ألقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمبادرة مفاجئة لتحقيق السلام الفلسطيني الإسرائيلي، بكلمات مرتجلة تعهد خلالها بحل قابل للتنفيذ، رغم إقراره بوجود حالة واسعة تستبعد نجاحا اعتبره ممكنا، بل كاد أن يعتبره بسيطا.
وفي أجواء بدت محاولة مقصودة لاستخدام لغة الرئيس الراحل أنور السادات، وجه رسالة سلام تلفزيونية إلى الشعب الاسرائيلي، بل وأشار إلى معاهدة سلام جديدة، وصفها البعض بإعادة إحياء معاهدة كامب ديفيد، وسط تفسيرات متضاربة حول حقيقة هذا الموقف المصري المفاجئ.
ومن بين إحدى القراءات أن القيادة المصرية، التي تدخلت مؤخرا لدى إسرائيل لوقف عدوان عسكري موسع على قطاع غزة ـ وهو ما أقرت به جماعة حماس ـ قررت أن تسارع إلى اعلان هذه المبادرة السياسية التي لا تستبعد موقفا نادرا بإشراك حماس سعيا لمنع نتنياهو من عدوان موسع خلال هذا الصيف، يتوقعه كثيرون في اسرائيل دمويا، خاصة بعد أن أفشل المبادرة الفلسطينية. وهذه ملاحظات جانبية يمكن التوقف عندها سريعا:
أولا: كانت هذه اللغة المبسطة للسيسي تحتاج إلى صيغة مكتوبة بعناية وشروط أكثر تحديدا من مجرد الإشارة إلى «المبادرة العربية» التي ولدت ميتة عام 2002 بسبب التعنت الإسرائيلي. ومن هنا كان ضروريا الإصرار على ضمانات محددة، قبل الدعوة لاستقبال أي زيارة، ستكون باهظة الثمن، لرئيس الوزراء الاسرائيلي الذي أصبح شخصا مدانا دوليا وداعية للعدوان والحرب، خاصة بعد رفضه مبادرة السلام الفرنسية التي هي مجرد دعوة للحوار، بحضور الاعضاء الدائمين لمجلس الأمن وافقت عليها اكثر من عشرين دولة، أغلبها اصدقاء لإسرائيل.
ثانيا: يبدو أن السيسي وصل إلى هذه الصيغة بعد اللقاء الاخير مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ضمن اقتراب حلول ذكرى النكبة الفلسطينية.
ولاعجب ان تل ابيب ورام الله سارعتا بشكل واضح إلى الترحيب بمبادرة السيسي، وإن اختلفت الاسباب، ورغم ان نتنياهو اكتفى بـ(الترحيب الاسرائيلي بالتعاون مع مصر في مكافحة الارهاب في المنطقة) ما يشير إلى أنه يسعى إلى التطبيع مع مصر وليس الالتزام باستحقاق السلام مع الفلسطينيين. وفي المقابل لم يقدم السيسي وسائل إنسانية مع اقتراب شهر رمضان لإعطاء سبب حقيقي للأمل للفلسطينيين، خاصة في غزة حيث وصلت المعاناة لحدود رهيبة، بينها الانتحار، وهو ما نتمنى ان يكون غير دقيق.
ثالثا- أما على الجانب المصري، فإن الخبراء السياسيين، سواء الذين استمع لهم أم لم يستمع لهم السيسي غالبا، يتفقون بدون شك على أن تحقيق سلام مع نتنياهو وحكومته، التي تضم بعض الوزراء من المستوطنين، هو أقرب إلى المستحيل. والأهم أن تصريحات السيسي بدت أقرب عمليا لإنقاذ إسرائيل من الضغوط الدولية التي تحاصرها، خاصة في أوروبا، ردا على مواقف نتنياهو المتعنتة ضد تحقيق السلام، إلا أن ثمة اسبابا مباشرة تشجع السيسي على استعادة الدور الاقليمي المصري الذي اختفى من الوجود في ظل استمرار المشاكل الداخلية، إذ أنه يريد ان يتجاوز انتقادات دولية بشكل خاص تجاه تدهور وضع حقوق الإنسان وحرية الرأي بشكل خاص. وفي الوقت نفسه فإنه يريد توجيه رسالة واضحة إلى جهات يعتبر انها مازالت تعمل لإسقاط نظامه بوسائل عديدة، بأنه تجاوز هذه المرحلة، بمجرد إلقائه كلمات بسيطة في لقاء في أسوان في أقصى جنوب مصر كان مخصصا لمناقشة قضية الكهرباء.
رابعا- أثناء قيام الدكتور محمد شاكر وزير الكهرباء بتقديم تفاصيل حول بعض المشروعات الكبرى في اجتماع اسولت قبل عدة ايام، قاطعه السيسي فجأة غاضبا مرتين بتوجيه أوامر صارمة له بالتوقف عن افصاح بعض التفاصيل التقنية، والانتقال إلى مواضيع اخرى، ما اشار بوضوح إلى أنه اعتبر ما قاله الوزير كان يفترض عدم اذاعته لأسباب أمنية. لقد اشار هذا الموقف إلى استمرار الرئيس المصري في التفكير كرئيس قديم للمخابرات الحربية، وربما أشار إليه ايضا في حديثه للاسرائيليين في الاجتماع نفسه عندما قال لهم (تشعرون بالثقة تجاهي). وسيذكر انصاره ان كافة الرؤساء المصريين منذ معاهدة السلام قبل اربعين عاما، بمن في ذلك الرئيس المحسوب على جماعة الاخوان، اضطروا إلى شكل من العلاقات والمجاملات مع الاسرائيليين. ولكن الامر يختلف اذ فتح السيسي الابواب امام نتنياهو لزيارة مصر، في الوقت الذي لا يرى فيه المصريون سوى مجرم حرب قتل مئات الضحايا الفلسطينيين، وبينهم مئات الاطفال في غزة وغيرها. وبينما سيتنزه في شوارع مصر تحت ضيافة الحكومة، فالواقع ان تلك الحكومة نفسها مازالت حتى اليوم عاجزة عن توفير مقر للسفارة الاسرائيلية في القاهرة، ما اضطر سفير تل ابيب بعد الهجوم المعروف على السفارة الاصلية قبل عدة اعوام، إلى ممارسة عمله من داخل منزله في حي المعادي.
خامسا: الرئيس السيسي سيخاطر بانزلاق مصر لتقديم مكافأة مجانية من تاريخها وقيمتها لمجرم حرب مثل نتنياهو، اصبح معروفا بمكانه الوحيد اللائق في محكمة الجنايات الدولية. وحتى إذا صرح بأنه (يحترم ارادة مصر في الدعوة إلى السلام)، فانه لن يقدم لها ولرئيسها ما رفض تقديمه إلى الولايات المتحدة ورئيسها باراك اوباما، كان اخرها قبل عدة شهور أثر إلغائه زيارة كانت مقررة إلى واشنطن بدون اي اعلان رسمي للادارة الامريكية.
رسائل خاصة:
1ـ مع غياب أي معلومات واضحة في كارثة الطائرة المصرية صباح أمس اثناء كتابة هذا المقال، اكتفي باستغراب تصريحات صادمة لوزير الطيران المصري في المؤتمر الصحافي الذي تابعه العالم، قائلا إن الاولوية للأسئلة العربية، مبررا انه رفض الإجابة عن سؤال بلغة انكليزية، وكأن الضحايا المصريين والعرب اهم عندنا من الضحايا الأجانب. ليت هذا الوزير يجد منصبا اخر يشغله إذ انه لم ينجز شيئا سوى إطلاق التصريحات حول حوادث الطيران منذ دخل الحكومة.
2 – ما يحصل من فوضى وفساد في المتاجرة بتأشيرات الحج في مصر يمثل جريمة تحتاج إلى تدخل من البرلمان، اذا كان نائبا عن الشعب حقا. ناهيك عن حصول وزارات حكومية مثل وزارة الداخلية ووزارة التضامن و(جهات خاصة) على ثلث التأشيرات المقررة للشعب المصري، ما سيضطر الباقين لتحمل خسائر مادية ومعاملة غير كريمة تمنعهم من الحج، بنسبة لا تزيد عن عشرة في المئة. وبمناسبة الحج، هل حصلت الحكومة حتى الان على تحقيقات أو تعويضات لمئات المصريين الذين قضوا في الاحداث المأساوية اثناء تأدية الشعائر المقدسة العام الماضي؟
3 – اي ثمن سياسي باهظ تكبده النظام المصري نتيجة الحبس خمس سنوات لشباب، عقابا على تظاهرات سلمية ضد قرار سياسي للحكومة، أيا كان؟ وكأن احدا لا يعرف هذا او يعرف لكن لا يدري او لا يعنيه حقا؟ السؤال هو هل سيمنع هذا المصريين من ممارسة حقهم الدستوري؟
4 – من الذي يحرق مصر حقا؟ هل نظام يصنع الاعداء حتى من الذين خرجوا في ثورة يونيو مثل اولئك الشباب الذين انتهى بهم الحال مع قيادات الاخوان في سجن طرة؟ ام معارضة من الخارج تعرف جيدا انها خسرت وجودها إلى الابد طال الزمن او قصر؟
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي