في حرب الرمال المغربية ميلاد إسرائيل ليس نكبة… ومن أكثر جرما: التطرف أم «الحياد الإعلامي»؟

إن اختلط عليك ميزان عقلك بجنون عصرك، عد إلى زمن جدي وجدك، كي تعدل «الطاسة»، خاصة حين تدخل منطقة ألغام «تمخول» بوصلتك، إلى الحد الذي تعجز فيه عن تحديد الفارق بين دمك وعروقك، فأمثالك الشعبية هي خلاصك، لأنها الحكمة، التي لم تخذل أصحابها، بل ظلت وفية لتجاربهم وأحاسيسهم التي صيغت بها.
في المقالة السابقة استعنت بمثل شعبي عثرت عليه مشتركا بين بعض المواقع الجزائرية والمواقع المغربية هو: «اللي شلاغمو من الحلفة ما يسوط على النار»، وقد أتى المثل أكله لما قرأت تعليقات القراء وتحديدا «خالد مصطفى من الجزائر»، الذي نكأ جرحا عميقا بين الجزائر والمغرب هو الوحدة، وعداك عن التعليقات الأخرى، التي برهنت على مستوى القارئ الفكري والوطني، فإن التفاف الآراء حول المثل أثبت أن الخطاب الإعلامي، الذي يطرح مشكلة «الصحراء» خطاب يفتقر إلى مقومات الوحدة ويكرس لمؤامرة التفرقة، التي تحدث عنها الراحل هواري بومدين، وهو يدعو إلى السلمية بين الشعبين قبل عقود مضت.. ورغم خطورة هذا الموضوع الذي يتفق الجميع على أنه مخلف استعماري، إلا أن عدم الخوض فيه يعني مساهمة غير مباشرة بإذكاء فتيله الشائط ونكوصا لا يليق بالشجاعة، التي يتطلبها إيثار الانتماء للقضية على أنانية كف شرها أو خسارة أحد طرفيها.

«العالم» و«فرانس 24» بين الخردة والمصطلح

قناة «فرانس 24»، في برنامج «وجها لوجه»، ناقشت انسحاب الرباط من بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية، احتجاجا على استخدام بان كي مون لمصطلح: احتلال، وهو بالمناسبة المصطلح ذاته، الذي يصر عليه رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات في جامعة سان فرانسسكو ستيفن زونس، خاصة عندما يثير علامات استفهام مقلقة حول دعم البيت الأبيض للمملكة المغربية، مشبها الأمر بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وهو بصراحة ما يجب أن يصيب «كيمون» بالكسوف من الورم العضلي، الذي أصابه على غفلة، ليختلط على صاحبه فيظن نفسه جلجامش، الذي يخترق ستار الحكمة برشاقة هيكله وكمال جسمه، وهو ما يتنافى وطبيعة الرجل التي عادة ما تشي بتوتر أو شد عضلي في اللسان يعيق نطقه إلى الحد الذي يهيأ إليك فيه أنه ابتلع حصانه، فما هو الذي تتوقعه من المغرب في هذا الظرف المؤامراتي؟
الجانب المغربي يتهم الحكومة الجزائرية بدعم البوليساريو وتسليحهم، في حين يقر الضابط السابق في الجيش المغربي أحمد رامي على قناة «العالم» أن اسرائيل تبيع المغرب أسلحة خردة كنوع من الدعم لها في حرب الرمال، التي يعتبرها رامي «حربا مخابراتية»، الهدف منها زعزعة الوحدة في المغرب العربي بصراع تصفوي لمخلفات الاستعمار الإسباني، والذي يعد أطول قضية «أراض» متنازع عليها في العصر الحديث، فكيف تتصدى الجزائر لهذا الفخ؟

شد الحبل الإعلامي

اللعبة – كما قال الراحل بو مدين – في أحد خطاباته، مؤامرة خارجية تهدف لتخليص فرنسا من مأزقها التاريخي، بالانتقام من الإرادة الجزائرية وغرس إسفين التفرقة بين أبناء الثقافة الواحدة، والوطن المغربي الكبير، دون الوصول إلى نتيجة منذ خمسة عقود، فالقضية لم تبارح مكانها، وظلت تغلي فوق فوهة قابلة للانفجار دون أن تنفجر، وهو أخطر ما يمكن لأي نزاع أن يصل إليه، لأن الهدف ليس حل المشكلة ولا حتى المواجهة العسكرية، فما يثيره التشظي أكثر إقلاقا وزعزعة من لحظة التفريغ الناري، التي قد تخفف من أعباء الحقد المكبوت، الذي ترعرع ببطء ومطمطة، حتى استبد في النفوس، وكله كما ذكر ضيف قناة «العالم» إرادة صهيونية تقف خلف كل انشقاق وفتنة في الصفوف… أفلا تتأملون!؟
الأمر لم يعد يتعلق بالإعلام، ليس لأنه أثبت فشله وبلاهته، وتقوقع في مختبر جيني كشريحة صماء لإفراز السلالات والأنساب، بل يتعلق بالدم المغربي الجزائري، الذي يتأرجح فوق أوردته المتآمرون من «الساقية الحمراء»، وحتى «وادي الذهب»، فرائحة الدم تفوح من تحت إبطهم الشوكي، الذي يتصبب منه عرق الدسيسة وحفيف السم… وليس على الأشقاء العرب سوى الخروج ولو زحفا من تحت هذا الإبط المطبق، خاصة أن الأمم المتحدة لم تجرؤ من قبل على مقاوحة الموقف الأمريكي، الذي يطيح أول ما يطيح بأصدقائه حين يضطر لكسب أعدائه، تماما كإسرائيل التي باركت صفقة «صنافير وتيران»، ليس تدشينا لوحدة مصرية – سعودية، بل تفتيقا لحقول ألغام جديدة على طريقة «الصحراء الغربية».

حيادية جيريمي وتطرف التاريخ

حين يستخدم الإعلام الحياد كمنفذ للعبور إلى أي قضية، عليك أن تخاف على التاريخ، فالاعتماد على شهود العيان من الطرفين ليس كافيا، لأن الأهم منه تسخيره للمعطيات الزمنية والخلاصة التاريخية، التي افتقر إليها برنامج «ميلاد إسرائيل» لمحرر شؤون الشرق الأوسط في «بي بي سي» البريطانية جيريمي بوين، الذي تسلسل بالأحداث منذ «الهولوكست» وحتى غزة، مستعرضا لصور الضحايا من الجانبين، ومستوعبا الاتهامات المتبادلة بينهما، وأقوال الشهود، على تضاربها أو التقائها في نقاط مراوغة، لكن مكمن الإجحاف يكمن بتجاوز المؤتمر الصهيوني الأول، الذي انعقد في بازل عام 1897، وتحميل بلفور وزر هذا الميلاد المشوه، والتغاضي التام عن دور الصهيونية، الذي سبق الوعد المشؤوم، مما يعني أن العالم يتجه للتعتيم على الصهيونية كحركة إرهابية، سبقت النازية بفارق التخطيط للإبادة والإعداد لارتكابها، وقد أثبت البرنامج ما ذكرته لكم في العام السابق عن هذا الأمر، مدللة عليه بحقائق تضمنها كتاب المفكر اليهودي «إيلان بابيه»: التطهير العرقي في فلسطين، واليوم يأتي الدليل القاطع من المجرم نفسه، في هذا البرنامج، فآشر ليفي أحد أعضاء «عصابة الآرغون» أقر ببعد النظر الذي تمتع به مناحيم بيغن حين استبق التطهير العرقي بتدريبات مكثقة واستعداد عسكري وتخطيط منهجي، يبرهن أن هتلر جاء متأخرا على الجريمة.
البرنامج عرض لقتل الناس في بيوتهم والتصفيات الجسدية، التي طالت النساء والأطفال أمام أعين أمهاتهم، وقد اعترف «شامويل توليدانو» الاستخباراتي في «الهاغاناه» بأنفاس مختنقة وعيون توشك على قذف الجمر، دون أن تذرفه، أن القتل كان خطأ لا بد من ارتكابه في أي حرب، ولولا سرقة الأرض وطرد السكان لم يكن لإسرائيل وجود!
أما شهادة بيريس فكانت الأكثر إضحاكا، لأنه ادعى أن إسرائيل كانت ستكتفي بأراضي 48 لو أن العرب كفوا عن محاربتها، في الوقت ذاته، الذي يقول لك إن إسرائيل لا تقوم من دون القدس التي احتلوها في 67، فأين أنت يا جيرمي من هذا التناقض، الذي جعل منك شريكا في الجريمة الأكبر: التوثيق الإعلامي للحياد؟!

ميلاد أم إبادة؟

لم نعرف كيف نحارب وكيف نصالح، فلم نزل حتى الآن ننكر «الهولوكست» أو نخوض حربا رقمية بلهاء لتحجيمها، كأن الرقم هو فيصل الاعتراف بالضحية يا لحمقنا، فالمسألة أولا وأخيرا تخص تبادل الأدوار بين هتلر وضحاياه، الذين اتخذوا من جريمته بوسترا دعائيا لحقهم التاريخي بالسياط، في حين أننا لم نزل نسمي النطهير العرقي نكبة، ليس لنا منها شيء سوى إحياء ذكراها بـ «البكبكة»، وبين البكائية والدعائية، تغدو ذاكرتنا مشلولة فوق مقعد متحرك، تفتقر إلى الفاعلية التي تخضخض التوثيق الذاكراتي وتستجيب للرؤى المناهضة للصهيونية بحراك توعوي على المستوى الدولي والقانوني والتاريخي بعيدا عن لعبة الدعاية، لدحض فكرة ميلاد إسرائيل واستبدالها بفكرة الإبادة وتكريسها كجريمة تمخضت عن ميلاد مسخ!

بين ضحيتين

الشعب الفلسطيني لا يكرر عدوه، لأن الدعاية لا تليق سوى بالضحية، التي تحتفظ ببصمة جلادها لتسرق منه سياطه، وهذه عقدة تبرهن لك أن الضحية لا تحترم ألمها، بل تنتقم منه، بعكس الشعب الفلسطيني، الذي يتعامل مع ألمه باحترام وكبرياء ولا يستعر من حقه أو جريمة عدوه، فالعار لا يطال ضحية هدفها فضح المجرم، وليس التسويق للألم أو استغلاله لتسويغ جريمة أفظع، ومن يعره هذا إما متحرش أو متواطئ مع التحرش!
أيها القارئ هذه اللغة جاءت من سلالة شهداء، فعمي عز الدين القسام وخالي شهيد السم في ثورة 36، أما أجدادي فهنود حمر آمنوا بالانتماء إلى الشجرة من منطلق الإحساس بأوجاع الفأس حين قالوا ما كرسه الفلسطيني: «إذا لم نفكر بأحاسيس الشجر، ونكرم ما نقطعه بالتبغ، فستذرف باقي أشجار الغابة الدمع، وهذا ما يجرح قلوبنا».

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

في حرب الرمال المغربية ميلاد إسرائيل ليس نكبة… ومن أكثر جرما: التطرف أم «الحياد الإعلامي»؟

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية