عن عاصمة لبنانية جديدة بلا اسم واضح لها

حجم الخط
2

في حاشية بذيل مقدمة أطروحته المرجعية، عن «بيروت وأحوال التنظيم المدني» فيها، منذ الاستقلال عن فرنسا حتى نشوب الحرب الأهلية، يلفت الجغرافي الفرنسي اريك ڤرديل عنايتنا إلى نقطة مهمة، حين يقول بأن «النص المؤسس للمؤرخ البرت حوراني تحت عنوان «ايديولوجيات الجبل والمدينة» قد ساهم عن غير قصد في تسويغ قراءة أيديولوجية لـ»المدينة» متعارضة مع النظرة إلى «الجبل»، في حين شدد النص على السمة المشتركة للإنشاءات الأيديولوجية المستخدمة في الصراع على السلطة وانتقد تحديداًً اعتمادها كأدوات للتوصيف الاجتماعي».
من نبيل بيهم الذي فسّر الحرب كـ»حرب سوسيولوجية ضد المدينة»، إلى سمير قصير الذي بقي تاريخه (الاستشراقي إلى حد كبير) عن بيروت عالقاً في هذه الثنائية الماهوية لبيروت في مقابل الجبل، إلى خطاب رائج وسهل في البيئة الثقافية اللبنانية، الأكاديمية منها والصحافية، يمكن القول أنّ المطب الذي يذكرنا ڤرديل إلى أنّ البرت حوراني حذّر منه ولم يدعُ اليه، هو مطبّ يتكرّر. وهو بمناسبة الانتخابات البلدية خطاب عاد وانتشى، انما بطبعتين مختلفتين.
واحدة تفترض ان هناك مدينة كوزموبوليتانية اسمها بيروت، وينبغي احياؤها بهمّة المجتمع المدني المفترض أنه متفلّت إلى حد كبير من «صلات الأرحام» السياسية، وطريقتها في احتساب الأمور، والتي هي شكل من أشكال «الترييف» (أو «تهجير» المدينيين صوب الأرياف). من هنا تسمية اللائحة التي تعبر عن هذه النظرة بـ»بيروت مدينتي»، أو بمعنى آخر «حديقتي غير الريفية»، لكن، وبسبب أنّها مدينة مدنية، لا فصل فيها بين «أصلي» و»وافد» فهكذا فصل يطبع القرى لا المدن.
أما اللائحة الثانية، لائحة «الاستبلشمنت» أو لائحة «الأوليغارشية»، ليس هناك في حال بيروت كبير فرق، فهي، والمسوّقون لها، يعتمدون نوعاً آخر من «البيروت-مركزية»، قوامه اللعب على وتر التناقض بين «السكان الأصليين» و»الوافدين»، وفي الوقت نفسه تشكيل اللائحة بالضد من هذا الوتر.
فالكلمة «الكودية»، عن القوم «البيارتة» كانت تعني شيئاً أوضح قبل الحرب اللبنانية: كانت تعني أهل بيروت من السنّة والروم، بازاء الوافدين من الشيعة والموارنة. في حين أنّ «لائحة البيارتة» اليوم لا تختزل في ذلك، ما دامت لائحة المشكّل الأكبر لها هو «تيار المستقبل» الذي تجاوز انقسام المسلمين السنّة بين مدنهم وعصبياتهم المحلية، «الصيداوية» و»البيروتية» و»الطرابلسية» وأقاليهم المتناثرة غير المتصلة جغرافياً بين بعضها البعض، وحققهم كطائفة سياسية (وكل طائفة سياسية تحاكي بشكل يزيد أو ينقص نموذج طائفة التحقق السياسي بامتياز، الموارنة، وان كان الموارنة يتميزون بالاتصال الجغرافي، بخلاف التناثر السني والشيعي على الخارطة اللبنانية)، وما دام شركاء «المستقبل» في اللائحة ليسوا «الروم البيارتة» بشكل أساسي، بل «الوافدين» الجبليين من موارنة (القوات والعونيين) وسهليين وجنوبيين (حركة أمل).
رغم ذلك، التسويغ المضمر لهذه اللائحة، التي ظلت تفتقد لحيوية التعبير عن نفسها أيديولوجياً، وربما كان هذا ينفعها أكثر من رهن الأمور في «تسويقية» خاملة، هي أنّها بتركيبتها الملتبسة، تسمح ضمن الشروط والظروف الراهنة، بالحفاظ على «البيرتة» في مواجهة «زحف الريفيين» بيروتياً ولبنانياً، أكان من خلال الحيوية الشيعية المسلّحة، أو الحيوية المسيحية الجديدة في اثر المصالحة بين «القوات» و»العونيين».
لكنها بالمحصلة نزعة «بيروت-مركزية»، بطبعتيها، «البرجوازية» (بيروت مدينتي) و»الأوليغارشية (لائحة البيارتة)، وباحجام البرجوازية الصغيرة المدينية الانتخابي، على ما يبدو، والى حد كبير، عن منح الثقة إلى اللائحة التي بدت الأمور محسومة لصالحها كالمعتاد حتى قبل تشكلها، دون ان تستفيد من ذلك اللائحة المنافسة.
مشكلة هذه النزعة هي أن «بيروت» المحكي عنها في الحالتين لا تراها من نافذة الطائرة. من الطائرة سترى مدينة أكبر بكثير من محافظة بيروت وبلا اسم. ذات يوم سميت، بمدلول أمني وقتذاك، «بيروت الكبرى». لكن المسألة أعقد من ذلك، وتسمية الكبرى، تفرض من جانب واحد، على هذه المدينة الجديدة التي تمتد من مطار بيروت حتى جسر نهر الكلب.
فما تراه من الطائرة أعقد من القول: «بيروت وضواحيها». من الطائرة ستعرف أن تفرق بين باريس وضواحيها: ثمة البولفار الدائري الفاصل بشكل واضح. وكذلك القاهرة. العلاقة بين بيروت وضواحيها ضائعة عمرانياً، وحَضَريّاً، ولا يمكن للتقسيم الاداري ولا سياسات الهوية وحدها الفصل في الأمر. هذه المدينة «البلا اسم» هي مدينة من؟ وماذا يسمّى أهلها؟
في الثنائية الفظّة عن «بيروت والجبل» و»بيروت والأطراف» و»بيروت والضواحي»، هذه ضواحي ريفية طرفية. وهي كانت بالفعل كذلك لعقود، لكن الحرب اللبنانية ميزتها انها لم تكن حرباً تدميرية فقط. دمرت وسط بيروت وانشأت في المقابل مساحات حضرية كثيفة سكانياً واسمنتياً، في المناطق الملاصقة ببيروت، أو حتى بعيداً عنها (كحال التطور العمراني لمدينة جونيه خلال الحرب، وهي كانت إلى حد كبير عاصمة المنطقة المسيحية «الشرقية»، التي أخذت اسمها تيمناً من بيروت «الشرقية»، أي أساساً من «الأشرفية»).
جوهرة الشقاق بين المدينة والريف بشكل مجدب ثقافياً يجد واحداً من أصوله في الاستعادة الرومانسية لأفكار عن بيروت، كمدينة نهضت مع الاصلاحات – التنظيمات العثمانية، أو كمدينة شكلت عاصمة ثقافية للعالم العربي قبل الحرب، وازدهرت فيها العمارة «المودرنيست» هنا وهناك. هذه الاستعادة باتت وزناً زائداً يعيق التفكير في الفضاءات المدينية وتداخلاتها، ويعيق من ثم ترجمة كل الشعارات لتحسين التنظيم المدني إلى واقع معاش، ويبقى حاصراً نفسه في السؤال حول وسط لمدينة بلا وسط واحد، ولن يكون.
رغم الامتياز الواضح للائحة «المدنيين على «الأهليين» في بيروت، كنكهة شبابية، متناصفة ليس فقط دينياً بل أيضاً جندرياً، فان اللائحتين تتقاسمان نظرة «بيروت-مركزية» لم تعد صالحة، لا لفهم، ولا لتسمية، هذه المدينة الكبيرة التي نراها من الطائرة، ولا نرى حدوداً عمرانية أو مساحات خضراء أو غير خضراء تفصل جدياً بين ربوعها. فالمسألة لا تنحصر بأن أغلبية من هم في محافظة بيروت ينتخبون في غيرها، بل أن كل من في محافظة بيروت، أيا كانت سجلات قيدهم، هم جزء من مدينة جديدة بلا اسم واضح لها، مدينة تمتد من خلدة والشويفات حتى جل الديب الضبية، بل وتصعد أكثر فأكثر في الروابي الجبلية، قد يكون إلى حدود ارتفاع الخمسمئة متر! اللامركزية سؤال يطرح نفسه هنا أيضاً. من قال أن اللامركزية هي بين مدينة وريف؟! اللامركزية الشرط الأول لنقلها إلى حوض الدلالة في لبنان هي فهم لامركزية العاصمة الواقعية الجديدة، البلا اسم.

٭ كاتب لبناني

عن عاصمة لبنانية جديدة بلا اسم واضح لها

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية