في صحيفة «هآرتز» يذكّرنا المعلّق دافيد روزنبرغ بأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو مزيج من شخص فرنكنشتاين والحزب الجمهوري في أمريكا: كلاهما يخلق الوحش الذي سوف يمقته بعدئذ، ولكن سيضطر في الآن ذاته إلى التعايش معه، راضياً سعيداً، على شاكلة أفيغدور ليبرمان ودونالد ترامب.
ولكي نضع واشنطن جانباً ونبقى في تل أبيب، ثمة ذلك المنطق البسيط الذي يشير إلى أنّ ائتلاف نتنياهو مع ليبرمان لا يبدأ من حاجة الأول إلى وزير دفاع يفرك يديه ابتهاجاً بمرأى جندي إسرائيل يطلق النار على فلسطيني أعزل مسجى أرضاً، أو يهدد بقصف السدّ العالي؛ بل ينتهي، ببساطة ذرائعية قصوى، من الحاجة إلى الصوت 61 في الكنيست الإسرائيلي. فوق هذا، ليس مهماً عند نتنياهو أن يبني أغلبية حكومته على ست كُتل، بعضها متنافر متناقض متعارض؛ أو أن تتناهب الحكومة رغائب لا تقلّ تنافراً، تسعى الكُتل إلى تشريعها (كتشريع الإعدام التمييزي الذي لم يعرفه تاريخ الإنسانية بعد، أو محاباة المتدينيين المتشددين في تحريم حضور عروض فنية تشارك فيها نساء…).
تقلبات نتنياهو في السلطة تعيد التاريخ إلى الحلقة الأولى في تاريخه السياسي، أي أواخر آذار (مارس) 1993، حين انتُخب زعيماً لحزب الليكود وبات مرشحه لانتخابات رئاسة الوزراء؛ هو، ذاته، الذي حلّت عليه نقمة الناخب في سنة 1999 ومُني بهزيمة ساحقة مهينة أمام إيهود باراك، أجبرته على الاستقالة الفورية. وإذا كان في هذه الحلقة التعاقبية الأشبه بالباب الدوّار بعض قواعد اللعبة الديمقراطية في تبادل السلطة، فإنّ فيها أيضاً الكثير من ذلك المزاج الخاصّ الطاغي الذي يتحكّم بالناخب الإسرائيلي وبصندوق الاقتراع تحديداً: مزاج الخوف من السلام، الذي يبلغ درجة الرهاب، والانكفاء إلى الشرنقة العُصابية التي تدفع إلى التمسّح بأمثال ليبرمان، وإيليت شاكيد وزيرة العدل، وموشيه كحلون وزير المالية؛ أو تستولد تنظيمات، متدينة/ متشددة و/ أو عنصرية، مثل «إسرائيل بيتنا» و«البيت اليهودي»…
كذلك في وسع المرء أن يعود إلى خريف 1997، حين شنّت أسبوعية الـ»إيكونوميست» البريطانية العريقة هجوماً كاسحاً، بل ومقذعاً في الروحية العامة والعديد من المفردات، ضدّ نتنياهو؛ إذْ وصفه العنوان بـ»الأخرق على حلقات»، أو على نحو مسلسل بدأت فصوله الأولى في أيار (مايو) 1996. يومذاك انتخبه الإسرائيليون، فأدخلوا بذلك انعطافة نوعية على تقليدهم العتيق في الموازنة بين اليمين ووسط اليسار؛ الأمر الذي لم يكن يشكل أي فارق كبير لولا أنه، مع انتخاب نتنياهو تحديداً، صنع ويصنع الفارق كل الفارق. الفصول الأخرى لم تكن تبرهن على شيء قدر برهنتها على «موهبة نتنياهو الاستثنائية في الخروج بقرارات سيئة التدبير، استفزازية، وفي التوقيت الخاطىء»؛ قالت الافتتاحية، وعدّدت «المآثر»: شقّ النفق الأركيولوجي في قلب الشطر الشرقي المحتلّ من مدينة القدس، الشروع في بناء ضاحية استيطانية على أراض محتلة، وإبقاء انسحابات جيش الاحتلال في حدود نسبة 2٪ ليس أكثر. مسمار الافتتاحية أبقته الـ»إيكونوميست» إلى الخاتمة، حين قالت دونما تأتأة: «إن إسرائيل، إذْ تدخل نصف قرن من عمرها، لا تستحقّ رئيس الوزراء الذي يحكمها الآن. وينبغي عليه أن يرحل».
لكنه لم يرحل، بالطبع، والناخب الإسرائيلي كذّب أماني الـ»إيكونوميست»، المشفقة على إسرائيل، فانتخب نتنياهو وأعاد انتخابه، ومكّنه من المضيّ أبعد في قرارات لم تعد «خرقاء» فقط، بل باتت أدهى وأمرّ. وها أنه اليوم يتقمص شخصية فرنكنشتاين، فيخلق ما يحتاج من وحوش، مدركاً أنّ أيّ وحش بينها لا يتخلق خارج معادلات التوحش الإسرائيلي، إياه. بضاعة إسرائيلية تُردّ إلى أهلها، ليس أكثر!
صبحي حديدي