العتبة والساكف: كيف نقرأ شعرنا الحديث

نعرف جميعا أنّ الشعر العربي برح عتباته المألوفة منذ بدايات القرن الماضي، إلى سواكف عليا (الساكف هو أَعلى البابِ الذي يدورُ فيه صائِرُه)، بل ربّما صارت له عتبتان: سفلى وعليا؛ واحدة يوطَأُ عليها قبل اجتيازه، وأخرى يتسلّقها القارئ؛ ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ونعرف أنّ ظهور المؤثّرات الأجنبيّة في هذا الشعر، يرجع إلى العشرينيات، أو قبلها بقليل؛ وقد حملت بذور هذه المؤثّرات مدرسة «أبولو» في مصر وجماعة الديوان ومدرسة المهجر، ومحاولات شعريّة عديدة في سوريا ولبنان والعراق والمغرب وتونس والجزائر، كانت كلّها تنزع إلى تجديد الشعر العربي، الذي هيمنت عليه طيلة قرون سبعة، ثقافة أصوليّة وقيم شفويّة عريقة، ويستأثر بها هاجس واحد هو الخروج من متاهة الخطاب الملفوظ إلى فضاء الخطاب المكتوب، ومجاذبة الشعر الأجنبي مكانته.
هذه الشعريّة الناجمة عن سلطان الخطاب الملفوظ، هي التي أخذ الشعراء بخلخلتها وتقويض أسسها، منذ العشرينيات، تحت تأثير الثقافة الأجنبيّة، فظهر شعر «يتأرجح بين رومانسيّة الكآبة حينا والغضب والعنف حينا آخر، من جهة، ورومانسيّة التأليف الشكلي التجميلي من جهة ثانية»؛ وكأنه في كآبته وثوريّته يتمثّل عالما قديما بدأ يتقوّض، وعالما جديدا بدأ يتأسّس، ففيه من هذين ملامح وسمات، وفيه منهما ظلال وأصداء.
وبرزت أسماء شعريّة عديدة تتفاوت قوّة وضعفا في طرائق التعبير، والشاعر كما يقول بشّار بن برد» مثل البحر، يقذف مرّة بالدرر، وأخرى بالجيف.» وربّما قصّر بعضهم عن مدى، أو تخلّف. ولكنّها طرائق تكاد كلّها تطّرد على نسق واحد؛ أو هي تجري على وتيرة واحدة، إذ يتلاقى هؤلاء الشعراء في الجوهريّات والكلّيات الشعريّة الشاملة. من هؤلاء تمثيلا لا حصرا الشابي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وعبد الله غانم… كان هذا الاتجاه وما سبقه (مدرسة أبولو وجماعة الديوان، ومدرسة المهجر) فاتحة عصر جديد من الكتابة؛ فمع هؤلاء، ثم رواد الشعر الحرّ (التفعيلة) في العراق خاصّة؛ أخذت المبادرة تنتقل إلى المكتوب، لكن من دون أن تقطع الصلة بالملفوظ نهائيّا، ولا تزال نصوص كثيرة في الشعر العربي المعاصر تتلمّس طريقها إلى الكتابة، من دون أن تبلغها، حتى في قصيدة النثر، وقد أفضت عند الكثيرين إلى بناء لاعضويّ، ولا شكل له؛ وأثر ناقص غير قابل للحياة. وهو ما تنبّأت به سوزان برنار نفسها؛ وقد صار كتابها «قصيدة النثر من بودلير إلى أيّامنا» إنجيل شعرائنا. وربّما استطاعت نصوص أخرى، بفعل المؤثّرات الثقافيّة الأجنبيّة أن تؤسّس خطابها بمعزل عن سلطة الملفوظ.
هذه المؤثّرات الأجنبيّة لم تغيّر نظرة الشاعر إلى الموروث فحسب، وإنّما غيّرت أيضا نظرته الى الشعر، ووسمت تجربته الإبداعيّة بميسمها الواضح. لذلك فإنّ «فرزها» كفيل بأن يضيء كثيرا من الزوايا المعتمة في هذه النصوص. وهذا عمل تنهض في وجهه عقبات كثيرة، يصعب تذليلها كلّها. فإذا كانت هذا المؤثرات الأجنبيّة (فرنسيّة وإنكليزيّة خاصّة) واضحة المعالم في بواكيرها، ولا يستشعر القارئ عنَتا كبيرا في استخراجها وردّها إلى أصولها، فإنّها بدأت منذ الستينيات تتّخذ هيئات من التداخل النصّي، خفيّة فتنزلق في النص وتضيع وتستعصي. ومن الشعراء من يقبس من الرواية والفلسفة (اليونانية وفلسفة التاو الصينيّة مثلا)، ومن السرياليّين والفنون التشكيليّة، وقد يمزج صورة بصورة ومعنى بمعنى، وينقل جملة من سياق الى سياق؛ بما يشكّل إعادة كتابة، أو جنسا هجينا من الشعر.
وهذه هيئات خفية، يستلزم استجلاؤها نقل مقاطع وقصائد بأكملها من هذا الشعر (وقد فعلنا ذلك في غير هذا الموضع)، فأدونيس مثلا يقبس من بودلير ورامبو وبيرس والسرياليّين، وربّما من شعراء آخرين، ويمزج بين صور من شعر هؤلاء وأساليبهم، من دون أن يستقرّ على منهج واضح في الكتابة.
ونقف عند أكثر من شاعر على موضوعات شعريّة تكاد تكون نفسها، تمثّلا ورؤية؛ من ذلك موضوع التلابس بين الجسد والطبيعة حيث الجسد هو الطبيعة والطبيعة هي الجسد. وعلى الرغم من أنّ هذا التلابس قديم في شعر الشرق وأساطيره ودياناته، فإنه في الشعر الذي نحن فيه، يحيل على الشعر الفرنسي أكثر مما يحيل على الموروث الشرقي.
ونجد الشاعر ينحو منحى السيرياليين، فكلّ عنصر من عناصر الطبيعة يستدعي عضوا من أعضاء الجسد، فللشجرة شكل الذراعين وللسمكة كتفان ينبت بينهما الزهر والطحلب، وللحصاة أذنان مصغيتان…
ونجد الشاعر في هذه الصور المستجلبة، يركز من خلال تجلّيات الطبيعة على مكامن الأنوثة والجمال ويستبطن دقائق الجسد واغتلام العناصر، فيسبغ على الجسد أبعادا كونيّة ويشرف به على تخوم المطلق، مثله في ذلك مثل «بروتون» في قصيدة «الزواج الحر»؛ هذه القصيدة -اللوحة التي لم يترك فيها «بروتون» جزءا من أجزاء الجسد، جسد المرأة، إلاّ قرنه بعنصر من عناصر الطبيعة، بحيث تتآخذ الأزهار والنباتات والحشائش والفواكه، مشكلّة لوحة نباتية عجيبة؛ فيلابس الجسد الطبيعة، ولا يرتدي سوى عريه ولا يفصح إلاّ عن خيالاته وأحلامه وهلوساته. وربّما رأينا في التعري دعوة إلى الحبّ واحتفاء بالبراءة الجسميّة، وربما استوقفتنا رواسب من سيطرة الذكر على الأنثى (الذكر الذي يملي على الأنثى رغائبها، كما يقول محمود درويش في «كزهر اللوز أو أبعد»)، فالمرأة الزهرة هي المرأة ـ الطفل والمرأة ـ الموضوع أيضا وفي كثير من هذه النصوص المأخوذة بمؤثّرات سرياليّة، يترابط الجنس والأكل والسرير والمائدة، والحبّ والموت؛ حتى ليمكن القول إنّ في هذا الحبّ رواسب من «أكلة لحوم البشر» وارتدادا إلى الطبيعة المتوحّشة ونكوصا إلى الطفولة الأولى؛ بل إنّ الزمن تتغيّر صورته ويفقد آليّته، فلا يعدّ بالدقائق والساعات؛ وإنّما بحركات الجسد في انحنائه ونهوضه، في انقباضه وانبساطه.
ويمكن القول إنّ هذه النصوص، تنمّ من منظور سوسيولوجيّ، عن حالة استلاب أو هي علامة على استهلاك الآخر والرغبة في امتلاكه والاستئثار به، بحيث يحل الامتلاك محل الكينونة وينفصم الوعي عن ذاته، ولا يشبع الإنسان حاجاته ورغائبه إلاّ باستلاب الآخر .
هو الإنسان الموشوم بنار الجحيم الأرضي، الموكول إلى نفسه، المنغلق عليها، الغريب عنها وعن الآخر، إنّ تحويل الكينونة إلى ملكيّة، ظاهرة وثيقة الاتصال بالمجتمعات الرأسماليّة، وفي هذه المجتمعات، تمسخ الملكية الفردية، كما يقول ماركس الإنسان إلى كائن أرعن محدود النظر، لا تكتسب الأشياء، لديه معناها، إلاّ إذا امتلكها واستطاع أن يأكلها أو أن يشربها أو أن يحملها على جسده، أي إذا استهلكها واستثمرها.
ما الذي يبطن هذا الشعر؟ وهل التناصّ هنا مجرّد استرفاد ثقافي لا ينطوي على أيّ دلالة ثقافيّة؟ إذا كان لا بد من كلمة تلم شتات هذا الشعر فلن تكون سوى المرآة. هذه الكلمة الأداة التي بهرت السرياليين ومريديهم مثل بول الوار وكوكتو» خاصّة. وقد جدوا في صورتها تماثلا بالحلم وقدرة على التقاط تحوّلات الأشياء والكائنات. والقصيدة اليوم كالمرآة ذات سلطان سحري . وكلّ سحر هو ضرب من الدهشة وكلّ دهشة هي ضرب من السحر. وما بين هذين القطبين يسري ضوء القصيدة ويجري في الاتجاهين؛ فيلتبس الواقع بظلّه، والشيء بصورته، والحقيقة بوهمها. والشاعر اليوم هو شاعر المفارقات، والمفارقة احتجاب وسفور في آن.
من ثم كان القناع والمرآة من أهمّ الأدوات الشعرية في أكثر نصوصنا. وقول العلاّمة إحسان عبّاس إنّ المرآة من حيث هي أداة، بإمكان الشاعر أن يرفعها في وجه الماضي مثلما يرفعها في وجه الحاضر، ليلتقط الكائنات والأشياء من الزاوية التي يريد، أسلوب في الشعر العربي الحديث، استخدمه أدونيس دون غيره، لا ينفي كون أدونيس استجلبه من السرياليّة، فضلا عن أنّ المرآة كانت ثيمة متواترة في فنّ النهضة الأوروبي.
إنّ المؤثّرات الأجنبيّة أحدثت انقلابا كبيرا في شعرنا ، إلى حدّ أنّ الصلات المعقودة بين شعرنا والموروث الثقافي العربي بدأت تنقطع عند كثيرين، فقد تسرّبت إليه أمشاج من الدادائيّة والسيرياليّة، وأخذ الشاعر ينزع إلى تحرير الخيال من ربقة العقل الواعي والمنطق المترابط؛ وإلى إنشاء لغة حلْمية تتبدّل ألوانها وتتمازج، وتتغيّر خطوطها وتتداخل، فتطوي الشعر عن الواقع ومظاهره لتنشره للحلم وتجلّياته، بل تجعل عتباته سواكف، وسواكفه عتبات.

٭ كاتب تونسي

 

العتبة والساكف: كيف نقرأ شعرنا الحديث

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية