أقدّر أنّ من أظهر ما نلاحظه في ثقافاتنا ومجتمعاتنا الحديثة على تفاوتها من حيث الأخذ بأسباب التقدّم، أنّ البشر سواء أكانوا مبدعين أم متقبّلين مستهلكين، ما انفكّوا يمارسون اللّعب بكثير من الإسراف في شتّى المجالات تقريبا بصرف النّظر عن تبايناتها واختلافاتها. وعلى ما يوفّره اللعب من متعة أو تزجية فراغ كما هو الشأن في فيسبوك ووسائل الاتصال الاجتماعي عامّة؛ فإنّ الكثيرين قلّما صرفوا العناية اللاّزمة لمقولة اللعب واستحقاقاتها واستتباعاتها ثقافيّا واجتماعيّا ونفسيّا وفنّيّا. وإِخال أنّ وضعا كهذا ليس بالميسور، لتشعّبه؛ محاصرته علميّا، الأمر الذي يزيد من صعوبة تحديد اللعب مفهوميّا أو تدبّره إنشائيّا واستيطيقيّا؛ وخاصّة في المجال الفنّي الذي يعنينا أكثر من غيره.
ونظرا إلى هذا الوضع المعقّد، فإنّنا نجيز لأنفسنا أن ننوّع ولو بحذر ودونما شطط؛ على ما يقوله ميشال بيكار في «القراءة من حيث هي لعب» فنتوسّل بأكبر قدْر من الحرّية، وهو حقّنا جميعا كلّما تعلّق الأمر بمسألة كالتي نحن فيها، كأنْ نستخدم نموذجا واضحا تأليفيّا، ونحاول أن نجريه بأكثر دقّة ممكنة، ولكن بمرونة؛ فالمجال هو مجال الفنّ. ومنذ أيّام قليلة في مهرجان ربيع الفنون بالقيروان، لفت صبحي حديدي النظر إلى ناحية جديرة بالاعتبار في تويتر وفيسبوك خاصّة؛ تتعلّق بالكتابة مقيّدة في الأوّل، سائبة منساحة في الثاني، وما يمكن أن يفضي إليه ذلك من أنماط وأجناس فنيّة، وطرائق في الكتابة والتعبير غير مألوفة ولا معهودة، ومعايير موحّدة للذوق والرغبات. وربّما يتعيّن علينا، لتوضيح ما نحن بصدده، أن ننطلق من بعض أشكال اللعب في ثقافتنا قديما. ونعني فنّ القصّ (والأصوب لغة القَصَصُ)، ولا مسوّغ لذلك سوى تواصله في الراديو والتلفزيون وفيسبوك ومتعلّقاته مثل الفيديوهات؛ بذرائع مختلفة قد تكون دينيّة وقد تكون اجتماعيّة. وربّما كان لبعض مؤدّيها، من سلاسة الطباع واللغة واستقرار النفس وهدوء الذهن؛ أو من وضوح المنهج وقوّة المنطق وحسن الفهم؛ ما يغري الكثيرين بهم، و»بفنّهم» هذا؛ أو ينزل بهم سهل الأباطح، كلّما تعلّق الأمر بإعادة تصوير الماضي وكأنّه عصرنا الذهبي أو مستقبلنا المنشود، على ما أسلفنا في بعض مقالاتنا.
من الصّعوبة بمكان أن يدّعي أيّ كان وجود نظريّة بعينها يمكن أن نصدر عنها في اكتناهِ علاقة تأسيسيّة بين الفنّ واللّعب عامّة؛ فنحن نلتقي بمثل هذا الطّرح عند بعض أسلافنا. من ذلك ما يسوقه ابن الجوزي في «القصّاص والمذكّرين» من أنّ بعض القصّاص يعمد إلى صبغ وجهه بالزيت والكمّون، ويمسك بيده ما يجعل عينيه تذرفان، ويمزّق ثيابه، أو يلقي بنفسه من أعلى المنبر، وينطرح أرضا. وربّما تزيّن بالثياب، وأكثر من الإشارات والحركات؛ ليستميل النساء ويغويهنّ. وربّما ستر المنبر بالخرق الملوّنة، وعلّق المصلّى على الحائط، وما إلى ذلك من مظاهر الأداء القصصي الدراميّ، بعبارتنا اليوم. وهو أداء شاع في كثير من مدن الإسلام في العصر الوسيط، في مجتمعات لم تمنع كلّها مخالطة الرجال للنساء في هذه المناسبات؛ حتى أنّ ابن الجوزي وهو قاصّ رسميّ عيّنته الدولة، استنكر هذا النوع من القصّ. بل إنّ الجاحظ يقول: «ومن تمام آلة القَصَصِ أن يكون القاصّ أعمى… شيخا»، فهذه مهنة لا يحترفها إلّا ذوو الحاجة من المكفوفين وضعاف الحال. ونقف عند أفلاطون في «القوانين» ـ وليس في «الجمهوريّة»ـ على إشارات إلى حضور اللّعب في بعض الفنون التي تُمارس أثناء الاحتفالات. وهي ترقى ما يمكن أن نسمّيه وساطة كوسمولوجيّة محمودة، في أنشطة ذات طابع قدسيّ؛ ولكنّ هذا اللعب لا يتنقّص قدسيّتها شيء. بل يلوح اللّعب في هذا السّياق عند قدماء العرب واليونانيّين بمثابة البراديغم المعرفيّ بامتياز. ويبيّن أهل الذكر من الفلاسفة، أنّ في فلسفة أفلاطون ناحية طريفة، فهو في «القوانين» يشيد بوظيفة اللّعب في حين أنّه في «الجمهوريّة» يتنقّص اللّعب وإن لم يذكره بصريح اللّفظ. ولعلّه في هذا شبيه بالجاحظ، فهو يستهجن القصّ على النحو الذي أسلفنا، ويجده أداة تكسّب وتسوّل، من ذلك من ينسبه إلى أحد البخلاء من القصّاصين: «أنا لو ذهب مالي، لجلستُ قاصّا أو طفت بالآفاق مكدّيا». وهو مع ذلك قصّاص كبير في كتابه «البخلاء» وفي رسائله وغيرها.
على أنّ مثل هذه الملاحظات الخاطفة ينبغي ألّا تسوق إلى القول بأنّ موقف الجاحظ من هذا النوع من الأداء اللعبي، أو موقف أفلاطون، مرتبك أو هو متناقض، فالأمر يتعلّق بتأويلات لا غير. بل إنّ بعض المقولات تنسب حينا إلى أفلاطون وحينا آخر إلى سقراط. ولاشكّ أنّ الأمر يتوضّح أكثر من خلال الإجراءات أو الأدوات الفنّيّة التي هي في عداد مضامين اللّعب نظير المحاكاة والاستعارة سواء عند الجاحظ أو حازم القرطاجنّي أو عند الفارابي وابن سينا، أو أرسطو في كلامه على النّشاط الاحتفاليّ، بالإضافة إلى حضور هذا الطّرح في معالجته مسألة الشّعريّة. وهو طرح يأخذ بعلاقة التّداخل بين اللّعب والفنّ؛ وإن كان لا يستخدم مصطلح اللّعب استخداما مباشرا.
أمّا في الدراسات والبحوث الحديثة كما هو الشأن عند شيلر في «رسالة في تربية الإنسان الجماليّة»، فنحن نقف على نظريّة متماسكة محكومة بأنساق معرفيّة صارمة، لا نملك مهما احتشدنا عليها، سوى التسليم به. والحقّ أنّ ما يغرينا بها أنّ شيلر ليس مفكّرا، وإنّما هو فنّان (شاعر). أي هو يتحدّث إلينا بشهادة فنّان له خبرة بالفنّ ومراس، وبمقاربة مفكّر يتناول الفنّ تنظيرا ونقدا. ونقدّر أنّها نظريّة أستيطيقيّة تفد إلينا من واحد من أكثر الفنّانين الكلاسيكيّين مكانة ـ أي شيلر- الذي يقترح بجسارة أن يحلّ في نفس الوقت مشكل الخلق الفنّيّ ومشكل المتعة الجماليّة.
على أنّ شيلر يصرف اهتمامه إلى المتعة الجماليّة، وليس إلى مسألة الخلق الفنّيّ. وهذه ترد متضمّنة في منظوره الأستيطيقيّ، الأمر الذي يستدعي التنقيب عنها واستخراجها؛ عسى نحصّل منها بعض الفائدة في ما يتعلّق بملامح انشائيّة اللّعبيّة للفنّ. ويمكن أن نسوّغ هذا الصنيع في ضوء الإحداثيّة التّاريخيّة التي ينتسب إليها شيلر، حيث انتشر الهاجس الأستيطيقيّ في القرن التّاسع عشر أكثرَ مقارنة بهمّ الإنشائيّة الذي تكرّس أساسا في القرن العشرين.
لعلّ قدْرا من طرافة أطروحته يكمن في ربطه مشكل الفنّ بغريزة اللّعب. وهو ربط يعتبره البعض نقطة انطلاق لا تزال قائمة إلى حدّ اليوم، بالنّسبة إلى كلّ من ينشد القيام برحلة استكشاف بسيكولوجيّ داخل ملكوت الأستيطيقا المعتّم. على أنّه سواء أكانت قراءتنا للفنّ بسيكولوجيّة أم غير ذلك؛ فإنّ ما تقدّمه نظريّة شيلر يتمثّل أساسا في جعل اللّعب رابطا بين عالَم الفنّ وعالَم الواقع؛ وذلك ما يحدونا إلى وصف نظريّته بكونها نظريّة نسقيّة، فهي تحرص على ما يوحّد الوجود، كما هو الشأن اليوم في وسائل الاتصال والمواقع الاجتماعيّة اليوم؛ وقد آن أن ننكبّ على مدارستها ومدارسة أثرها في لغتنا وسلوكنا وفنوننا. هذا الحرص ليس بالمستغرب من شيلر وهو سليل التّقليد الذي سنّته الرّومنطيقيّة الألمانيّة. وعلى أيّة حال فنحن نحتاج إلى أن نُعنى بما يقترحه شيلر من وضعٍ للفرد بين عالَم الإحساسات، أي مجال الواقع وعالَم الإرادة.
بل مجال «الأتيقا»، حيث يشدّ الأوّل إلى ما يسمّيه «غريزة المادّة» ويشدّ الثّاني إلى ما يسمّيه «غريزة الشّكل». وأمّا ما يسمّيه «غريزة اللّعب» فهي التي تؤمّن لكليهما إمكان التّعبير وإمكان الحياة في وحدة منسجمة حيث الحاصل من كلّ ذلك هو الجمال.
لنلاحظ هاهنا أنّنا لم نقلب الصّيغة فلم نتساءل عمّا إذا كان اللّعب في مطلقه فنّا. بل لم نتساءل كذلك عمّا إذا كان اللّعب ولو على نحو جزئيّ فنّا! وذلك لأنّنا بكلّ بساطة نكاد لا نعرف في البلاد العربيّة من يراهن على دراسة إنشائيّة اللّعب. ثمّ لأنّ يفترض أن تكون علاقة التّطابق علاقة «تعاكسيّة» وهذه قضيّة ينبغي الاشتغال عليها بتوسّع؛ والمجال الذي نحن بصدده ليس مجال ذلك.
أمّا في ما يخصّ وجهات النّظر بشأن ما إذا كان الفنّ في وسائل الاتصال هذه في كلّيته لعبا، أو في جزء منه فحسب؛ فإنّ المسألة برمّتها تُردّ، في تقديرنا ـ وقد عوّلنا على شيلرـ إلى تباين المواقف من أطروحته التي تماثل بين الفنّ واللّعب؛ وإن كان كانط قد سبق إلى القول بمثل ذلك غير أنّه قوله ورد مكثّفا عصيّا على مثلي، ودون أن يُفرد بنظريّة على حدة. وأوتّو رنك الذي يعوّل كثيرا على مقولة اللّعب في تفكيك العلاقة بين ذاتيّة الفنّان والفنّ، يقول في سياق استدعائه لشيلر بأنّ هناك قواسم مشتركة بين اللّعب والفنّ دون أن يكون هناك تطابق كلّيّ بينهما.
منصف الوهايبي