■ عنوان هذا المقال وأفكاره اقتبسناها من جملة قالها تشومسكي اللّساني الأمريكي الشهير في سياق مخصوص من كتابه الصادر عام 1957 تحت عنوان «البنى النحوية». والجملة التي طبّقت الآفاق بشهرة أذهلت تشومسكي نفسه نصّها المعرّب هو التالي: «الأفكار الخضراء عديمة اللون تنام في غضب».
قد لا يعرف كثير من القرّاء أنّ نوام تشومسكي لسانيّ قبل أن يكون ذلك المفكّر الملتزم الذي لا يريد أن يتجه بخطابه إلى أقوياء العالم والمؤثرين في سياساته، بل إلى عامة النّاس الذين يحتاجون وعيا بمبادئ الأمور كي يفعلوا؛ ولا عُذْرَ في رأيه لمفكّر صامت، ولاسيّما إذا كان ينعم بالعيش في مجتمع يكفل حرية التعبير. المهمّ أنّ تشومسكي اللساني كان له الفضل منذ خمسينيات القرن الماضي في تأسيس أكبر تيّار لسانيّ حديث يعرف اليوم بالنحو التوليدي.
نظرية النحو التوليدي ذات المناويل المتعدّدة أصولُها نفسية عرفانية ؛ ومن أبرز أفكارها أنّ للإنسان قدراتٍ ذهنيّة فطريّة من بينها قدرته اللّغوية التي تجعله يتعلّم من دون معلّم أيّ لغة ويفهمها، وذلك في سنوات حياته الأولى. فللإنسان لغة فطرية كونيّة لها نحو باطني أو ذهنيّ ؛ ومهمّة اللساني ليست كمهمة النحوي التقليدية: بناء نحو خاص للغة خاصة كالعربية مثلا، بل مهمته هي بناء ما يسمّيه بالنحو الكونيّ، أي أن يكشف النقاب عن قواعد اللغة الكونية وهي قواعد عميقة تتحكم في قواعد اللغات اليومية. فوراء الاختلافات العميقة بين اللغات توجد قواسم نحويّة (وبالتحديد تركيبيّة) مشتركة بينها يمكن جمعها في قواعد تركيبية موحّدة هي دليلنا لوضع رسم تقريبي لملامح النحو الذهني الباطني الذي يتحكم في تلك اللغة الباطنة.
ولقد ميّز تشومسكي في بعض نواحي نظريّته بين النحويّة، وهي أن يكون الكلام خاليا من اللحن مستجيبا لقواعد النحو، والامتلاء الدلالي وهو أن يكون الكلام دالاّ على معنى مفهوم؛ وفصل بالتالي بين وَهْم ساهم النحو التقليدي وحتى البلاغة القديمة في إرسائه يقول إنّه لا معنى لكلام يخرق بعض القواعد النحوية، وأنّه لا نحوية لكلام ليس فيه محتوى دلاليّ. فالرأي عند تشومسكي أنّ النحوية سِمَةٌ مفصولة عن وجود دلالة في الجملة أو على عدم وجودها فيها. وفي هذا السياق الفكري اللساني قدّم شمسكي جملته الشهيرة: «الأفكار الخضراء عديمة اللون تنام في غضب»، مثالا يبيّن من خلاله أنّه على الرغم من صحة هذه الجملة نحويّا فإنّها جملة غير دالة أو عديمة انفسهلمعنى. وهذه الجملة لا معنى لها لأنّ الأفكار هي في الوقت بلون أخضر وبلا لون وأنّها تنام، هي التي لا يمكن أن توصف بذلك، وفي غضب ومعلوم أنّه لا ينام قابل فعل النوم وهو على هذه الحالة. ويريد اللساني أنْ يبرهن على أنّ التركيب (أي الإعراب عندنا) مستوى مختلف عن الدلالة وأنّه مركزيّ في توليد الجُمَل.
لكنّ هذه الجملة التي استعملها تشومسكي في هذا السياق النظريّ المحدود صارت موضوعا لذاته وبحث لها كثيرون عن دلالات وضمّنها بعضهم في الشعر وفي الموسيقى، واستوحى الرسامون منها بعض الرسوم؛ وهذا ما جعل تشومسكي يقول، إنّ صناعة صغيرة قد فرّخت بمثال لغويّ بسيط. لقد صارت هذه الجملة ملهمة لأنّها خرجت عن سياقها ووضعت في سياق إبداعي. والسؤال الذي يطرح ههنا: كيف يمكن أن يكون إبداعيّا ما كانت دلالته معدومة؟
يحلو لكثير من علماء الدلالة أن يُميّزوا بين المعنى والدلالة، ويحلو لآخرين المرادفة بينهما؛ وليس في المسألة ثبات فقد تقتضي الحاجة أن نميّز بينهما مرّة ونرادف بينهما أخرى. هناك من يربط المعنى بحاصل ما للجملة من فائدة صريحة بينما يربط الدلالة لا بذلك الحاصل، بل بالاستعمالات التي يستخدم فيها تلك الجملة. وفي هذا السياق اشتهر قول فيلسوف اللغة الأمريكي فيتغنشتاين بأنّه لا يوجد معنى للكلم، بل توجد استعمالات لها؛ وإنشاء تعابير دالة ليس، عنده، مسألة إسقاط صورة منطقية عن العالم بقدر ما هو مسألة استعمال عبارات محددة بالمواضعة داخل «لعب اللغة» التي نلعبها في سيرورة التواصل اليومي؛ لذلك يكون معنى الكلمة هو في الغالب الكيفية التي نستعملها بها.
في هذا الإطار من الفهم يكون الاستعمال هو المحدّد لدلالة الجملة ومن ورائه الكلام، لكنّه استعمال محكوم بالمواضعة من ناحية وبدرجة دوران الكلام وبكيفية حدوث ذلك الدوران من ناحية ثانية. هذان المقياسان يجعلان جملة «تنام الأفكار» مقبولة بشيء من التوسع والتأويل ويجعلان جملة «تنام الأفكار الخضراء» أقلّ قبولا وهكذا إلى أن نصل إلى درجة من القبول ضعيفة أو متعذّرة بإكمال الجملة بالشكل الذي صاغه بها تشومسكي.
بهذا الاعتبار لا معنى للأقوال، بل لها قيمة تداولية حتّى إن كانت من نوع جملة تشومسكي. وبهذا الميزان يمكن أن تكون جملة غير دالةٍ مفهومةً إنْ وُجدت لها محضنة تداوليّة ويمكن أن تكون جملة دالة غير مفهومة إنْ فقدت محضنتها التداولية. في هذا السياق نفهم لمَ سارع شرّاح الأشعار القديمة إلى البحث عن المناسبات التي قيلت فيها القصائد حتّى إن كلّفهم الأمر وضْعَها مستلهمينها من بعض التفاصيل في النصوص نفسها (اُنظر على سبيل المثال حديث «دارة جلجل» التي وضعت لفهم بعض أبيات ذات صلة في معلقة امرئ القيس).
ولكنْ لا يعني هذا أنّا نضفي شرعيّة على كلّ كلام «غامض» أو «ملبس» أو «ملغز» أو «مشفّر» من غير مفاتيح. فلكي تُفهم جملة «تنام الأفكار..» وما شابهها فهما إبداعيّا فإنّ ذلك يتطلب «لعبا للغة» في سياقات مخصوصة. ويمكن أن نفترض لها سياقا معيّنا يجعلها مفهومة ولقد افترضت تلك السياقات لجملة شمسكي كأن تقال في سياق سياسيّ تٌتّهم فيه جماعة حزب الخُضْر بأنّهم لا يُحسنون التفكير، وأنّ أفكارهم ما أنزل الله بها من سلطان، وأنّهم جماعة على قلق وتوتر، رغم أنهم في نومهم يغطّون.. هذا التأويل لن يكون ممكنا بالرجم بالغيب بل بتوفّر المعرفة في ذهن جميع من يتلقّى الجملة بالوضعية التي قيلت لأجلها تلك الجملة، وهذا هو شكل المواضعة الاجتماعية الحقيقي وشكل لعب اللغة في الاستعمالات، ولا يمكن أن تلعب الكلمات بمعزل عن جمهور المستمعين، جمهور يعرف لمَ جَرَتْ اللعبة ووفق أيّ مبدأ ومن المتلاعب بها. أمّا إنْ خلت الجملة من هذه التفاصيل المتعلقة بتلعّبها وبمواضعاتها فإنّها ستكون كما قال عنها اللساني عديمة الدلالة وتكون أفكارها عديمة اللون لا لأنّ كلماتها غير مفهومة، بل لأنّ طريقة التلعّب بها وسياق استعمالها والمواضعة الضرورية والكافية لفهم تداولها في السياق الذي تداولها الناس فيه كانت جميعها عناصر غير معروفة.
يعتقد أصحاب الجمل من نوع (الأفكار عديمة اللون..) وعادة ما يكونون من الشعراء أو من الأدباء أنّهم مبدعون غير أنّ الناس لا تفهمهم والحقّ أنّ الرباطات التي ينبغي أن تكون بين الكلام والمواضعة، وبينه وبين الظروف والسياقات التي قيلت فيه مغيّبة عمدا. لا توجد بلاغة في الغموض لأنّه وقبل أن يكون المرء شاعرا أو متكلما بسيطا عليه أن يَبين والبيان تتغير مفاتيحه ومصابيحه قوانين لعبه والمواضعات التي بين طرفي التخاطب فيه بيد أنّها لا تغيب وإلاّ كانت كأفكار خضراء ولا لون لها في آن: أصحابها يرونها خضراء ونحن نراها عديمة اللون.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
توفيق قريرة