الجزائر في مواجهة معضلة الحاضر الصعب؟ (3)

■ الرؤية السياسية الذكية والمحنكة هي تلك التي لا تنتظر، ولكنها تستبق الأحداث وتنشئ لها الحلول الممكنة، وتشرك معها كل فعاليات المجتمع التي يهمها إنقاذ البلاد قبل أية مفاجأة خطيرة. وضرورو تفادي الصدفة. في الحالات الصعبة والانتظارات الأكثر سوءًا، تصبح الصدفة أختاً للموت لأنها منفذ تتسع من خلاله كل مخاطر الذي يدفع بالبلاد نحو مغامرات غير مأمونة، في ظل الجشع المستشري لقوى المال التي أصبحت منذ سنوات جزءًا من المشهد الاقتصادي السياسي العام في الجزائر.
ولا أبالغ إذا قلت إن جزءًا من استقرار البلاد يعتمد بالضرورة على جودة قراءة كل الجهات الفاعلة في المجتمع الجزائري، للرهانات المستقبلية. مصالحها أيضاً خاضعة لهذا التصور المستقبلي إذ مهما ارتبطت بمصالحها الضيقة، أو هربت أموالها نحو البنوك العالمية التي لم تعد مؤمَّنة كما كانت، في ظل الرقابة الدولية والصغوطات الامريكية الكثيرة، تظل رهينة الحالة الوطنية وتحولاتها. ماذا بقي اليوم من أموال بن علي وحاشيته التي اتسعت عبر السنوات؟ ماذا بقي للقذافي وابنائه من مصادر مالية بعد أن تم أكتشاف الكثير من أموالهم المخبأة ونهبها أو التضييق عليها بنكياً. الشيء نفسه يقال عن صدام وأبنائه والمنتفعين من سلطانه، وعن رؤساء الدكتاتوريات المختلفة عالمياً. لا شيء سوى الغبار. جزء كبير من أموالهم استفادت منه البنوك الغربية التي وجدت في مقتلهم أو عزلهم أو هروبهم، ضالتها المالية للمزيد من التخفي والنهب. لهذا استعمال كل وسائل حماية المال العام ضرورة.
لم يعد خافياً اليوم أن صحة الرئيس الجزائري أصبحت هشة مهما كانت التبريرات الرسمية وغير الرسمية. ذهابه لأسباب صحية وطبية أو غيرها سيخلق شغوراً خطيراً، في ظل وضع غير مؤمن محلياً وجهوياً ودولياً. مما يعني ببساطة فتح الباب أمام جيوش المغامرين السياسيين المتطرفين من كل الجهات لتتعمق المخاطر أكثر، التي قد ترهن مستقبل البلاد ليس سياسياً فقط ولكن وجوديا أيضاً، الأمر الذي تترتب عليه حروب أهلية ونيران صديقة مدمرة للنسيج المجتمعي الذي إنجز عبر القرون. ويصبح من الصعب، بل من المستحيل إطفاء النيران المشتعلة هنا وهنا وهناك. لأن الوضعية ستخضع وقتها لمنطق ومسارات بعضها محلي، وبعضها الاخر جهوي ودولي. الجزائر اليوم في كماشة حقيقية. كل حدودها غير مؤمنة وتعج بمختلف المليشيات الإرهابية. يكفي ان يسال الدم في مكان ما، لتصبح السيطرة على الوضعية شبه مستحيلة. الأهم من هذا كان، منع أبواب جهنم من أن تفتح على مصراعيها والعمل الجاد على تفكيك قنابل الجبهة الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية الضيقة أكثر من ضرورة. ما يزال هناك أمل كبير في حرف هذا المسار الذي يراد له أن يكون قدراً هالكاً لا يمكن تفاديه. وهذا يقتضي تبصراً حقيقياً والخروج من الأنانيات السياسية والمصلحية القاتلة.
هناك فتحة أمل يجب إدراكها الأن بلا تأخر لحل بعض المعضلات قبل أن تركض الكثير من أطراف اللعبة السياسية والمالية لحلها بطرقها في الدم والتيه والتمزق. لا أدري ما هي الخطط البديلة الي يقترحها النظام اليوم في حالة الشغور الرئاسي لسبب صحي؟ الحل الدستوري ضعيف لأنه يفترض توفر قوتين أساسيتين، القوة السياسية الواعية، وهدوء الجبهة الاجتماعية، وقوة الدولة بمختلف مؤسساتها، التي تضمن الانتقال السلس للسلطة مثلما حدث في الفترة التي أعقبت وفاة الرئيس هواري بومدين. هذه العناصر غير متوفر اليوم إذ أن الخلافات التحتية عميقة. الطبقة السياسية ضعيفة وأحقادها عمياء وتميل نحو تصفية الحساب أكثر من ميلها الى الوفاق والانتماء لخيار الدولة كمؤسسات. الجبهة الاجتماعية في حالة غليان كبير. انتقال الرئاسة إلى رئيس البرلمان لا يحل المشكلة أبداً بل يؤزمها، وانتخاب رئيس جديد يكون تحت ضغط كل هذه القوى بما فيها الجبهة الاجتماعية التي يمكن ان تنخرط بسهولة في مختلف المغامرات، في ظل الوضع الاجتماعي شديد الصعوبة.
لهذا أعود الى فكرة نائب رئيس الجمهورية التي سبق أن اقترحتها في فترة نقاش الدستور الجديد في صيغته الأولية، وفق النموذج الأمريكي الذي يضمن، بعد الشغور الرئاسي، إنهاء العهدة قانونياً وبشكل كامل الصلاحيات الرئاسية ديمقراطياً مثل حالة نيكسون وقضية ووترغيت.
لقد عانت الجزائر من هذه الفجوة الخطيرة بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، فسُيِّرتْ الجزائر بالمجلس الأعلى للدولة. أعتقد أن غياب مادة نائب الرئيس واحدة من أهم نقاط ضعف الدستور الجديد. كيف تم إهمال هذه المادة التي اقترحها الكثيرون ممن يهمهم مصير الجزائر ووحدتها بحب وخوف؟ صمام أمام يضمن من الانزلاقات الخطيرة، ويحمي الجميع. وفي الوقت نفسه يضمن استمرار الدولة. للأسف، الساسة المتحكمون في المشهد السياسي، لا يقرأون إلا لأنفسهم ويكتفون بإنتاج الخطابات التي تريحهم وتنمي أوهامهم وتوفر لهم راحة البال الافتراضية التي يحتاجون لها.
ماذا يقول الدستور الجزائري الجديد في حالة الشغور الرئاسي؟ فقد كرر المادة القديمة نفسها التي تمنح رئيس البرلمان أو المجلس الشعبي حق تسيير الدولة والمجتمع في المرحلة الانتقالية المحددة قانوناً. وهذا لا يحل الإشكال إلا جزئياً إذ لا يمكنه أن يضمن أي أمن حقيقي في ظل التمزقات الداخلية الخطيرة. فلا هو رئيس يملك كل السلطات ولا هو رئيس البرلمان فقط.
وماذا يقول الدستور الأمريكي في مادة نائب الرئس في حالة الشغور؟ فهو يملك كل سلطات التسيير والقرار. بإنهاء العهدة ويحضر مع الإدارة المختصة الانتخابات الرئاسية المقبلة. مطلع على كل الملفات الكبرى والحساسة لأنه على تماس قوي مع السيد الرئيس. فهناك وفاق اجتماعي حول سلطاته. فكرة العودة إلى منصب رئيس الجمهورية في الجزائر مهمة جداً وضرورية لتفادي الانزلاقات.
نائب الرئيس منصب حقيقي كان على المشرع الجزائري أن يضعه على رأس الاهتمامات، لأنه ليس منصباً ثانوياً أو شكلياً كما ظنه العرب ومارسوه بوصفه مكاناً بلا فائدة تذكر، جينما أفرغوه من محتواه مثل الحالتين السورية والعراقية واليمنية وغيرها. في حالة الشغور الرئاسي كما يحددها الدستور، ينهي نائب الرئيس العهدة معتمداً بقوة على ركيزة القانون، وهو ما يضمن بالدرجة الأولى، استمرار الدولة. لا يمكن لدولة حديثة أن تستمر ويحترمها المجتمع الدولي من دون هذه الضرورات الدستورية. تحميل رئيس البرلمان هذه المسؤولية الثقيلة غير المهيأ لها ولا يعرف ملفاتها الكبرى وأسرارها، يضعه في حالة ضعف وليس قوة. لأننا في وضعية غير الوضعيات السابقة. الخلافات التحتية اليوم يمكنها أن تمزق البرلمان نفسه، فيميل كل برلماني نحو موقعه المتجذر والضيق، وربما حزبه او قبيلته أو إثنيته فتندثر الخيارات السياسية.
لذا فإن نيابة الرئيس صمام أمان. لاحظنا ذلك في أمريكا وفي البرازيل وفي غيرهما. صحيح أن في العالم العربي هذه الوظيفة شكلية ولا قيمة لها مطلقاً بسبب سياسة التوريث. يمكن لنائب الرئيس أن يظل نائباً حتى الموت. وأعتقد أن انتظارات الدستور الجديد كانت كبيرة لحماية بلاد هي اليوم عرضة لكل المهالك والمخاطر التي تتهددها اولاً داخلياً وثانياً خارجياً حيث تم إخراج كل الخرائط الانفصالية القديمة في ظل تفكك المملكات العربية كلها.
الجزائر محاطة بحدود مشتعلة اليوم. مالي أصبحت جنوباً غير آمنة حيث عمل المجموعات الإرهابية الأكثر عنفاً. الحدود الليبية شديدة الخطورة والاختراق في ظل استحالة تكوين الدولة الوطنية الحامية بسبب تمزقها وسيطرة المليشيات. الحدود المغربية الجزائرية يشوبها الكثير من الحذر والترقب في ظل صراعات حدودية غير محسومة وتسيد خطابات عدوانية قد تتطور بسرعة بشكل خطير، في ظل تجاذبات جهوية ودولية بدون القدرة على رؤية الضرورة والمستقبل الحتمي لمصالح الشعبين. بينما الأثمن والأفضل في ظروف التكتلات الدولية، ضرورة تطوير استراتيجية مغاربية لمحاربة الإرهاب والعمل على الاندماج الاقتصادي الفعلي الذي يخدم كل الشعوب المغاربية ودول الساحل الإفريقي القريبة. لهذا كله، لم يعد منصب نائب الرئيس كمالية من الكماليات في الجزائر، ولكنه ضرورة وجودية. للأسف في هذا لم يكن الساسة مدركين لمخاطر الظرف المحلي والجهوي والدولي، فكانت الحسابات صغيرة جداً لم تأخذ سلسلة من العناصر التاريخية المستجدة بعين الاعتبار، أهمها النظام الدولي الجديد بفوضاه الخلاقة المدمرة. صحيح أن هذا المنصب ليس كل شيء، لكن في ظل ضعف مؤسسات الدولة وهزال أحزاب المعارضة والموالات وقصور تصوراتها، يمكنه ان يضمن حداً أدنى من الاستقرار. نائب الرئيس يكون قد حاز رضى رئيس الجمهورية ومطلعاً على الملفات الكبرى بالخصوص الأمنية والاقتصادية والمؤسسة العسكرية المخولة باحترام تطبيق الدستور وتفعيل مادته الخاصة بالشغور. لم يفت الوقت على ذلك إذ يمكن للسيد رئيس الجمهورية أن يقوم باستشارة دستورية شعبية قانونية، الدستور الجديد كان مهماً في حله جزئياً لبعض معضلات المواطنة، على الرغم من بعض نقائصه وتفكيكه لقنبلة موقوتة لم تحل في الفترات السابقة بالشكل الذي كان يجب ان تحل به، ونزعها من أيدي المتهورين وادخالها بمسؤولية في الدستور، اذ لا يمكن لشعب يحتقر لغته الأصلية ولغة أجداده الأوائل أن يعيش مؤمنا، فهو عدو نفسه. تأخرت البلاد في هذا كثيراً. ولو اتخذت المبادرة قبل عشرات السين عندما اعترف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية وحرمت من الصفة الرسمية، لما نشأ تنظيم الماك MAK المغامر الذي اصبح يستعد للدور المقبل في خريطة يتم الآن طبخها في بعض الدوائر المحلية والجهوية. لا علاقة لهذا بنظرية المؤامرة، بل هو المؤامرة نفسها وهي نفسها في كل تفاصيلها التي مزقت أو أحرقت أو أرهقت العراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن.

الجزائر في مواجهة معضلة الحاضر الصعب؟ (3)

واسيني الأعرج

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية