استفتاء بريطانيا: سردية فشل معلَن

حجم الخط
22

 

في وسع الباحث عن تفسير للاستفتاء البريطاني، الذي اختار الخروج بالبلد من الاتحاد الأوروبي، أن يتكئ على أسباب عديدة، داخلية وخارجية، تتحلى جميعها بوجاهة عالية؛ من حيث اتصالها بالتاريخ والجغرافيا والحسّ القومي ونزعة الانعزال، أسوة بالاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة.
وبادئ ذي بدء، هل كانت بريطانيا «أوروبية» حقاً، في أيّ يوم، خلال أطوار نشوء وتَحقّق فكرة الاتحاد الأوروبي؛ منذ اتفاقية روما 1957 (التي صنعت نواة الوحدة الاقتصادية الأوروبية، عبر السوق المشتركة)، وحتى معاهدة لشبونة 2007 (التي حلّت محلّ «الدستور»، بعد أن رفضه الفرنسيون في استفتاء شعبي)، ليس دون المرور بالعام 1999 الذي شهد إقرار اليورو كعملة أوروبية موحدة. ورغم وجود بريطانيا داخل الاتحاد من حيث الشكل والاجتماعات والقمم والتصنيفات القارية، فقد بقي الجنيه الإسترليني مستقلاً منعزلاً، وبقيت حدود بريطانيا مغلقة أمام تأشيرة شنغن الموحدة.
وأما المزاج الشعبي ـ أو نسبة 52٪ على الأقلّ من البريطانيين، إذا احتُسب المؤشر قياساً على نسبة الـ«لا» في الاستفتاء الأخير ـ فقد لبث عند مفهوم الجزيرة المستقلة، ذات الأمجاد الإمبراطورية والكولونيالية العريقة، التي تجترّ تاريخاً عاصفاً مع أوروبا، مثلما تغرق في أنماط شتى من الرهاب إزاء «الآخر» و«الغريب» و»المهاجر». بعض أبناء هذه الحصيلة ذهب، مؤخراً، إلى درجة اغتيال النائبة الشابة جو كوكس، ضمن سُعار التمترس خلف شعار «بريطانيا أولاً».
وبهذا المعنى، في تبصّر سبب ثانٍ، فإنّ استفتاء البريطانيين كان أقرب إلى سردية فشل معلَن، على صعيد علاقة الحكومات البريطانية بالاتحاد الأوروبي أولاً؛ وكيف عجز الطرفان عن تليين عريكة قوانين الاتحاد البيروقراطية المتزمتة خلال جولات تفاوض كثيرة، حول مسائل اجتماعية ومعاشية واقتصادية ومصرفية واستثمارية تمسّ حياة الناس على نطاق دول الاتحاد كافة في الواقع، وليس بريطانيا وحدها. وما دام أهل البلد قد شاهدوا سوابق استفتاء في بلدان أوروبية أخرى، اتسمت عموماً بالسلبية والرفض؛ ثم أبصروا بأمّ العين ما صار إليه اقتصاد اليونان، وما يتهدد اقتصادات إسبانيا والبرتغال وإيطاليا؛ فما الذي سيحثهم، حقاً، على التصويت بـ»نعم»؟
سبب ثالث هو سياسات التقشف التي اعتمدتها حكومة دافيد كاميرون، أو بالأحرى سلّة الخيارات الاقتصادية والمالية التي ابتدعها وزير المالية جورج أوزبورن (صاحب نظرية «جنيه الثقة»، والخطط والقوانين التي جعلت بريطانيا «أسوأ حالاً من أي وقت مضى منذ أزمة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن الماضي»، حسب الاقتصادي الأمريكي بول كروغمان). ورغم أنّ الناخب البريطاني أبقى المحافظين في الحكم، في الدور التشريعي الأخير، لأنّ البديل بدا أسوأ وأشدّ إنذاراً بالمشاقّ؛ فإنّ هذا الناخب إياه ذهب إلى صندوق الاستفتاء على مستقبل بريطانيا محمّلاً بالهواجس ذاتها، وبينها مفارقة أنّ أوزبورن نفسه، فضلاً عن كاميرون، يحمل راية الـ«نعم»!
سبب الفشل الرابع هو تخبط «حزب العمال»، فريق معارضة الحكومة الأبرز، في تكوين جبهة «نعم» متماسكة وموحدة وتعددية، تقنع المواطن البريطاني بأنّ بقاءه داخل الاتحاد الأوروبي ليس تتمة منطقية لحال العناء التي أوقعتها فيه سياسات «المحافظين». وليس غريباً أن يكون جيريمي كوربين، زعيم «العمال»، هو اليوم في مرمى نيران النقد التي تُوجّه إليه من نوّاب حزبه أنفسهم، لأن تأييده لحملة البقاء لم يكن فاتراً وخجولاً، فحسب؛ بل انقلب إلى مادّة أحسن توظيفها أمثال نايجل فراج، زعيم «حزب استقلال المملكة المتحدة»؛ وبوريس جونسون، عمدة لندن السابق وأحد أبرز وجوه الـ«لا» داخل «المحافظين».
ثمة أسباب أخــرى بالطـــبع، لكنّ الأســباب كلها لا تلـــغي حقيقة أنّ نتيجــــة الاستفتاء هي قرار الشعب في نهاية المطاف، أو نسبة الـ52٪ التي صارت مُلزمة للـ100٪. هذه هي الديمقراطية، أهل البلد أدرى بشعابها، حتى في ما يلوح أنها سرديات فشل معلَن!

استفتاء بريطانيا: سردية فشل معلَن

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية