لا يخلو من معنى هذا التنويع البرامجي العربي على فكرة الكاميرا الخفية. فجأة تحوّل هذا النوع خفيف الظل، والمضحك من القلب، إلى برنامج ميلودرامي معدّ للبكاء. هكذا وجد المشاهدون أنفهسم أمام برنامج «الصدمة»، الذي يبث على قناة «أم بي سي»، نموذجاً لكاميرا خفية اجتماعية ميلودرامية أغرقت الناس بالدمع.
البرنامج مؤثر جداً، ولكنه أُثقل إلى حد كبير بالوعظ والإرشاد. الأساس هو مشهد تمثيلي مستفز، يصوّر كيف يهان من لا قدرة له على الدفاع عن نفسه أمام الناس، وكيف سيتصرف الناس عند مشاهدتهم ذلك، وبذلك يكون المشهد اختباراً لحميّة الناس، وفهمهم لدورهم، وقدرتهم على تحملّ مشهد إهانة للكرامة الإنسانية. لكن البرنامج لا يكتفي بذلك المشهد، فهو يقدّم له بتعليق، قد يسوق خلاله صوراً وأشرطة فيديو محملة على «يوتيوب»، أما بعد المشهد فستكون هناك لقاءات مع الناس، الذين لم يتمالكوا أنفسهم، وقاموا بردّات فعل على المشهد. هكذا سنجد أن الحلقة الواحدة جرى مطّها إلى أضعاف الوقت اللازم، وهذه خاصية تلفزيونية، رمضانية بشكل خاص، من شأنها أن تفسد أحسن البرامج.
الأمر أقرب ما يكون إلى الفارق بين لوحة كاريكاتيرية أرادت أن توصل المغزى بالتكوينات والخطوط والألوان وحدها، وبين لوحة أخرى امتلأت بتعليق يشرح المعنى، أو حوار مكتوب يصبح هو الهدف، لا الرسم.
أما الموسيقى فوحدها ستقوم بالمهمة كلها، وستشي بما يريده أصحاب البرنامج، حيث البكاء أولاً وأخيراً، هذا هو المعنى إذاً، هناك من يريد للناس في هذه الجهة من الكرة الأرضية، أن تبكي لا أن تضحك، هذا هو معيارهم الوحيد للتأثير، وللعمل الفني الهادف.
الاستثمار في العصبيات
لكن أخطر ما في برنامج «الصدمة»، وهو من أكثر البرامج العربية متابعة وتأثيراً في رمضان الجاري، أنه يستثمر في العصبيات الوطنية، سنرى مثلاً في حلقة عن التحرش كيف ينتقل المشهد من مصر إلى العراق ولبنان والسعودية. سيدهش الناس لمقدار العنف في العراق إزاء حادثة التحرش، وغيرها، مثل «إهانة أب»، بالقدر نفسه الذي سيدهشهم مقدار «الرَواق» في لبنان والسعودية. التحرش بالنساء استفز العابرين إلى حدّ الضرب العنيف في العراق، لكن في لبنان مرت الأمور بمنتهى «الرواق»، وفي السعودية أقصى ما حدث أن شاباً خلع العقال عن رأسه، من دون أن يظهر أنه مقبل على فعل شيء. لكن بالطبع هذا لا يعني أن الناس في لبنان والسعودية لم تستنكر الحدث، الفارق كان في طرق تعبيرهم عن الاستنكار.
ومع أن ردود الفعل في كل بلد تستحق الدرس والبحث الاجتماعي المعمق حول مغزى ردة الفعل وكيف تجسدت، إلا أن الخطر هو في الجدل الناشب تالياً، حين اعتبر المشاهدون، في نقاشاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، أن ردود الفعل ستجعل من هذا الشعب أكثر أو أقل تحضّراً، أكثر أو أقل عنفاً أو سلمية، أو قبولاً للإهانة.
يبدو أن التلفزيون لن يتمكّن من أن يكون عابراً للأقطار إلا إذا عزف على تلك الأوتار القبلية.
برنامج مهين
الحلقة الثالثة من برنامج «الصدمة» حملت الإسم «إهانة منغولي»، وهو عنوان استفز الكثيرين، استخدام يؤكد أن أصحاب البرنامج إنما ينسخون ويعيدون مشاهد للكاميرا الخفية معروفة في الغرب. إنهم، في وقت يزعمون توعية الناس وحضّهم على احترام البشر، يستعملون هذا الإسم المهين لأحد أشكال الاحتياجات الخاصة، وقد بات معروفاً أن الاسم الصحيح لتلك الحالة هو «متلازمة داون».
مهن جديدة في الدراما السورية
يلاحظ ممثل سوري أن الظاهرة الأبرز في المسلسلات التلفزيونية السورية لهذا العام هي الأسنان البيضاء الفاقعة للممثلين، والتي من الواضح أنه جرى تبييضها وترميمها على عجل قبيل تصوير المسلسل. ويقترح الممثل أن يضاف إلى الوظائف التقنية الفنية في المسلسل، على غرار مصمم الملابس والديكور والإضاءة، وظيفة مبيض أسنان، وصولاً إلى إعادة الاعتبار إلى وظائف آخرى والاحتفاظ بحقوق أصحابها كطبيب التجميل، وصنّاع مواد السيليكون والبوتوكس وسواها من حشوات التجميل.
إذا كان مشغّل مولدة الكهرباء في موقع تصوير المسلسل حظي أخيراً بمكانة رفيعة في «تيترات» المسلسل، حيث أضافت بعض المسلسلات وظيفة «فني مولدة كهرباء»، وهي وظيفة جديدة في صناعة الدراما السورية، لصيقة بالحرب التي جعلت من التيار الكهربائي حلماً بعيد المنال، فمن باب أولى أن يحظى طبيب التجميل ومبيض الأسنان باسم له بارز في شارة المسلسل.
الشريان الآخر
مكانة الإعلامي داوود الشريان في الكتابة غير مكانته مقدماً لبرنامج تلفزيوني، كأن ضريبة الظهور على شاشة التلفزيون أن يكون المرء بهذه السطحية. لا يتوقع المرء من المغنية سميرة توفيق مقابلة استثنائية، كتلك التي يمكن أن ينتظرها من فنانة مثقفة ودارسة للموسيقى، لكن في المقابل لا يتوقع أن نشهد كل هذا البؤس في مقابلتها مع الشريان، على الأقل نتوقع منه أن يدير الدّفة باتجاه نبش قصص وحكايات حياة شغلتها وأشعلتها توفيق طولاً وعرضاً.
أما أن يقضي الشريان الوقت في التغزّل بغمزات عيونها، وغمازات خدودها فربما حان الوقت للقول للشريان وبرنامجه: كفى ثرثرة، وارفع المستوى قليلاً، على الأقل بما يليق بك كاتباً كنا نحب يوماً ما يكتب.
طبع الفنان قدرُه
الفنان السوري المعارض همام حوت أراد أن يعبّر عن استيائه من الفصائل المسلحة المعارضة في درعا، جنوبي سوريا، لـ «تخاذلهم»، حسب وصفه، فوضع على صفحته على الـ «فيسبوك» حمالة صدر «سوتيان» مرفقاً إياها بعبارة تقول «قادة الموك المتخاذلين بدرعا، لست خجولاً حين أقول لكم مرة أخرى السوتيان يليق بكم».
هكذا فجّر حوت ثورة لدى الناشطين السوريين تلومه على اعتبار المرأة عاراً وشتيمة، عدا عن لومه في الأساس على شتيمته بحق هؤلاء الباقين في مدينة مهد الثورة السورية.
ومع ذلك، وحتى الساعة، لم يدل همام حوت بأي توضيح، أو اعتذار، ولم يزل منشوره المسيء. على الأرجح، لم تستطع سنوات الثورة السورية الخمس أن تغيّر من طبع الفنان، الذي كان أحد رموز موالاة النظام السوري، يبدو أن هناك أشياء لا تتغير بفعل الزمن، أو الثورات، أحياناً طبع الإنسان هو قَدَرُه.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى