تزامنت الذكرى الثانية لتولي الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكم، مع محاولة واضحة لاستخدام وسائل الإعلام لإعادة رسمها وترويجها للرأي العام بشكل خاص.
وبداية فإن أي مصري لابد أنه سعد برؤية إقامة آلاف المساكن للفقراء في المناطق العشوائية، ناهيك عن الإنجازات في مجالات الكباري والطرق وربط سيناء بالوادي، وحل مشكلة الكهرباء، التي عمل عليها الرئيس شخصيا (وإن كانت تمت باستخدام أموال القروض والاستعانة بشركات أجنبية)، إلا أن هذا لا يطرح رؤية حقيقية لمواجهة الأزمة المعيشية التي تعصف بالاغلبية الساحقة من المصريين.
أما الحديث التلفزيوني فكان أحرص على إرضاء الرئيس والتملق إليه، مع ضمان المحاور الحصول على حوار آخر معه، منه للانحياز إلى أغلب القضايا الحقيقية للمواطنين. وللإنصاف فقد تطرق الحوار إلى مشاكل الزيادة الهائلة في الأسعار والانهيار في نظامي الصحة والتعليم، ولكنه كـ»مرور الكرام» تفاديا لإحراج الرئيس الذي بدا كأنه غير مستعد للتطرق إليها. وأثبت الحوار أن الرئيس يصر على عدم الاستعانة بمستشار سياسي وآخر إعلامي، وتفضيل الارتجال والعفوية، متجاهلا أن كل كلمة يقولها تخضع لفحص علمي وشعبي في عصر هيمنة وسائل الإعلام، خاصة الاجتماعية.
أما بالنسبة لكارثة الأسعار التي أصبحت تشمل أسباب الحياة نفسها، خاصة الغذاء والدواء، بدا الحوار وكأنه إما يبررها بوجود الدعم أو توجيه اللوم إلى الحكومة، رغم أنها مسؤولية رئيس الجمهورية حتما.
وللمرة الأولى يسمع المصريون أن الرئيس لا يملك أي رؤية لإصلاح نظامي الصحة والتعليم (..)، مع ان الدول التي تملك بالفعل انظمة حديثة في هذا المجال لا تتوقف عن العمل في تحسينها ضمن خطط متواصلة. واكتفى الرئيس بالقول إن «التعليم سيحتاج إلى 13 عاما لإصلاحه»، وليس واضحا من اين جاء بهذا التقييم، ولم يحاول المحاور الاستكشاف تفاديا لازعاج الرئيس. وبالطبع فإن انهيار التعليم نتيجة لميراث ثلاثين عاما من الفشل، وليس مسؤولية هذا الرئيس، ولكنه يبقى مسؤولا عن البدء في خطة حقيقية لإنقاذه، حتى اذا كان سيتطلب وقتا طويلا، إلا إذا كانت الأولوية لمشاريع تنتهي خلال عامين فقط للترويج الإعلامي لإعادة انتخابه، بدلا من التعامل مع القضايا الحقيقية للمواطنين.
لعل فضيحة تسريب الامتحانات الأخيرة تذكير جديد بأن إصلاح التعليم أولوية حتمية في أي محاولة جادة لدى نظام يملك رؤية حقيقية لإنقاذ الوطن.
وينطبق القول نفسه على كارثة الخدمات الصحية، التي شهدت انهيارا جديدا، إثر الارتفاع المفاجئ في أسعار الأدوية، بسبب قرار عشوائي من وزير الصحة، فيما اكتفى الرئيس بالقول إن الحكومة تحاول «مساعدة المستشفيات بقدر المستطاع»، وهذا بالفعل ما يحدث، إلا أنه أثبت فشله ويحتاج إلى تدخل رئاسي برؤية حقيقية، إذا كانت حياة ملايين المرضى المهددة في المستشفيات الحكومية أقل اهمية من أرواح سكان العشوائيات. وللأسف لم يسمع المصريون كلمة واحدة تجاه مشاكل مثل البطالة والحريات والإعلام، ناهيك عن السياسات الخارجية، وبينها قضية الجزيرتين مع السعودية، رغم رمزيتهما التاريخية، إلا أنها أدت إلى أهم مظاهرة ضد النظام خلال العامين الماضيين.
وحتى على المستوى الأمني، فقد غابت أي مناقشة جدية للاوضاع الصعبة، سواء في مواجهة من سماهم «قوى الشر» أو أسباب استمرار تضحيات المصريين، عسكريين وأفراد شرطة ومدنيين، بحجة تبريرية كي (لا نتحول إلى سوريا والعراق) رغم وجود اختلافات واقعية لم تكن تسمح بهذا ايضا. وكيف عادت الانتهاكات التي يرتكبها عدد محدود من أفراد الشرطة ضد المواطنين، لكن أثرها مدمر على لمجتمع والنظام معا، بعد أن ظن المصريون أنهم استعادوا كرامتهم بفضل ثورتين تاريخيتين.
وعلى الجانب الاجتماعي، تجاهل الرئيس التطرق إلى الفشل في تحقيق تجديد الخطاب الديني الذي أعلنه قبل عامين، وبدت النتائج واضحة في قضية الهجوم الطائفي في محافظة المنيا وغيرها.
الواقع أن الفهم الحقيقي لذكرى تولي الحكم، يمكن فقط تقييمه بين الانصار المفترضين للنظام وليس معارضيه فقط، الذين تحولوا إلى أشد منتقديه، مثل الفلاحين والموظفين وأعضاء النقابات وأصحاب المعاشات وغيرهم. هؤلاء من غابوا عن التقييم الحقيقي للحكم بعد عامه الثاني، ولا علاقة لهم بالأرقام المثيرة للسخرية التي أعلنها أحد موظفي الحكومة وتقول، إن واحدا وتسعين بالمئة من المصريين يؤيدون أداء الرئيس.
الحق أقول إنه بدون ثورة حقيقية يقوم بها النظام لإصلاح التعليم والصحة، والقضاء على تفشي الخطاب الديني المتشدد، الذي يفتح الطريق أمام نشر أفكار تنظيم «داعش» الإرهابي، كما بدا في هجوم حلوان الذي أودى بحياة عدد غير مسبوق من شهداء الشرطة، ناهيك عن جريمة «تعرية» مصر وروحها، وأنه بدون ثورة ضد سياسة الحكم البوليسي الذي يقتل الحرية وحقوق الإنسان، ويجعل العمل الصحافي جريمة، فإن الدولة المصرية العتيدة ربما بدأت ترتكب عملا انقلابيا ضد أسباب وجودها ذاته. أما ما سيبقى في تاريخ هذه الذكرى، فهو أن بعض المصريين الذين طالما وفروا سندا ثوريا صادقا لنظام 2013-3 – 7، اصبحوا اليوم يطرحون أسئلة صعبة، فالوضع يدفع بالبلاد إلى ما يراه البعض مساوئ نظام ما قبل 25- 1 2011، بل ونظام الإخوان، الأمر الذي دفعهم للاطاحة بسلطتي القمع والفاشية الدينية.
رسائل خاصة
1- ثمة اتفاق سياسي – فني في رمضان ، إذ يتكرس هذا العام باعتماد الدماء وسيلة وحيدة للتعبير. ففي بداية (الشهر الكريم) اتفقت الشاشات على تمجيد جرائم القتل الارهابية سواء في نشرات الأخبار أو الحلقات الأولى من المسلسلات. وكأن الحسنات تتضاعف في رمضان بعمليات العنف والدماء أيضا. يبدو أنها أمة قررت الاستسلام لمصيرها الدموي الطائفي المحتوم.
2- من أطفال سوريا بشكل خاص إلى الزعماء العرب دون استثناء: هل يمكن ان يكون الذبح اكثر رحمة في شهر رمضان؟ هذا السؤال من وحي تقرير تلفزيوني أذاعته مدرسة ابتدائية في لندن على زملائها تعاطفا مع معاناة الاطفال في سوريا في بداية رمضان، وهو ما لم تفعله جهات عربية. والنتيجة أنني تعرضت من احد التلاميذ لوابل من الاسئلة المستحيلة. 21 ألف طفل سوري قتلوا في خمس سنوات. اي طائفية او دين او صراع سياسي يمكن ان يبرر جريمة كهذه؟ وهل يسمح التاريخ لمرتكبيها بالإفلات؟
3- أما أطفال اليمن الذين تعرضوا للقتل أيضا، اكثر من خمسمئة طفل خلال عام، فقد قررت الأمم المتحدة سحب اتهامها للمتهمين بالتورط، بدون تفسير واضح، ما اثار استنكار اجهزة حقوقية دولية اتهمت الامين العام بالتواطؤ في تشجيع اضافي لقتل المزيد من الاطفال. فيا لها من هدية في «رمضان كريم» حقا.
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي