سيد قطب في أورلاندو

حجم الخط
34

مايك دافيز، المؤرخ والناشط والمنظّر السياسي الأمريكي، أحد هؤلاء الذين اختاروا البحث عن جذور ثقافية، أو ربما إبداعية وتخييلية، لما تشهده الولايات المتحدة من دورات عنف متعاقبة، تنطبق عليها تسميات شتى، تتقاطع أو تتطابق لكي تنتهي عند فكرة الكره: كره الآخر أولاً، والأسباب لا تُعدّ ولا تحصى؛ ثمّ كره الذات، ضمن الأسباب ذاتها، أو ما يماثلها ويدانيها. وفي مقالة ممتازة بعنوان «لهيب نيويورك»، نشرتها مجلة «نيو ليفت ريفيو» أواخر العام 2001، تعليقاً على 11/9، عاد دافيز إلى الروائي البريطاني هـ. ج. ولز (1866 ـ 1946)، أحد أبرز روّاد قصص الخيال العلمي؛ والشاعر الإسباني فدريكو غارثيا لوركا (1898 ـ 1936)، وتحديداً في مجموعة قصائد «شاعر في نيويورك»؛ وسيد قطب (1906 ـ 1966)، الناقد والمنظّر الإسلامي المصري.
من الخير أن يُترك ولز ولوركا جانباً، لأنّ المقام هنا لا يسمح باستعراض موقفيهما إزاء أمريكا؛ ومن الحكمة، في المقابل، أن تُقتبس حالة قطب، ليس لخدمة المقارنة بين الماضي والحاضر فقط، بل كذلك لكي يوضع «إسلام أمريكا» في إطار تاريخي مقارن. ففي خريف 1948 كان قطب، الشاعر الذي أوفدته الحكومة المصرية لدراسة طرائق التعليم في الولايات المتحدة، يتجوّل في نيويورك، وفي الشارع 42 تحديداً. كان قد جاء إلى أمريكا وهو معجب بالحداثة الليبرالية، ولكنّ سياسات هاري ترومان أثارت في نفسه الاشمئزاز، فانتهى إلى إرسال بطاقة بريد إلى أهله، كتب فيها ما معناه: «لو أصبح العالم على مثال أمريكا، فهذه لا ريب كارثة للإنسانية جمعاء».
وكما هو معروف، مرّ قطب بطَوْر من التحوّل الديني العميق، وعاد إلى القاهرة بعد سنتين وهو عضو متحمّس في تنظيم «الإخوان المسلمين»؛ وسرعان ما اعتُقل، وقضى 11 سنة في السجن، ثمّ أُعدم شنقاً بتهمة ملفقة هي التآمر على قلب نظام الحكم. وبعد ثلاثة عقود ونيف، حين تهاوى البرجان في نيويورك، وصار تنظيم «القاعدة» على كل شفة ولسان، كتبت «نيويورك تايمز» أنّ قطب هو الجدّ الفكري لأمثال أسامة بن لادن، وأنّ كتابه «معالم على الطريق» هو نظير كتاب لينين «ما العمل؟» عند البلاشفة.
من جانبه تساءل دافيز عن الأسباب العميقة التي جعلت قطب ينقلب عن الليبرالية، ليصبح معروفاً على نطاق العالم في صورة الفيلسوف الأبرز للإسلام الراديكالي؟ ألا يبدو ردّ فعله على المدينة شبيهاً بما أحسّ به لوركا قبل عشرين عاماً، حول المال والذهب والعفونة؟ ألا تشي كتاباته عن تلك المرحلة بنفور شديد من التمييز العنصري السائد في أمريكا تلك الحقبة، خصوصاً عند رجل مصري داكن البشرة قادم من أعالي مصر؟ وإذا تابع المرء هذا الخطّ في التفكير، وافترض وجود نموذج معاصر من سيد قطب في أورلاندو، بعد المجزرة التي ارتكبها مواطن أمريكي مسلم يُدعى عمر متين؛ فإلى أيّ امتحان، أو محنة، سوف تُقاد آراء قطب الليبرالية، أو المستنيرة، أو الإصلاحية… في الاجتماع الأمريكي الراهن، زمن دونالد ترامب؟ وكم ستطمس صفة «مسلم» من أبعاد المجزرة الأخرى، النفسية ـ المَرَضية والسياسية ـ الاجتماعية، وكم ستختزلها، وتشوّه مضامينها؟
الأكيد، في كلّ حال، أنّ سيد قطب أمريكا ما بعد أورلاندو لن يحظى بفضيلة الشك التي تمنحها علوم النفس والاجتماع والجريمة لما يُسمّى «الذئب الأعزل»؛ الذي ينفّذ مقتلة ما، لنوازع عديدة، ولكنه لا ينجح في تنفيذها إلا لأنّ القوانين تتيح له شراء وحيازة كلّ، وأيّ، سلاح ثقيل. هذا كان امتياز أمثال آدم لانزا وجيمس هولمز وديلان روف، أبطال مذابح ساندي هوك وأورورا وكنيسة شارلستون؛ وهذا ما لا يلوح أنه سيكون، ذات يوم، لأي عمر متين، أو محمد سلامة، أو… سيد قطب!

سيد قطب في أورلاندو

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية