باريس ـ لندن «القدس العربي»: طالب رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، مصطفى صنع الله، حكومة الوفاق الوطني بمعالجة موضوع حماية الحقول والمنشآت النفطية، ووضع سياسة جديدة لتأمينها من خلال عناصر ملتزمة دون الدخول في علميات استغلال أو ابتزاز بحجج واهية.
وقال صنع الله في حوار مطول مع «القدس العربي»، ان تهريب المحروقات مشكلة مزمنة في ليبيا، موضحا ان عمليات التهريب أصبحت بعد 2011 منظمة وترتزق منها الكثير من الجهات غير الشرعية والعصابات المنظمة في الدول الافريقية والأوروبية.
ولخص صنع الله أهم العراقيل التي يواجها قطاع النفط والغاز في غياب سلطة الدولة والانفلات الأمني وإنعدام الاستقرار، والتشظي والانقسام السياسي في البلاد، وشح الموارد والمخصصات المالية المعتمدة للقطاع. وفيما يلي نص الحوار:
■ هل تعمل المؤسسة على دعم وزيادة إنتاجها الحالي من النفط؟
□ المؤسسة دائما تعمل من أجل زيادة الإنتاج وهذا من صميم عملها وهي تحاول في ظل هذه الظروف المساهمة في حل المعوقات من أمام رفع مستويات الإنتاج بالتنسيق مع الجهات المختصة في الدولة.
■ ما هي الإجراءات التي اتخذتها المؤسسة لحماية الحقول والمنشآت النفطية؟
□ أولا الإجراءات والمتطلبات الأمنية ومستويات الحماية تختلف من مكان إلى آخر، والإجراءات التي أتخذت في هذا الجانب هي وفق ما تنص عليه القوانين النافذة على أن حماية المنشآت النفطية موكلة إلى جهاز حرس المنشآت النفطية، وهذا الموضوع يحتاج إلى معالجة عاجلة من حكومة الوفاق ووضع سياسة جديدة تعمل بأكثر فاعلية ومسؤولية على تأمين الحقول والموانئ النفطية من خلال عناصر تلتزم بمهامها دون الدخول في أي أعمال أخرى خارج الإطار القانوني ودون إستغلال أو إبتزاز للدولة الليبية بحجج واهية. كما تضمن هذه السياسة استخدام التقنية الحديثة في عمليات الحراسة والمراقبة والتوثيق لكل الأحداث.
ومع ذلك فإن المؤسسة وضمن حدود إختصاصاتها وداخل حدود المواقع النفطية كونت لجنة مستقلة تعمل على تنفيذ دراسة ووضع العديد من الحلول والمقترحات التي من شأنها أن ترفع مستوى حمايتها، وبالفعل فقد قامت الشركات النفطية بتنفيذ كثير من المشروعات في هذا الجانب والتي شملت إقامة السواتر الترابية وتركيب منظومات المراقبة والبوابات الالكترونية وتشغيل منظومات الإطفاء المختلفة ورفع مستوى العاملين في مجال الأمن الصناعي.
■ هل تم تنفيذ أعمال الصيانة في الحقول المتضررة من أعمال النهب والتخريب؟
□ الحقول النفطية تتفاوت فيها نسبة التخريب. هناك حقول تضررت بالكامل وهي التي تعرضت لهجمات مسلحة من التنظيمات الإرهابية وهذه الحقول ما زالت في منطقة الخطر، وتقوم الشركات النفطية حاليا بتتقيم الموقف من خلال المعلومات والبيانات القليلة التي تم الحصول عليها ويتم وضع وإعداد مخططات الصيانة وبدائل طرق الإنتاج بصورة مبدئية وما زلنا في انتظار تحسن الموقف الأمني فيها حتى تتمكن الشركات والمختصون فيها من تقييم تلك الأضرار بصورة كاملة وعندها يتم إختيار البديل المناسب وتطويره حسب حجم الضرر.
أما الحقول الأخرى فإن الشركات النفطية تقوم بإجراء عمليات الصيانة بما يتوفر لديها حاليا من إمكانيات بشرية ومادية، كما تم وضع الخطط المتكاملة لأجل تعويض المفقودات من مواد التشغيل وقطع الغيار اللازمة لإجراء عمليات الصيانة والتطوير حال عودة الشركات الخدمية للحقول النفطية وتوفر الموارد المالية اللازمة لذلك.
■ ماذا عن ظاهرة تهريب المحروقات؟ وما هي الخطوات الكفيلة للحد من هذه الظاهرة؟
□ تهريب المحروقات مشكلة مزمنة في ليبيا، وهي نتيجة للتشوهات الموجودة في الاقتصاد الليبي، ولكن تفاقمت وبصورة كبيرة بعد عام2011 وهذه الظاهرة ناتجة عن عملية دعم المحروقات الموروثة عن النظام السابق والانفلات الأمني على الحدود مع الدول المجاورة، وأصبحت عمليات التهريب منظمة وترتزق منها الكثير من الجهات غير الشرعية والعصابات المنظمة في الدول الأخرى الافريقية والأوروبية منها.
في اعتقادنا أن الحل الأمثل لهذه المشكلة يدخل ضمن المعالجات النهائية لمشكلات الاقتصاد الليبي والمتمثلة في جانب منها في عملية رفع الدعم عن المحروقات مع استمرار إحتكار المؤسسة لعملية التوريد من الخارج وتزويد شركات التوزيع بإحتياجاتها من المحروقات وفق آلية محددة، وهذا لن يكون مجديا إلا بعد معالجة المشكلات التي ستترتب على عملية الرفع تجاه المواطن الليبي حتى لا يتأثر مستوى المعيشة المتدني أصلا، كما أن إلاستقرار وإستباب الأمن ووجود حكومة قادرة على السيطرة على الحدود وتطبيق القانون، تعتبر حلا قد يعيد الأمور إلى نصابها ولو جزئيا وخطوة في إتجاه حلحلة المشكلات الاقتصادية المختلفة في ليبيا.
من جانب آخر يمكن معالجة هذا الموضوع بالاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي قامت بإستخدام البطاقات الذكية لتوزيع المحروقات المدعومة لعدد محدد من المركبات، وما زاد على ذلك يتم تزويدها بالسعر الفعلي. أيضا على الدولة أن تقوم بتطوير نظام النقل العام والنقل الجماعي وفرض رسوم على إستيراد السيارات للحد من الاستعمال المفرط لها، كما يمكن أن يتم الانتقال إلى إستعمال المركبات التي تسير بالغاز وهو أقل تكلفة من الغازولين ما سيوفر أموالا على خزينة الدولة، والمؤسسة دائما على استعداد للتعاون مع الجهات المختصة لدراسة ووضع الحلول المناسبة لهذه المشكلة.
■ في الفترة الماضية أبرمت المؤسسة اتفاقية مع مؤسسة «تكنيب» الفرنسية في شأن تطوير الحقول البحرية، ما جدوى هذه الاتفاقية، وهل نتوقع اتفاقيات مماثلة مع شركات أخرى؟
□ ما تم توقيعه خلال الأيام الماضية بين شركة مليته للنفط والغاز وشركة «تكنيب» هو وثيقة نية التعاقد على تنفيذ مشروع المرحلة الثانية من عملية تطوير حقل بحر السلام، وهذا المشروع بدأت في دراسته منذ نهاية التسعينيات، ومر بعدة مراحل وفق ما تنص عليه القوانين واللوائح المنظمة وتم تنفيذ بعض مشاريع هذه المرحلة منذ فترة، والآن وصلنا إلى هذه المرحلة وهي أعمال جديدة كليا والتي أرسيت على شركة «تكنيب» وبعون الله سوف يتم توقيع عقد التنفيذ في طرابلس خلال هذه الأيام، ونتوقع عند إكتمال هذا المشروع أن ترتفع إنتاجية هذا الحقل بما يعادل بليون قدم مكعب من الغاز يوميا (1bcf) ما يرفع ويحافظ على إنتاج ليبيا من الغاز، وسوف يساهم في تلبية الطلب المحلي المتزايد على الغاز وإمكانية تصدير الفائض منه إلى السوق العالمية. وبخصوص توقيع عقود أخرى، فالمؤسسة عازمة على تطوير مختلف مكونات قطاع النفط والغاز من الحقول والموانئ والمصافي والمصانع، ونأمل أن يتحسن الوضع الأمني حتى تنطلق المؤسسة في تنفيذ هذه البرامج والتي انتهت من وضع مخططاتها لجان فنية متخصصة عملت طيلة السنوات الماضية على هذه المشروعات.
■ هل من خطط مستقبلية تعمل عليها المؤسسة من أجل تحقيق التنمية وتساهم في دعم الاقتصاد الوطني؟
□ نعم خلال السنوات الماضية ورغم الظروف والمتغيرات إلا أن المختصين في المؤسسة قاموا بإعداد الخطط والبرامج التي من شأنها أن تطور قطاع النفط والغاز وتدعم الاقتصاد الوطني بصورة كبيرة جدا، وقد إنقسمت هذه المخططات إلى عاجلة والتي نهدف منها إلى صيانة الحقول والموانئ النفطية وتحسين إنتاجية المصافي والمصانع البتروكيميائية والعودة بالقطاع إلى مستويات الإنتاج السابقة قبل بدء الأحداث. من جانب آخر فقد قامت المؤسسة بوضع مخططات التطوير المستقبلية لمشاريع إستثمارية كبيرة في مجالات النفط والغازالهدف منها رفع الطاقة الإنتاجية من النفط الخام إلى مليوني برميل في اليوم، كما تستهدف رفع الطاقة التكريرية للمصافي الليبية إلى 1.2 مليون برميل في اليوم وإنشاء عدد من المجمعات الصناعية لإنتاج المواد الأولية التي تدخل في الصناعات الصغرى والمتوسطة والتي سوف تساهم بصورة كبيرة في دعم الاقتصاد الوطني وخلق بنية تحتية لإحداث تطور صناعي محلي يعالج الكثير من الاختناقات في الاقتصاد الليبي ويفتح آفاقا كبيرة أمام الشباب للعمل والإنتاج والمساهمة في تحسين مستوى معيشة الفرد في ليبيا.
■ أشرت في اجتماع باريس إلى أهمية الأمن والاستقرار في عودة الشركات الأجنبية إلى ليبيا، هل وضعت المؤسسة خطة لضمان عودة الشركات؟
□ الجميع يعلم أن الأمن والاستقرار هما شرطان أساسيان للقيام بأي نشاط اقتصادي سواء للشركات المحلية أو الأجنبية، وهذا ما نعمل عليه مع الجهات المختصة، ودعمنا أي توافق في ليبيا من أجل تحقيق هذا الهدف والذي يصب في مصلحة الجميع، ونحن على تواصل مع الشركات العالمية التي ترغب في العمل في ليبيا من أجل مساعدتها وتزويدها بالبيانات الحقيقية لإعداد التقييم الأمني لأي منطقة ترغب العمل فيها. ورغم الحالة الأمنية في بعض المناطق والمدن الليبية إلا ان كثيرا من المناطق الليبية وخاصة بعض الحقول النفطية توجد فيها فرص للعمل نظرا لتوفر الاستقرار والأمن فيها، ولهذا فنحن نحث الشركات من أجل عودتها للعمل ومساهمتها في تنفيذ المشروعات، كما أن هذا الوقت يعتبر فرصة مناسبة للشركات الراغبة فعليا للعودة في الوقت الذي يبتعد فيه الكثير.
■ ماذا عن الشركات الأجنبية العاملة في ليبيا، هل تتوقعون عودتها في الوقت الحالي؟
□ نحن نقول أن الباب مفتوح أمام الجميع، ونحن نعمل بكل شفافية، وعلى الشركات أن تقيم الموقف وتقرر العودة في الوقت الحالي من عدمه، وأحب أن أؤكد أن هناك الكثير من إلاشارات الايجابية من بعض الشركات وخاصة شركاء المؤسسة للعودة القريبة إن شاء الله وإنطلاق عمليات الاستكشاف والإنتاج من جديد، والمؤسسة سوف تقف بكل قوة إلى جانب هذه الشركات وتدعمها بكل ما تستطيع.
■ ما هي وجهة نظر ومتطلبات الشركات العالمية للعودة للعمل في ليبيا؟
□ الجميع مثلنا ينشد الاستقرار والأمن في كل ربوع البلاد ووجود حكومة دائمة في ليبيا وعودة كل مؤسسات الدولة للعمل بكل جدية ووفق القوانين السارية.
■ هل وضعت الحكومة مخططات لحماية المرافق النفطية؟
□ نحن في إنتظار أن تأخذ حكومة الوفاق زمام الأمور في كل ربوع البلاد، وتتمكن من بسط سلطتها التامة ورغم هذا نحن نتعاون مع أي جهد من أجل الوفاق في ليبيا وبناء الدولة الموحدة القوية وسنعمل معها على وضع وتنفيذ الخطط التي من شأنها حماية المرافق النفطية وخلال الفترة الماضية اكتسبنا المعرفة والقدرة على تقييم الأخطار وطرق مجابهتها في كل المواقع النفطية والتي تختلف من مكان إلى آخر.
■ ما هي أهم العراقيل التي يواجها قطاع النفط والغاز؟
□ في الحقيقة هذا السؤال إجابته تأخذ مساحة كبيرة، وأعتقد أن أي إنسان قادر على معرفة العراقيل التي تواجه أي مرفق اقتصادي في هذه الظروف الصعبة والمتغيرة. ويمكن أن نلخصها في نقاط أساسية تختزل تحتها بقية العراقيل وهي:
ـ غياب سلطة الدولة والانفلات الأمني وإنعدام الاستقرار.
ـ التشظي والانقسام السياسي في البلاد.
ـ شح الموارد والمخصصات المالية المعتمدة للقطاع.
■ دعم قطاع النفط يعتمد على دعم الحكومة، هل تقوم الحكومة بتلبية طلباتكم؟
□ المؤسسة الوطنية للنفط منذ بداية الصراع السياسي والعسكري في البلاد عام 2014 أخذت على عاتقها أن تعمل بكل مهنية وحيادية من أجل صالح كل الشعب الليبي وبقيت والحمد لله ركيزة من الركائز التي تحافظ على وحدة ليبيا ووجودها كدولة، وتعاونها في ذلك مع المؤسسات الدولية التي بدورها دعمت المؤسسة ووقفت معها في كثير من الأحيان لتقوم بدورها المهني.
وعندما توافق الليبيون على الحل السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة، كانت المؤسسة من بين أولى المؤسسات التي أعلنت دعمها والعمل تحت إشراف حكومة الوفاق وتأمل أن تعمل مع هذه الحكومة لمعالجة كل المعوقات القانونية والمالية للكثير من المسائل حتى يعود العمل في قطاع النفط والغاز بكل قوة ويرتفع معدل الإنتاج مما سوف يؤمن للحكومة الموارد المالية المناسبة لمعالجة بقية القضايا التي تهم حياة المواطن في كل مكان وعودة مؤسسات الدولة للعمل وبناء القدرات الوطنية في مختلف المجالات.