ذهبت الثلاثمئة سنة التي استغرقها بناء سور الصين العظيم هباء، فكل أبراج المراقبة التي تمتد على طول آلاف الأميال لم تنجح بالتصدي للغزو الفضائي الكوري، الذي اقتحم أسوار الصينيين واخترق قلاعهم ليستقر في غرف نومهم ويفرق بين المرء وزوجه، كلعنة حلت على الأمة الصينية، فلا فكاك منها سوى بالتشفير، الذي سبقه تحذير وزارة أمن الجمهورية من مخاطر الغزو الدرامي الكوري، الذي تسبب بحالات طلاق هائلة وهوس جماعي بالجراحة التجميلية للتشبه بأبطال مسلسل «أحفاد الشمس»، الذي حشد نسبة مشاهدة تفوق الأربعين مليونا… فهل نحمد الله لأن «ملحمة حريم السلطان» العثمانية لم تلحق أضرارا أمنية بالأمة العربية، واقتصرت آثارها الجانبية على اختراع نوع جديد من الدراما التاريخية يخطف المرأة العربية من خدر هند بنت النعمان ومخادع العفة في خيام الصحراء ليزج بها في مسرح الحرملك وسوق النخاسة؟! إيه أيها العار، الشرف ليس منديلا لنغسله بالدم!
قبل وبعد «حريم السلطان»
قبل «حريم السلطان» كان «الزير سالم» و «العبابيد» و «الجوارح» و «ملوك الطوائف»، و«عمر بن عبد العزيز»، وغيرها من الأعمال التاريخية، التي مكنت الدراما العربية من إحكام تأثيرها على الوعي المعرفي والإدراك العاطفي للحقب الزمنية التي استعادتها، مستعينة بالأجرام السماوية لرصد المخيلة كعرافة للتاريخ تتنبأ بالماضي وتستلهم من الغيب تمائمها السحرية، وهي تعرض لك مشاهد مُتصورة مشغولة بحرفية عالية وأداء صادق وتقمص مُحكم دون أن تقع في فخ الاستعراض أو تسلم نفسها لمشرط الجراح التجميلي، الذي يحشو الأقنعة بالبوتكس والبلاستيك، فيقدم للكاميرا وجوها مستنسخة من قالب واحد، بحيث لا تفرق بين ممثلة وأخرى فكأنك تراهن جميعن بالمرآة المشوهة ذاتها!
بعد «حريم السلطان» فقد المشاهد ثقته بالدراما العربية، وتحول إلى قصاص أثر يتعقب آثار الدارما التركية في مسلسلاته الرمضانية، ويسن أدواته النقدية جيدا ليشرحها و»يلعن سلسفيلها»، كأنه وصي على التاريخ وحقوق الملكية الفكرية لدولة الدراما العثمانية، فهل نظلم «سمرقند» لما ننسى دموع اليمامة في ملحمة «ممدوح عدوان» ولا نتذكر سوى بهلوانية يسرا في «سرايا عابدين»؟! أم نترقب مصيرا دراميا مشابها لأحفاد التنين؟!
مفاتيح «سمرقند»
كما يخبرنا القائمون على العمل الدرامي الضخم «سمرقند»، فإن رواية الكاتب «أمين معلوف» هي الجذر الإبداعي، الذي استند إليه المسلسل، ومن الطبيعي أن يكون الاقتباس الدرامي من الأعمال الروائية خاضعا لضرورتين: 1- الوفاء للنص الروائي. 2- خيانته لصالح الرؤية التلفزيونية. وهو ما نخشى التفريط به وتحويله إلى كولاج «قص ولصق» يفتقر إلى الوحدة العضوية والانسجام الرؤيوي، حيث يبدو في أولى حلقاته بلا وجهة لغوية أو حوارية مترابطة بقدر ما هي تشطيات متفرقة تخلو من النسق الإمتاعي أو الجمل الإبداعية المدهشة، عداك عن التقمص المفتعل والانفصام الأدائي، وكل هذا في واد والماكياج المقرف والثقيل في واد، حتى لتبدو الوجوه كجلود التماسيح المدبوغة والمرقعة بالصباغ، لا ترى منها سوى ما استعصى عليها من استحضار الانفعال الملائم للحظة الدرامية بسبب النفخ والشد العضلي الناجم عن جرعات حقن زائدة في خلايا الأقنعة التاريخية، وهذا حال جميع المسلسلات العربية لا أستثني منها أحدا!
لا أدري إن كان المكتوب «مبين من عنوانه» أم أنه من الظلم ألا ننتظر قليلا حتى يتجاوز العمل مرحلة التحمئة أو التهيئة، ونتبين خيطه الأبيض من حبره الأسود كحبر اللعنة التي إما أن تطيح بسمرقند كحكاية تاريخية فتسقط المدينة بخطأ مطبعي في يد أبطال وهميين من ورق، يقتلون الأبطال الحقيقيين بلا هوادة، بسبب نزوة رمضانية عابرة، وإما أن تسلم مفاتيح المدينة إلى الفاتحين الجدد من صناع الدراما في عالمنا العربي، الذين يحلمون باختراق الأبد ويتطلعون إلى إيقاظ المدن الغارقة في سباتها العميق تحت الرمال ووراء الحجب، ينفخون الروح في أطلالها من جديد، ليثبتوا لفلسطين ودمشق وبغداد أن الأندلس جنة منشودة، كأنهم يتحدون الغزاة صارخين: يا أيها الخراب هل من مزيد!
تسوس أنياب
إياك أن تصدق كل ما أكتب أيها المشاهد، فأنا أكذب عليك لو أخبرتك أنني لن أتابع «سمرقند» وروحي مشرئبة إلى رباعيات خيامها حتى لو تطلب الأمر المرابضة في قلعة الموت، ولو من أجل التلصص على الحشاشين واقتناص المتعة من رقم الغواية المجهول «X»، الذي اخترعه الخيام وتبدو معادلاته التاريخية واضحة في استحضاره «دراميا» في هذا الوقت بالذات ، وما يحثك على هذا الإصرار هو حجم الإنتاج الضخم والنفقات الهائلة التي سخرت لهذا العمل، والتي قد تطمئنك على حلقاته اللاحقة، رغم خذلان الاستهلال، فليس من المعقول أن يفرط الطاقم «من الكاتب والممثلين والتقنيين والفنيين والمخرج» بمفاتيح المدينة، ولو حدث هذا فإن محمد البطوش وإياد الخزوز سيفوقان «جنكيز خان» جرما، وهما يريقان دم الياقوتة الراقدة على ضفاف النهر بنكاشة أنياب درامية مصابة بالتسوس!
في الأحوال كلها، الإنتاج يليق بالرواية، ويعكس النوايا الاستثمارية الذكية باستدعاء الوقائع وإحياء الحكاية التاريخية ضمن استعداد تام للبذل في سبيل ضخ الحياة في عروق الدراما العربية المتجمدة بعد الغزو التركي لفضائنا العربي، الذي سارع لالتهام الأطباق العثمانية بأنياب لبنية ينخرها السوس!
الحقيقة والاقتباس
أكثر من سبعين ألف قضية تم رفعها في المحاكم التركية ضد المسلسل الشهير «الزمن الأعظم» المدبلج عربيا إلى «حريم السلطان»، تطالب بوقفه ومنع عرضه، من ضمنها «حزب العدالة والتنمية» بإيعاز مباشر من أردوغان نفسه، الذي رأى تشويها للحقائق وشطحا مغاليا، وانحرافا عن الوقائع، ورغم ذلك فإن المستعمرات العثمانية القديمة راقها أن تدخل إلى خدر السلطان العثماني وتطلع على خبايا الحرملك ومكائد الحريم، ربما تشفيا بالعظمة التي وقفت وراءها امرأة يهودية هزت عرش الإمبراطورية بقميص نوم شفاف ومنديل من الحرير وقارورة سم، غير أن كل هذا غاب تماما، حتى الحقيقة لم تعد مهمة، فمكمن الغواية هو براعة المخيلة بسرد الأحداث، كما أرادت لها كاتبتها «ميريال أوكاي» والإخراج والأداء المذهل، الذي أخذ حقه بكل نظرة وهمسة وتنهيدة وغضبة مخنوقة، والتفاصيل الجمة التي شكلت الإطار الكلي للصورة، رغم ضعف المعارك القتالية والأخطاء الجسيمة في الأزياء والموضة، إلا أن الجميع اتفقوا على الإبداع الذي انهزمت أمام جبروت دسائسه ورقة جواريه كل الأخطاء والسقطات المعيبة… وانهزم التاريخ نفسه لما تفوق عليه تخيله!
قد نتوقع هذا من «سمرقند»، وقد نغفر هذا الاستهلال الهش إن أثبتت لنا حلقاته المقبلة أن الملحمة الحقيقية التي تفوق كل الملاحم عبر التاريخ هي الدراما العبقرية، التي لا تخذل الرواية، خصوصا لما يكون كاتبها عملاقا بحجم معلوف، حينها سيصعب علينا حقا أن نغفر لخطيئتين في جرم واحد، ونحن نأخذ بعين الاعتبار أن «آنا كارنينا» كعمل أسطوري لتولستوي، لم تتفوق عليه كل النسخ السينمائية، التي لم تزل تتفتق من رحم ريشته الأم: الرواية، ولكنها استلهمت جمالها من تعلقها بروحه، وحرصها على أن تظل اللغة أجمل من الصورة، في حين أنك تخاف على اللغة وتطمئن في الوقت ذاته، حين ترى رواية «العشق الممنوع»، التي كتبها التركي Halit Ziya Usakligil، بين عامي 1899-1900، تحولت إلى عمل درامي شهير في السبعينات، أعيد إنتاجه عام 2008 ليتخطى المسلسل التوقعات ويحصل على جائزة أفضل عمل درامي في العالم ترجم ودبلج لأكثر من 12 لغة، حتى لتغفر له تفوقه على ذاكرة النص الأدبي ما دام أنقذها من النسيان… وهذا هو التحدي الحقيقي أمام «سمرقند»، التي نأمل أن يكون العمل الدرامي جديرا باستلام مفاتيحها من شاشة «أبوظبي»!
سلطانة جزائرية
أصرت أمل بوشوشة على أن تتدخل كما صرحت في برنامج «إي تي بالعربي» في بعض ما يخص شخصية الجارية، التي تتقمصها، وربما يؤهلها ذكاؤها لهذا التدخل، الذي يبدو أنه سينقذها من مصير الجواري في دراما الحرملك العربية، ويتوجها سلطانة حقيقية على عرش الأعمال الدرامية، لأنها تجيد تماما الإمساك بمفاتيح شخصياتها، والذوبان في أساريرها دون الاستسلام التام لها، فالتمرد على القناع يبقي الوجه سالما طازجا وقادرا على الاستكشاف والابتكار، ويبدو أن الأيام المقبلة ستثبت أكثر أن بوشوشة سلطانة جزائرية حرة في زمن عربي تتكاثر على مسرحه دمى البلاستيك وجواري الحرملك، وتعز فيه الحرائر والنساء!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر