■ «نشيد الأناشيد» هذا هو العنوان الذي تخيّره أنسي الحاج، للمزامير المنسوبة إلى الملك سليمان؛ بدل العنوان المعروف «نشيد الأنشاد»؛ ولا ضير في ذلك فكلاهما صيغة جمع.
وهذه الأناشيد تراتيل أو صلوات، بل هي مزامير مثَلُها مثَلُ مزامير داود «أعدت تخريجها وصياغتها، بطلب من ناشر لبناني؛ وستصدر قريبا بعد أن تمّت مراجعتها في ضوء النصّ الأصلي».
هذا النشيد الذي لا يزال يحتفظ بألقه وسحره، وقد وظّفه أكثر من شاعر مثل العراقي يوسف الصائغ في «انتظريني عند تخوم البحر» والتونسي محمّد الغزّي في قصيدة له وسمها بـ»النشيد»، منسوب إلى سليمان الحكيم؛ وأنّه أنشده في عرسه، وبين الحكمة والحبّ ما لا يخفى من علاقات شدّ وجذب بين عالم العقل وعالم الوجدان أو الانفعال، بل هناك من يذهب إلى أنّه بابليّ المصدر أو هو موصول على نحو من الأنحاء بغناء حبّ عشتار وتمّوز، بل هو مكتوب بأثر من روح هليّنيّة ما طبعت بلاد الشرق القديم بعد فتوحات الإسكندر؛ ثمّ نُقل إلى العبرانيّة. ويشير الحاج إلى أنّ هذا النشيد فُسّر للاتّحاد بـ»يهوه»، واعتبره البعض رمزا للمسيح وكنيسته، أو المسيح والعذراء، بل قيل إنّه كتب قبل ولادة سليمان بكثير، وإنّه نصّ مسرحيّ تؤدّيه ثلاث شخصيّات هي: الراعيّ والراعية والملك سليمان. وقد لا يهمّ القارئ كثيرا، أنْ ينسب النصّ إلى مؤلّف بعينه، وقد يقعده عن هذا الطلب، أن كثيرا من النصوص القديمة مجهولة النسب أو متّهمة الأصل.
والقصائد «اليتيمة» في تراث العرب مثلا أشهر من أن نذكّر بها، وهي التي نسبت إلى أكثر من شاعر، بل إنّ الاتجاهات النقديّة المعاصرة أخذت، منذ أن نعى بارت المؤلّف، تعلي من سلطة القراءة أو النصّ على حساب صاحبه. غير أنّ إغفال اسم المؤلف شيء؛ وإغفال النوع الذي ينتمي إليه النص شيء آخر . فمن دون تحديد النوع الأدبي، يصعب بل يستحيل رصد شعريّته أو إنشائيّته، والنفاذ إلى البنية والوظائف وما إليها.
إنّ لكلّ قطعة شعريّة ذاكرة عتيقة عتيدة تمتدّ جذورها في أغوار التاريخ، حتى أنّ الجهد المبذول لإحيائها، قد لا يظفر إلاّ ببقايا مادة لا تفصح عن صورة وحيدة، أو عن «الأصل الشفوي» الذي طوت عليه الكتابة. إلاّ أنّ هذه البقايا قد تكشف أحيانا عن تناسخ النصوص، وهو لا يقلّ غرابة عن تناسخ الألفاظ فإذا كان نصّ النشيد يبطن نصّا بابليّا أو إسكندرانيّا، فإنّ «الأصل» وهو مفقود، ربّما كان يبطن هو أيضا إرجاعات وأصداء مقبلة أو مستجلبة من نصوص أخرى لا يمكن رصدها ولا حصرها. ذلك أنّ ما يميّز تناسخ النصوص وترافدها هو الانتشار واللانهائيّة. والنصّ واقع قائم بنفسه وموروث ثقافي، ومزيج من النصوص المتداخلة والإشارات الحرة في آن، وما يرجّحه الحاج من أنّ هذا النشيد ليس أدبا شعبيّا،، سائغا مقبولا، وإنّما هو «إبداع كاتب مثقّف، واسع المعرفة، غنيّ الأحلام، يغلب عنده جموح التصوّر على دقّة الوصف، ويشتدّ نسبه إلى الخيال بنسبة ما يقلّ اتّصاله بالواقع…»
على أنّ ما يعنيني في هذا المقال، إنّما هي المقدّمة التي كتبها أنسي الحاج لهذه الأناشيد، وتحديدا ناحية فيها تتعلّق بالسؤال ما إذا كانت هذه النصوص تشكّل قصيدة نثر أو شعرا منثورا، كما يقول. أمّا إشارته اللطيفة إلى أنّ الترجمة اليسوعيّة تختلف عن الترجمة الأمريكيّة، ففيها مقدار كبير من الصواب كما يقول دارسوها. والاختلاف يمسّ الصيغة وبنية الجملة الشعريّة، وهي جملة موقّعة أو هكذا ينبغي أن تكون. فاليسوعيّة أقرب إلى الملحمي، فيما الأمريكيّة أمسّ بالسردي. والأولى شعر فيما الأخرى نثر. وهذه أحكام أطلقها أنسي الحاج من دون أدنى تفصيل.
على أنّنا نعرف من مقدّمة كتابه الشعري «لن» أنّ أظهر خصائص قصيدة النثر، هي الإيجاز والتوهّج والمجانيّة. وإذا أمكن القول إنّ الشرطين الأوّلين متوفّران في «نشيد الأناشيد» ؛ فإنّ الثالث لا يقوم له أيّ سند فيه لا من حيث الصورة ولا من حيث التركيب. والنشيد الذي نحن به، لا يأخذ في أيّ من مقاطعه بالمجانيّة أو «العفويّة»، وهي على ما يقرّره الدارسون السمة الأبرز في قصيدة النثر المعاصرة، حيث يمكن فصل الجمل بعضها عن بعض، وإذكاء التوتّر فيها أو الرمزيّة الجنسيّة؛ كما يقول س. موريه في مصنّفه «الشعر العربي الحديث:1800 ـ 1970» أو غلبة الرؤى والصور الغريبة اللامتصوّرة التي تشبه أوهام المستيقظ من النوم ورؤاه وأخيلته.
والحقّ أنّ أنسي الحاج جعل الموازنة بين النشيد وقصيدة النثر «شكليّة» قائمة في مستوى البنية والإيقاع والدلالة. ويظهر ذلك في التشطير الجديد الذي اعتمده من حيث شرخ تلاحق الجمل، وإعادة صفّها، وتوظيف بياض الورقة وما يشحذه من حركات المدّ والمفاجأة والاستطراد، والتقطّع والتفضية (التهويّة). ومن هذا المنظور فإنّ النصّ الذي بين أيدينا يختلف اختلافا بيّنا عن سائر الترجمات العربيّة؛ وهي التي تقدّم النصّ في شكل متتابع، رغم كونه كلام أكثر من شخص. فقد غيّر إذن بعض مواقع اللفظ، وآثر كما يقول أن يوزّعه من حيث هو حوار بين زوج وزوجته أو حبيب وحبيبته؛ تشارك فيه الجوقة على الطريقة الروائيّة القديمة. ولاجتناب الإشكال القائم حول الشخوص في هذا الحوار، عمد الحاج إلى نوع من «لعبة الضمائر»: هو وهي والجوقة. ومن ثمّ تغيّر بعض المعنى، ولكنّ الحاج لم يستطع في تقديرنا، أن يلحق النشيد بـ»قصيدة النثر» الحديثة، رغم الجهد المبذول في إعادة التوزيع، وانتزاع النصّ من التوراة، وإفراده في نسخة واحدة «ليتوسّع في أخذ حرّيته إلى القلب، ليبدوَ كم هو شابّ وكم هو نادر؛ منذ أعتق الكلام على الحبّ حتى القرن العشرين»، بتعبيره؛ بل هو لم يقلب الصورة الأولى عن وجهها، ولا هو صرفها صرفا عن مدلولاتها. ولعلّ الاحتفاظ بالنشيد في هيئة نثريّة، هو الأقرب لا إلى روحه فحسب؛ وإنّما إلى ناحية لم يفطن إليها أنسي الحاج؛ فالقسمة المريبة بين الشعر والنثر، التي تأخذ بها الشعريّة العربيّة، غير قائمة في العبريّة كما يقول هنري ميشونيك.
تحيل الجملة في «نشيد الأناشيد»على بنية الجملة في النصوص «الدينيّة الشعريّة»؛ بما تنطوي عليه من صيغ وكلمات اشتهرت بصور مخصوصة في الاستعمال التوراتي. والمتكلّم ينهج نهج المزامير وغيرها في ثقافة الشرق القديم الآخذة بـ»الإحيائيّة» في خلع الحياة على المحسوسات الجامدة والظواهر الطبيعية الصامتة، فيخاطب أشياء الطبيعة مخاطبة الذي يعقل ويفهم ويأمرها بما يؤمر به أهل التمييز والعقل. وهذا المتكلّ يسلك سبيل النصّ الديني في استعمال الأفعال، فيتواتر في نصّه فعل الأمر لغرض الدلالة على القدرة الإلهيّة النافذة في الطبيعة وعناصرها. نصّ يرقّ فيه الجسد ويشفّ حتى يصبح جوهرا مفردا، مدركا فاعلا، ومعنى مجرّدا مستقلاّ عن صاحبه. ولكنّ الفرق بين هذا النصّ «الديني» المحفوف بغرابة مثيرة، وقصيدة النثر قائم في أكثر من مستوى، إذ هو يحتفظ بالمعادلة الشعريّة التقليديّة أو الكلاسيكيّة من حيث جعل الفهم هو الأساس في التفاعل مع النصّ، وليس الانفعال والتأثير.
ومع ذلك فالنشيد، كما يقول الحاج، يحتوي الأبعاد الثلاثة: الشعريّة والجنسيّة والصوفيّة، وهي مسرحيّة وصلاة وحكاية. وهو محاولة لإلغاء ثنائيّة الكائن ـ وإن كان يأخذ بها في مستوى تركيب الجملة ـ ويتلاشى، بوثبة وحدانيّة في حضور الذات المعشوقة. لكن من دون أن يقدر على التخلص من هذه الثنائيّة تماما؛ وإذا حاول فإنّ محاولته، لا تعدو أن تكون تأكيدا لها، ووراء كل صورة من صور الجسد تختفي صور الذات.
في هذا المستوى يمكن القول إنّه أشبه بنصّ يجاري نصّا في لغته المتفجرة، وفي المصدر الذي ينهل منه وهو العشق، ثمّ يفترق عنه، وكل هذه الأصوات الثلاثة: الراعية والراعي والملك الحكيم، يضفي على التجربة بعدا ذاتيا: عشق تنفصل فيه الذات أو تغفل عن الجسم المظلم الكثيف الخاضع للكون والفساد، وعشق إنساني، لا يوجد لذاته أو في ذاته؛ فبينه وبين الوعي الإنساني أكثر من نسبة وأكثر من علاقة .
هو في الأولى إقرار بالوحدانيّة والشموليّة، وهو في الثانية إقرار بالانقسام والتعددية في الذات الواحدة، ورغم هذا التمايز فإنّ التجربتين كلتيهما تزاوجان بين العشق والمعرفة، إذ تجعلان من العشق طريقة من طرائق الكشف والمعرفة؛ لكنّهما تتقاطعان أيضا في هذا الحيّز نفسه، فالمعرفة إلهامية ذوقيّة وحسيّة وجدانيّة في آن.
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي