كانت ليلة ليلاء حقا.. «دولة» تسمح بجرائم أصحاب الخطاب الديني المتشدد والمعسكر الطائفي من بعض الأجهزة الأمنية والسياسية والدينية، يرفعون زورا شعار (الله أكبر) اتفقوا على تعرية سيدة مصرية صعيدية مسيحية، عقابا لابنها المتهم بإقامة علاقة مزعومة مع سيدة مصرية صعيدية مسلمة، (وكأنهم لم يسمعوا قول القرآن: «ولاتزر وازرة وزر اخرى»، حتى إذا كان ابنها مخطئا حقا، وهو ما نرفضه).
إنها كارثة صادمة، ربما لا يدرك حجمها الحقيقي إلا من يفهمون مصر حقا، بل إنها نشرت رعبا حقيقيا في بعض أوصال الدولة نفسها، ما بدا واضحا في البيان العاجل الذي صدر عن رئاسة الجمهورية، ولم تتحرك أكثر من ذلك، باستثناء تقديم خمسة آلاف جنيه (نحو خمسمئة دولار) للمعتدى عليها رفضها زوجها، ولم تتحدد محاكمة للمتهمين.
نعم ليست هذه المرة الاولى التي يحدث فيها نزاع مسلح في الصعيد، بسبب علاقة مزعومة بين فتاة وشاب مختلفي الديانة، ولكنها المرة الأولى التي يرتبط فيها بعمل إجرامي يستهدف «تعرية مصر»، حسب تعبيرٍ صادقٍ من أنبا الأقباط في محافظة المنيا، ووصفه الحادث بأنه تعرية للمصريات جميعا.
ولمن لا يعرفون مصر أصلا، لكنهم تحولوا فجأة إلى «خبراء» في شؤونها، نقول إن الصعيد في مصر يمثل حالة نادرة، حتى بالمقاييس المصرية التقليدية نفسها، من حيث تفرده في صفائه الثقافي وتعقيداته، وتمسكه بمراسم فرعونية منذ آلاف السنين. وقد دافع أهالي الصعيد عن هذه الثقافة عبر نجاحهم في مقاومة الاحتلال الخارجي عبر العصور، بل إن الإسلام نفسه احتاج إلى عدة سنوات ليصل من شمال مصر إلى ذلك الجزء الفريد في جنوب مصر، إلا أن تشدد الخطاب الديني تمكن من الهيمنة على قاعدة شعبية، تعتبر نفسها أقوى من السلطة المركزية نفسها. وللأسف فإن السلطة المصرية في عهد الرئيس السابق محمد مرسي فتحت المجال امام اغتيال مواطن مصري فقط لأنه شيعي، كما أن السلطة في عهد السيسي سمحت بتعرية مواطنة مصرية لأنها قبطية، في إشارة إلى توغل التشدد الديني وإجرامه في مواجهة «الدولة المدنية» المزعومة.
ومن اللافت أن المسيحيين في الصعيد، وفي محافظة المنيا تحديدا، كانوا قد تحملوا وسكتوا عما تعرضت له كنائسهم، التي يرجع تاريخ بناء معظمها لمئات السنين، من حرائق واسعة في أحداث عام 2013 ردا على الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، ، لكنهم يرفضون اليوم السكوت عن إهانة تعرية تلك السيدة.
وبعيدا عن الخطأ السياسي من البابا تواضروس نفسه في القاهرة، الذي اكتفى بالمطالبة بـ»تنفيذ تعليمات الرئيس»، هددت كنيسة المنيا بـ»اللجوء إلى تدخل دولي»، وهو أمر يرفضه أغلب المصريين من منطلق رفض التدخل الدولي في الصراعات الداخلية. أما السبب الحقيقي فدليل جديد على انفلات بعض أجهزة الدولة ضد رئيس الدولة الذي يتحدث في واد، بينما يحكمون هم في واد آخر، إنه أشبه ما يكون بالانقلاب الكامل، ولعل هذا يفسر ما جاء في خطابات السيسي الغاضبة قائلا (أنتم مين؟) لكنه بقي مجرد كلمات بلا فعل. إنه تواطؤ بعض رموز الدولة ممثلة في بعض كبار موظفيها، مثل محافظ المنيا، الذي وجد لديه ما يكفي من الوقت ليحتفل ببيضة، قيل إنه مكتوب عليها لفظ الجلالة (..)، لكنه لم يلتق أبدا بالسيدة التي عُريت، بل مازال ينفي وقوع تلك الجريمة، وهو لسبب ما مازال يشغل منصبه، مع بعض عناصر الشرطة الذين رفضوا تقديم الحماية لمواطنين بينهم تلك السيدة نفسها عندما توجهوا إليهم محذرين من وقوع كارثة. هذه السلطة الحقيقية تبدو مؤيدة للخطاب الديني المتشدد، الذي مازال يتعامل مع المسيحيين بألفاظ وأوصاف يعتبرونها أعلى من الدستور والقوانين وبيانات الحكومة او رئيس الجمهورية نفسه.
خلال عامين طالب الرئيس عبدالفتاح السيسي، مرتين على الأقل، في خطاب رسمي أمام كبار قيادات الجامع الازهر، بإعادة النظر في الخطاب الديني المتشدد. لكن الأزهر رفض بأغلبيته المؤيدة للتيار السلفي، وربما بعض عناصره المؤيدين لتنظيم «داعش» الإرهابي، اتخاذ أي خطوة باتجاه تنفيذ ما يفترض أن يكون قرارا ملزما من رئيس الجمهورية. وقبل عدة أيام رفض الأزهر السماح لوزارة الثقافة بعقد اجتماع للمثقفين تحت عنوان «تعديل الخطاب الديني»، ما اضطر الوزارة إلى تحويله إلى «تعديل الخطاب الثقافي». وهو يبقى اجتماعا مهما حضره ممثلون عن 17 دولة عربية، لبحث أزمة لا تكاد تستثني بلدا عربيا واحدا.
والرسالة الأهم التي يجب على هذا المؤتمر أن يوجهها ان التواطؤ، أو العجز مع الخطاب الديني المتشدد لن يعري النساء فقط، بل سيأتي بـ»داعش» واخواته التي لن تبقي دولا ولا مسلمين او مسيحيين او غيرهم. أما ما أصبح يعني للبعض شبه «انقلاب» حقيقي يواجهه نظام الرئيس السيسي، فسيكون موضوع مقالنا الأسبوع المقبل، حتى نفتح المجال للتعليق على «كوارث أخرى» تتوالى على هذا الوطن. وكذلك احتراما لطلب بعض القراء المحترمين بمزيد من «الرسائل الخاصة»، وربنا يستر مع هذه الأجواء «شديدة الديمقراطية» التي تعيشها البلاد، والتي وجدنا لأول مرة في التاريخ المصري نقيب الصحافيين يحتجز.
رسائل خاصة
1 – اعتبر الفاشي والعنصري الاكبر في الجيش الاسرائيلي ليبرمان، ان تصريحات الرئيس المصري بشأن التوسط لإقامة السلام مع الفلسطينيين (امر مهم جدا). هذه المرة الأولى والأخيرة التي نتفق معه. فلا شك أن قيام النظام المصري بفتح أول قناة علنية (توافقا مع القنوات شبه السرية العديدة) بين العرب واسرائيل للتطبيع بحجة التفاوض من أجل فلسطين، هو أمر ليس مجرد (مهم) بل إنه خطير حقا.
2 – ثمة تحول مهم في العلاقة المصرية الروسية يجري في هدوء، يستحق دراسة معمقة. وتشكل زيارة رئيس أركان الجيش المصري للولايات المتحدة، التي حظيت باهتمام إعلامي بارز في مصر، مجرد إشارة إلى نوع من (الفتور) المتزايد مع الرئيس الروسي شخصيا، خاصة أنه أصر على رفض طلب مباشر من الرئيس السيسي بإلغاء قرار منع سفر السياح الروس إلى مصر. أما الأمر الآخر فإلغاء القاهرة قبل يومين عقدا مع موسكو لشراء قطارات سكك حديد من روسيا، ومنحه لرئيس الحكومة المجرية الزائر، وهكذا تعود القطارات المجرية الى مصر بتاريخها الشهير، وبعض نكاتها غير القابلة للنشر.
3 – ردا على تعليقات كريمة من بعض القراء هذه مناسبة لنقد ذاتي: تمنيت لو أن هذا المقال اتسع لمعاناة المصريين من الانفجار في أسعار الأدوية، التي هي أحد أسباب بقائهم على قيد الحياة، وتفوق أهمية الطعام نفسه، وكذلك ما تعنيه هذه الهجمة المروعة ضد حرية التعبير، واستشهاد اكثر من عشرة من ابناء الجيش والشرطة المصرية الابطال على ايدي الارهاب التكفيري، الذي لن يجد موطنا له في مصر مهما فعل، والمهازل الإعلامية التي ينطبق عليها القول (شر البلية)، وغير ذلك كثير.
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي