، بل إنها في حقيقتها تطرح قضية حاسمة تتعلق بمستقبل مصر شعبا ونظاما، بل والدولة المصرية، ويتجاوز تأثيرها إلى ما وراء الحدود.
ولاشك أن الفاجعة التي شهدتها نقابة الصحافيين خلال الأيام القليلة الماضية، ليست سوى حلقة واحدة من مسلسل الكوارث الحقيقية التي تورط فيها بعض أفراد وزارة الداخلية، خاصة أمناء الشرطة، ولا نعمم هنا أبدا الاتهامات ضد أفراد الشرطة الذين يقدمون البطولات والشهداء يوميا من أجل بلدهم، وكذلك التزاما برفضنا الدائم لمبدأ التعميم المسف في التحليل السياسي. ومن غير شك فإن توالي تلك الأخطاء، بل والجرائم على أيدي اولئك يجعل اغلبية جماعة الصحافيين، ومنهم كاتب هذه السطور، محقين في المطالبة بإقالة وزير الداخلية، الذي أتضامن مع قرار النقابة بالامتناع عن ذكر اسمه، وأرجو من الزملاء في جريدتنا الغراء «القدس العربي» الالتزام به أيضا، مع عدم نشر صورته نهائيا حتى يصدر القرار السياسي الصحيح من الرئيس عبدالفتاح السيسي في هذا الشأن.
وحفاظا على أعصاب طبيبي الانكليزي الذي فوجئت بأنه من المتابعين لـ»القدس العربي» عندما سيرى المقال اليوم. سأكتفي بهذه اللقطات في رصد مشهد المقاومة بين نقابة الصحافيين التي هي أحد رموز الحرية التاريخية في مصر، بل والعالم العربي، في مواجهة رموز القمع التي ناصرها إما بالقوة، أو رموز النفاق والبلطجة لإسكات صوتها.
أولا:
– إن ما حدث من عقاب وتنكيل واقتحام لنقابة الصحافيين ليست له علاقة مباشرة في الحقيقة بالقبض على صحافيين، بل إنه عقاب سياسي مباشر من الحكومة على مواقفها المستقلة تجاه بعض الأحداث الخطيرة ومنها قضية الجزر السعودية حيث استقبلت المظاهرة المعارضة لها، ناهيك عن انتقاداتها المستمرة للتنكيل بحرية الرأي مؤخرا.
ثانيا:
– إن اصرار الصحافيين على إقالة الوزير وإنهاء اعتقال المعتقلين في قضايا الرأي، كشرط اساسي لانهاء الاعتصام يمثل الاصل الحقيقي للأزمة الحقوقية، مع ضرورة وقف الهجمة الشرسة التي شنها النظام مؤخرا ضد حرية الصحافة، وهنا في الحقيقية اعتداء على حرية الشعب المصري جميعا، وليس أفراد نقابة أو مهنة فقط. واذا كان لدى الرئاسة مستشار سياسي لسارع بنصح السيسي بإقالة وزير الداخلية سريعا، باعتبار أن هذا يمثل أكبر مصلحة للنظام الذي تكبد خسائر شعبية وسياسية فادحة بعد الجرائم المروعة التي ارتكبها بعض افراد الشرطة، وآخرها قتل ذلك الشاب المسكين من اجل كوب شاي في فضيحة أساءت كثيرا الى سمعة النظام في مصر حول العالم، ولم تهز أحدا في الدولة. والتزاما بالانصاف والموضوعية كما دائما في هذه الزاوية، أشهد بأنني تحدثت مع احد ضباط الشرطة حول تلك الجريمة مؤخرا، وأكد لي أن الاغلبية العظمى لأفراد الشرطة المصرية ترفض تلك الحادثة بشكل صارم، وتطالب بأشد وأسرع عقاب قانوني ممكن لفرد الشرطة المتهم فيها.
ثالثا
ـ إن الرئيس السيسي يواجه اليوم مأزقا غير مسبوق، إذ أنها المرة الأولى التي يطالبه فيها قطاع تاريخي معروف ومشهود بتاريخه الوطني من الشعب المصري بتقديم اعتذار رسمي له. ولا شك ان هذا الطلب تحديدا دفع بعض المنافقين في القنوات الفضائية المصرية إلى شن حملة شعواء ضد الصحافيين، بل ذهب البعض إلى مقاطعة الصحف وحرقها ردا على تسويدها صور الوزير الذي هو في حقيقته تسويد لصورة نظام يصر على بقائه.
ويقول البعض إن السيسي لم يأمر باقتحام النقابة، وبالتالي ليس من الموضوعي مطالبته بالاعتذار عنه، بل يكفي مطالبة الحكومة بذلك.
أما تعليقنا على ذلك، فهو أن هذا حق يراد به باطل. نعم لم يأمر حقا السيسي باقتحام النقابة، وإن كان سكت عن الاعتقالات بين ضحايا حرية الرأي، ومازال يقر يوميا الإجراءات التعسفية ضد الصحافيين، وحتى اذا كان لا يقره أصلا، ويشعر باستياء شديد من الاخطاء، بل الخطايا السياسية للوزير لكن يشعر بالحرج من الخضوع للمطالبة بإقالته. لكن السؤال الحقيقي والأهم هنا: من يبقى المسؤول عن هذا البلد عندما يعاني من جرائم كهذه؟ ومن يحق للشعب ان يطالبه بالاعتذار والتدخل لوقف الظلم والقتل والاعتقالات وغير هذا، اذا تعرض لجرائم بأيدي بعض المسؤولين في حكومة تعمل تحت رئاسته؟
الواقع أنني في الوقت نفسه اختلف مع بيان النقابة الذي طالب رئيس الجمهورية بتقديم الاعتذار الى عدة آلاف من الصحافيين، اذ كان يجب مطالبة السيسي بالاعتذار الى تسعين مليون مواطن مصري عانوا ومازالوا يعانون من أخطاء وجرائم عديدة من ممارسات حكومته، ولا مجال لشرحها هنا.
إن هذا الصمت الرهيب للرئيس السيسي يحصره في المكان الخطأ، وفي الوقت الخطأ، سواء داخليا او دوليا، ونحن نكتب من لندن، خاصة قبل اسابيع فقط من مرور عامين على ذكرى بدء رئاسته، خاصة أنه كان وعد المصريين حينئذ ان يشهدوا تحسنا كبيرا واسعا في حياتهم خلالها، فاذا بهم يعانون ازمات متلاحقة من الاقتصاد الى الامن الى الحريات، والقائمة تطول. وقد تضيق المساحة المخصصة للمقال، وربما يتواطأ البعض في مصر غضبا اليوم من هذا المقال مع طبيبي الانكليزي، الا انها ليست سوى كلمة حق تبغي مصلحة مصر التي طالما ناضلنا من اجلها لسنوات طيلة عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ولو استمع خلال عهده لما كان حيث هو الان.
– أخيرا رسائل خاصة سريعة:
– الى القنوات الفضائية التي تتزعم سب الصحافيين من نفاقا لوزير زائل أو حتى كبار المسؤولين: ليتكم تنحازون الى الشعب المصري الوحيد القوي والوحيد المنتصر في هذا البلد.
– إلى الصحافي المنافق الذي خرج على القناة نفسها يتحدث عن رئيس الجمهورية باعتباره (بطلا شعبيا) وصاحب توكيل دائم ومفتوح من الشعب المصري: ألم تكن حضرتك من الذين ينافقون مبارك في عيد ميلاده الذي مر قبل يومين ولم يذكره أحد؟
– الى طبيبي الدكتور السير المحترم وليامز: رغم مخالفتي تعليماتك، مازال لدي كثير من الاحترام لعلمك الواسع وشخصك وعائلتك الكريمة، وارجو ان تسامحني لان ثمة اشياء من اجل بلدي تهيمن على ثقافتي وقلبي وعقلي ودمي، وهي اشياء لاتخاف ولاتشترى.
– الى القارئ العزيز المحترم، شكرا على اسئلتك العديدة خلال الفترة الماضية، وارجو ان تعتبره جزءا من مؤامرة بريطانية لم تتوقف ابدا، هل نسيت وعد بلفور قب مئة عام؟

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

 

هل يعتذر السيسي للصحافيين أم للشعب المصري؟

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية