القاهرة ـ «القدس العربي»: لا يزال موضوع تسريب امتحانات الثانوية العامة وقرار تأجيل بعضها هو الأكثر اجتذابا لاهتمام الأغلبية، لأنه يمس كل أسرة، وقد أيد رئيس الوزراء موقف وزير التربية والتعليم، وتظاهر آلاف الطلاب أمام مقر الوزارة وأمام مباني ومديريات التربية والتعليم في المحافظات. أما زميلنا الرسام في «الوفد» عمرو عكاشة فأخبرنا أمس أيضا أنه رأي صديقين أحدهما معه آلة تكبير ويبحث من خلالها عن شيء على الأرض فسأله صديقه:
– بتدور على أيه؟
فرد عليه:
– على الضمير
ولا يزال الاهتمام من جانب الأغلبية موجها إلى القضايا ذاتها، ملايين من أصحاب المعاشات يترقبون الزيادات الجديدة، ومتابعة المسلسلات والبرامج، وأين سيتم قضاء إجازة العيد، والأسعار، وملايين المصابين بمرض «فيروس سي» يتابعون جهود الحكومة لتوفير العقار الجديد «الكيوريفو» بسبب نسبة الشفاء التي يحققها وتتراوح من 97 في المئة إلى مئة في المئة، والعلاج به مجاني. والحكومة مشغولة بتمرير الموازنة العامة من مجلس النواب ومفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بمبلغ خمسة مليارات دولار، وإنشاء صندوق مصر السيادي واسمه «أملاك» يتولى إدارة أصول الدولة على أسس اقتصادية.
والصحافيون منشغلون بما سيحدث من تطورات وتغييرات إذا أقر مجلس النواب اقتراح زميلنا وصديقنا عضو المجلس مصطفى بكري، إدخال تعديل يعطي رئيس الجمهورية حق إعادة تعيين رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف القومية، الذين انتهت مدتهم إلى أن يتم إقرار قانون الهيئة الوطنية للإعلام، الذي سيلغي وجود المجلس الأعلى للصحافة. أما رجال الأعمال والصناعة فإن اهتماماتهم مركزة على آثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتوفير الكهرباء والغاز لمصانعهم بشكل دائم، والجميع في انتظار الزيادات في الأسعار، ومن يعملون في قطاعات البناء والمقاولات هم الفئة الأكثر سعادة، سواء كانوا اصحاب شركات أو عمالا بسبب كثرة الأعمال المسندة إليهم في مشروعات البناء والطرق. أما عن السياسة فلا اهتمام يذكر من جانب الأغلبية باستثناء المنتمين إلى قوى واحزاب تواجه مشاكل مع النظام، مثل الإخوان وبعض منظمات حقوق الإنسان وبعض من كانوا مقربين من النظام ولم يعودوا كذلك، ومن يتابعون ما يحدث في سوريا والعراق وليبيا ويقبلون أياديهم على نعمة أنهم في مصر.
وإلى شيء من أشياء لدينا..
انتخابات المجالس المحلية
وإلى المعارك والردود المتنوعة التي لا رابط بينها غير قلق من أثارها ففي يوم الاثنين أثار زميلنا وصديقنا في «الأخبار» رئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف في عموده اليومي قضية انتخابات المجالس المحلية التي ستجري نهاية العام الحالي، وقال عنها في عموده اليومي «في الصميم»: « أخيراً.. أعلن رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل، إجراء انتخابات المحليات قبل نهاية العام. يحتاج الأمر لجهد كبير، في قانون المحليات لم يصدر بعد والمشاورات بشأنه مع القوى السياسية المختلفة لم تبدأ. والاستعدادات الحقيقية سواء في الأحزاب أو في الجهات المنظمة للانتخابات تحتاج وقتا وجهدا كبيرين.
أخشى أن يتم التعامل مع الأمر على أنه قضية ثانوية، بينما التغيير الحقيقي يمكن أن يبدأ من هنا. وقد سبق أن طالبت مرارا بأن تكون للانتخابات المحلية الأولوية بعد الثورة، ولكننا فضلنا الطريق الآخر لتكون الانتخابات المحلية آخر الاستحقاقات بعد انتخابات الرئاسة والبرلمان. سوء الأوضاع في المحليات وتفشي الفساد فيها وبقاء الوجوه القديمة.. كل ذلك يجعل من انتخابات المحليات فرصة حقيقية لإصلاح الأوضاع من حيث تتركز المصالح اليومية للمواطن.. بدءا من رغيف الخبز وحتى التعليم والصحة.
لو أن الثورة من البداية أعطت الفرصة لشبابها لكي ينتقلوا من الممارسات الضيقة داخل مقار الأحزاب والائتلافات والجمعيات، إلى رحابة العمل وسط الملايين وتحمل همومهم وحل مشاكلهم من خلال المحليات، لكان الأمر قد اختلف كثيرا.
في ظل محليات تتخلص من الوجوه الفاسدة.. لن تكون هناك المافيا التي تنخر في جسد الوطن. تسرق دعم الغلابة. تغش في الأسمدة والمبيدات. تسرق المزارع الشقيان. تخلط القمح بالتراب. تفسد التعليم وتنشر الغش. تترك المستشفيات العامة بلا أطباء ولا علاج.
وفي ظل محليات تتخلص من الوجوه الفاسدة.. فإن كل موظف صغير أو كبير، سيعرف أنه تحت رقابة شعبية صارمة. وكل عضو منتخب سيدرك أن وجوده في المجالس المحلية ليس طريقا للثراء أو التربح، ولكنه طريق للشقاء الجميل في خدمة الناس، وأن دوره أساسي لأن الإصلاح لن ينجح إلا إذا بدأ وانتهى من تحت.. حيث الملايين التي تعاني وتشقى من أجل لقمة عيش شريفة، والتي ضحت وستضحي وتتحمل الأصعب إذا ضمنت أن ذلك سيكون لمصلحة أبنائها، ولن يسرقه الفاسدون كما جرت العادة.
من أجل هذا كنت أتمنى أن نبدأ المشوار بانتخابات محلية تضرب الفساد من جذوره، وتضع ممثلي الثورة في مواقع المسؤولية عن الرقابة الشعبية، وتؤهلهم في أرض الواقع ليكونوا بعد ذلك أساس الحياة السياسية وأعمدتها في طريق الإصلاح.
ومن أجل ذلك أتمنى كغيري أن نسرع في التوافق على القانون الجديد للمحليات، بحيث يحقق الأوفق والأصلح لتمثيل المواطنين، وتجسيد مبادئ الثورة، وفتح أبواب الإصلاح ليصل إلى أكثر المحتاجين له في قرى مصر ونجوعها. فلنأخذ الأمر بما يستحقه من اهتمام. فالمعركة ضد حزب الفساد وخفافيش الظلام لن تحسم بالخطابات الحماسية ولا بالثرثرة الفارغة، وإنما الحسم على أرض الواقع. فلنأخذ انتخابات المحليات بالاهتمام الذي تستحقه، فالأوضاع لا تحتمل مطلقا أن تكون النتيجة أن يبقى».
ما الذي حدث
في حي الأسمرات؟
ومن الفساد في المحليات الذي سينتهي كما يأمل جلال بعد الانتخابات نهاية هذا العام، إلى ما حدث في حي الأسمرات الذي كان أول مشروع للقضاء على العشوائيات في القاهرة، والذي افتتحه من حوالي شهر الرئيس السيسي وتم تسليم الشقق مفروشة للأهالي، وقد حدث فيه ما أثار أعصاب زميلنا في «الأهرام» محمد إبراهيم الدسوقي فقال عنه في يوم الاثنين أيضا:
«تتلخص الواقعة في أن مجهولين حطموا حدائق الأطفال في الأسمرات واختلفت الروايات حول هويتهم، بعض السكان قالوا إنهم بلطجية، في حين أكد رئيس الحي أنه نتيجة «شغب عيال». وفي اليوم التالي تم تنظيم زيارة ميدانية لممثلي بعض وسائل الإعلام لإطلاعهم على الاحتياطيات والتدابير الأمنية في الحي، لدحض أقوال دخول بلطجية، بعدها كشف محمود سويلم مدير إدارة الشباب والرياضة في محافظة القاهرة عن أن سرقة فوانيس الإضاءة وكراسي المدرجات في ملعب الأسمرات وقعت قبل تسلم المحافظة الملاعب. هنا أنا لست معنيا بالتفاصيل الفرعية وتقديم الأعذار والمبررات ورسائل الطمأنة الصادرة من الجهات الرسمية، بأن كله تمام ولا داعي للقلق، وكل شيء تحت السيطرة الكاملة، ما يشغلني حقا هو أن الحادث وقع بالفعل ولم ينكره أحد، وذلك لو تعلمون هو الطامة الكبرى، فمشروع الأسمرات بني على فلسفة واضحة وضوح الشمس، هي أنه سيكون نقطة نظام وتحول في معركتنا المصيرية مع العشوائيات، وما يتبعها من مظاهر وسلوكيات وثقافة تغلغلت حتى النخاع في جسدنا الوطني، وأنه سيحول قاطنيه إلى مواطنين يعون جيدا حقوقهم وواجباتهم ومسؤولياتهم، وأضع مئات الخطوط تحت كلمة مسؤولياتهم وأولاها المحافظة على المكان الذي انتقلوا إليه. المشروع واجهة حضارية مبهجة، واجبنا صونه والذود عنه بقوة، وإخضاع من تثبت مشاركته في تخريبه للجزاء المستحق بسيف القانون، فالتغاضي عن حادث كتحطيم حديقة الأطفال سيتبعه ما هو أفدح وأوسع نطاقا وعنفا، وعلى محافظة القاهرة الالتفاف لدورها ليس فقط بتنظيم أنشطة رياضية في الحي وإنما بإعداد دورات لتأهل السكان الجدد للعيش فيه ولن يعيبنا أن نشرح ونبين لهم أن ما كان مستساغا ومتاحا في مساكنهم القديمة لن يكون مقبولا فيه».
خناقات ومناوشات
لكن نائب وزير الإسكان للعشوائيات أحمد درويش اوضح في يوم الاثنين أيضا حقيقة ما حدث في حديث نشرته «البوابة» وأجراه معه زميلنا محمد إبراهيم قال فيه: «الموضوع ببساطة أن الأهالي المجاورين للمشروع كانوا يدخلون للعب كرة قدم، فالملاعب هناك جديدة وجميلة، وبالطبع يحدث بينهم مناوشات وخناقات وما إلى ذلك، وكلها أمور سنتمكن من التغلب عليها بعد تسكين الأهالي، وسيكون هناك كيان متكامل لإدارة المشروع ونجرى دراسات حاليا في هذا الشأن وبدون كيان يديرها ستتحول إلى عشوائية. وحديقة الأطفال تعتبر الشيء الوحيد الذي دمر وتكلفة التلفيات التي تم حصرها لا تتعدى الـ50 ألف جنيه.. وحول وجود إستراتيجية ثابتة واضحة للتعامل مع الأهالي قاطنى العشوائيات، أجاب الوزير قائلا: إستراتيجيتنا تعتمد على شيئين، التواصل المستمر والشفافية، وهما ما قمت بهما منذ تولي مسؤولية الملف.
منذ حوالي 6 أشهر تقريبا زرت أغلب محافظات مصر، وتتبقى لي 6 محافظات سوف أقوم بزيارتها قريبا، التواصل مع الأهالي شيء مهم جدا، ومن الطبيعي أنهم يطلبون، حتى لو لم نستطع تنفيذ طلباتهم وقتيًا، يأتي دور الشفافية، بمعنى إني أرد عليهم وأقول لهم سأساعدكم بالشكل الفلاني وفي الوقت الفلاني وهكذا، أو لن أستطيع مساعدتكم، ولا يصح أن نعد الناس بأمور لن نتمكن من تنفيذها، الشفافية والتواصل المستمر، وكل المشاريع التى نفذت والتي يجري تنفيذها تكون من خلال التواصل مع الأهالي، هم أكثر العارفين بمنطقتهم وكيف تكون عملية تطويرها».
غلطة عمر أبوهشيمة
وننتقل إلى موضوع آخر مع زميلنا في «الوفد» علاء عريبي الذي حذر أمس الثلاثاء في عموده اليومي «رؤى» من شراء رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة قناة «أون تي في» وسعي رجال الأعمال بالاتفاق مع النظام مع وسائل الإعلام وقال: «أظن أن رجل الأعمال الشاب أحمد أبوهشيمة سوف يقع في غلطة عمره، في حال تخلصه من الإعلاميين أمثال جابر القرموطي، وتسليمه القناة لمجموعة بعينها. القضية ليست القرموطي ومن يشبهونه، بل سيطرة مجموعة محدودة من رجال الأعمال والإعلاميين على عدة قنوات فضائية. القرموطي يمثل شريحة الأغلبية في الفضائيات والصحف الخاصة والحكومية والحزبية، وهم شريحة الشغِّيلة الذين لا يحملون أجندات أو حقائب رجال الأعمال، أو الأجهزة الأمنية، وإقصاء دور هذه الشريحة في صياغة وتوجيه الرأي العام، حتى لو كانت الشريحة المتسيدة تنفذ تعليمات الأجهزة الأمنية، سوف يضع الإعلام والبلاد في مأزق خطير، وهو تحكم قلة من الإعلاميين ورجال الأعمال في صياغة المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وخطورة التحكم لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى سيطرة هذه الشبكة على مؤسسات وهيئات ونقابات ووسائل الإعلام، وقد تمتد – وهو وارد- إلى بعض قرارات الحكومة والبرلمان. الأنظمة الديكتاتورية تسخر هذه التشابكات لخدمة أجندتها لفترة ما مقابل التغاضي أو التسامح أو تمرير بعض مصالح أعضاء الشبكة، رجال أعمال- مذيعين- صحافيين- كتابي- سياسيين، لكن من الصعب استمرار هذه العلاقة لخطورتها على الأمن القومي للبلاد. المؤكد أن أغلب الصحافيين والإعلاميين لا يرضون عن المشهد الحالي الذي صنعته أموال بعض رجال الأعمال ويرفضون بشدة سيطرة وتحكم بعض الشلل، صحافيين ورجال أعمال، على الإعلام وهيئاته».
في انتظار حلول سياسية
وعن غياب الرؤى السياسية وانعكاساتها كتب لنا عبد العزيز النحاس في «البوابة» أمس الثلاثاء قائلا: «غياب الرؤى السياسية لم يعد أمرا يمكن تجاهل تبعاته، في كثير من القضايا الوطنية، التي تشغل الرأي العام، وتبدد جهودنا في بناء جبهة داخلية متماسكة، قادرة على مجابهة ما يواجهنا من تحديات ومخاطر، واقتناص الفرص من رحم الأزمات التي يمر بها الوطن.
تأسيسا على ذلك، يمكن القول إن كثيرا من أزماتنا ما هي إلا نتاج غياب الرؤى السياسية، وتدني مستوى المعالجات المستندة غالبا إلى المغالبة بالسلطة، والتعنت في استخدام الصلاحيات والاختصاصات، من دون أدنى نظر إلى ما تفرضه اللحظة التاريخية الراهنة من سعي حثيث نحو استيعاب الرأي الآخر، والاجتهاد في تقديم سياسات قبل القرارات.
على خلفية ذلك، اندلعت أزمات شغلت الرأي العام، وطعنت بقوة في النسيج الوطني، غير عابئة بالتبعات السلبية الناشئة على جهودنا التنموية من جهة، وعلى التأكيد من جهة أخرى على قدرتنا على رسم مسار وطني باتجاه المكتسبات الثورية التي استندت إليها ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني وموجتها التصحيحية في الثلاثين من يونيو/حزيران… إذ كان الشعب قد فوجئ ذات يوم قريب بأن جزيرتي تيران وصنافير سعوديتان! وأن الحكومة وقعت اتفاقية لإعادتهما إلى أصحابهما، ثم فوجئت الحكومة برد فعل الشعب على مباغتته على هذا النحو السافر، بضغط عنيف من شهوة القرار، أزال كل أثر للمكتسبات الثورية التي أعلت من قيمة الرأي العام، ووضعته في إطاره الصحيح كأحد دوائر صناعة القرار السياسي. وانتهى الحال إلى أن باتت تيران وصنافير أزمة تعبر عن انسداد الأفق السياسي بين الحكومة والشعب، فكان أن أصبحت الأزمة رقما، بل عدة أرقام لقضايا مرفوعة أمام القضاء المصري الذى بات يئن تحت وطأة غياب الرؤى السياسية. هذا ما جنيناه، وغيره الكثير، جراء اعتمادنا منهج الحكومات التنفيذية، حتى في وقت يلي ثورة شعبية هائلة من شأنها وضع القوة السياسية للدولة على محك اختبارات صعبة، إذ تبدو القوة السياسية للدولة رهن ما تعتنقه من قيم سياسية، وما تتبناه من سياسات عامة رشيدة، وما تحققه من تعاون دولي أساسه منظومة القيم الإنسانية العالمية.
والواقع أن لوما نقدمه لرئيس الحكومة المهندس شريف إسماعيل، ليس هو المقصود بالضبط، إذ لم يكن للرجل تاريخ سياسي على الإطلاق، ولا لوزرائه بشكل عام، وإنما هم موظفون بدرجة رئيس حكومة ووزراء، ومن ثم لا غرابة أن تسيطر شهوة القرار على أداء حكومة تنفيذية، موظفة يعني! لكن المشكلة أنها، أي الحكومة، تأتي في لحظة تاريخية منوط بالدولة فيها أن تعبر عن رؤاها السياسية في قيادة مجتمع خارج لتوه من ثورة عظيمة، صنع في أعقابها موجة تصحيحية مدهشة، إذ لا تعدو الثورات إلا أن تكون عملًا سياسيا في المقام الأول».
إقالة الحكومة واجب وطني
«لماذا كل قضايانا التي نعيشها حالياً، هي الأولى من نوعها في التاريخ، أو في العالم، على حد سواء؟ هذا هو تساؤل عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم» فالدولة تتنازل عن جزء من أرضها، وتناضل في سبيل ذلك، الدولة تُسرب الامتحانات الأهم في كل المراحل التعليمية، ولا أحد يتحرك، الدولة توقع اتفاقيات تمنح الآخرين الحق في بناء سدود تحرمها من المياه، وكأن شيئاً لم يكن، الدولة توقع اتفاقيات تتنازل بموجبها عن حقول غاز في البحر المتوسط، وكأن شيئاً لم يحدث، الدولة تنفق أموال المواطنين على مشروع لم ندرس جدواه في قناة السويس بزعم رفع الروح المعنوية، ثم تتوالى خسائر المشروع، رغم ذلك سد الحنك سيد الموقف، وإذا نطق أحد كانت الاتهامات سيفاً مسلطاً على رقبته، بدءاً بالأخونة، وليس انتهاءً بالعمالة والتمويل، الحمد لله لم تعد هناك اتهامات بالخيانة، بعد أن تبدلت المواقع. بعد تسريب امتحانات الثانوية العامة بهذا الشكل المزري، يتم تأجيل الامتحانات وإلغاؤها بدلاً من سد ذلك التسريب، هو دليل آخر على أن تعبير شبه الدولة، لم يعد كافيًا كتوصيف للحالة التي نعيشها، دولة لا تستطيع تأمين الامتحانات، ماذا يمكن تسميتها، دولة لا تستطيع تأمين جماهير المباريات، ماذا يمكن أن نطلق عليها، دولة لا تستطيع تأمين السياحة، ماذا ننتظر منها، دولة لا تستطيع ولا تريد حماية أرضها، كيف يمكن الوثوق بها، دولة تُخدّر مواطنيها طوال الوقت، بحجة أهل الشر، وأهل «البدنجان»، بالتأكيد لا أمل فيها.
لا يا سادة، لم نعد نستطيع الاستماع فقط، لن نستطيع أن نستمر كسميعة لعم جابر، طوال الوقت، وهو يقص علينا سيرة أبوزيد الهلالي، اتضح في النهاية أننا أمام أحد أمرين، إما أن الغباء مستشرٍ، وهو ما يجب مقاومته، وإما أن المؤامرة كبيرة، وهو ما تجب مواجهته، الوطن ينهار تعليمياً وصحياً واقتصادياً وأخلاقياً، الانقسام أصبح حالة عامة، كما الاستقطاب أصبح أمراً طبيعياً، كما البيع والتنازلات في وضح النهار، ماذا ننتظر إذن، وماذا تبقى. الموقف أيها السادة في حاجة إلى عملية تصحيح شاملة، بإسناد الأمر إلى أهله في كل المواقع أولاً، بتصحيح كل الأخطاء الكبيرة والصغيرة والاعتذار عنها، الثانوية العامة مجرد نموذج يجب عدم تجاهله، قناة السويس مجرد نموذج لا يمكن تجاهله، كل القضايا بلا استثناء تصبح مفتوحة للتصحيح، على اعتبار أنها كانت أخطاء، وجل من لا يخطئ، أما إن كان هناك إصرار على هذه الأخطاء، فإن الأمر جد خطير، لا أعتقد أبداً أن الوقت في صالح أحد، على العكس تماماً، الوقت يداهم الجميع، وفاتورة الغباء يدفعها الجميع أيضاً، أما الفاتورة الأخرى فمن رصيد أصحابها فقط، واقرأوا التاريخ».
فشل المنظومة التعليمية
كنت أمر من شارع إسماعيل أباظة في طريقي إلى «الشروق». فجأة وجدت أعدادا غفيرة من الشباب تخرج من محطة مترو سعد زغلول متجهة إلى وزارة التربية والتعليم المواجهة لها.
هؤلاء كانوا طلابا في الثانوية العامة، وجاءوا ليتجمعوا ويتظاهروا مع زملاء آخرين احتجاجا على قرار الوزارة بإلغاء امتحان مادة الرياضات التطبيقية «الديناميكا»، وتأجيل بقية الامتحانات.. هذا ما بدأ به عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» مقاله يوم الاثنين مواصلا: «تحدثت مع عدد كبير من الطلاب الغاضبين، وكان خلاصة رأيهم هو الآتي: «نحن اجتهدنا وذاكرنا وسهرنا وأنفق أهالينا آلاف الجنيهات على الدروس الخصوصية، وذهبنا إلى اللجان، معظمنا لم يعرف حكاية التسريبات، تركيزنا انتهى في اللحظة التي خرجنا فيها من اللجان، وجهازنا العصبي مبرمج على أن الامتحانات بأكلمها كان يفترض أن تنتهي هذا الأسبوع، فلماذا تجبرنا الحكومة على التأجيل، وأداء الامتحانات مرة أخرى، وقد لا نؤدي فيها بالمستوى المطلوب، ونخسر الكثير من الدرجات، لأن مجموعة من المسربين قرروا أن يتحدوا وزارة التعليم وربما الحكومة بأكملها.. فما ذنبنا.. ولماذا نتحمل فشل المنظومة التعليمية؟!
السؤال الجوهري الذي ينبغي ألا نتوقف عن طرحه هو: ما هي الجهة التي تريد الاستمرار في إهانة الوزارة، بل والحكومة بهذا الشكل؟ وهل الأمر متوقف على بضع صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي مثل شاومينج وغيره؟ أم أن الأمر أكبر من ذلك كثيرا، والسؤال الأهم: كيف تفشل كل أجهزة الحكومة في وقف هذه المهزلة حتى الآن!
من الواضح أن ما يحدث يكشف أن المنظومة بأكملها فاسدة ومهترئة وتحتاج إلى نسف من أساسها. القضية ليست وزير التعليم، هي أكبر منه ومن كل المسؤولين داخل الوزارة وخارجها. ما نسمعه من حكايات عن الطريقة، التي تُدار بها المنظومة التعليمية منذ سنوات، ومنها تعيينات مديري المديريات والوكلاء «والجنيهات الذهب» تشيب لها الولدان.
في الماضي كان يتم التسريب لبعض أبناء الكبار وينتهي الأمر، لكن الآن صار لدينا «عدالة في التسريب!»، ولذلك يعتقد البعض أن التسريب كان مفيدا من جهة واحدة أنه كشف «تعفن هذه المنظومة بأكملها»، الواضح أيضا أنه ربما حدث نوع من التلاقي أو زواج المصلحة بين مافيا الفساد داخل الوزارة، وبعض من يريد الإساءة إلى هيبة الحكومة وإحراجها، لأن البعض يعتقد أن الأمر خرج من مجرد تسريب امتحان لإفادة بعض الطلاب إلى مرمطة سمعة الحكومة في الأرض، مراهنا على إحداث انفجار اجتماعي يمكن استغلاله في المشهد السياسي الراهن.. سقطت الوزارة، وسقطت الحكومة في هذا الامتحان، وحصلت على صفر أكبر من صفر المونديال كما كتب البعض أمس. المسألة أكبر بكثير من مجرد تسريب امتحان أو نشر إجابته، هي مسألة عجز وقلة حيلة وفشل وانعدام للكفاءة.. فهل نستمر في المواجهة بالآليات التقليدية نفسها؟ أم يتم نسف هذه المنظومة الفاسدة والبدء على نظافة، وقد يسأل البعض: وحتى إذا كانت هناك نية للتنظيف، فهل نملك الآليات والكفاءات لذلك؟ أم أن السرطان وصل إلى العظم؟»
بيت الأشباح المسمى بالثانوية العامة
أما زميله طلعت إسماعيل فكتب في اليوم نفسه وفي الموضوع نفسه قائلا: «يعتقد الدكتور الهلالي الشربيني وزير التربية والتعليم، أنه بإحالة عدد من المسؤولين عن وضع امتحان الديناميكا لطلاب شعبة الرياضيات في الثانوية العامة الذي جرى تسريبه جهارا نهارا الأحد الماضي، وتأجيل الامتحانات التي كان مقررا لها يوم الثلاثاء، إلى الأسبوع المقبل، قد كفى الوزارة «شر» التسريب، وأعفى نفسه من وصمة «الفشل» الذي يلاحقه منذ بداية العام الدراسي، وحتى تلقيه طعنات التسريب مع اليوم الأول لبدء الامتحانات عندما اضطر إلى إلغاء مادة التربية الدينية، وغض الطرف عن تسريب امتحاني الاقتصاد واللغة الأجنبية الثانية.
قبل بدء الامتحانات صدعتنا الوزارة عن استعدادتها الجبارة، وغرفة عملياتها الحربية المسلحة بخبراء الإنترنت، وجهابذة مكافحة الجريمة الإلكترونية الذين سيأتون «بالديب من ديله»، وبما يضمن موسم امتحانات خاليا من الغش، غير أن لـ«شاومينج»، كانت الكلمة الفصل، بتحديه الجميع، وإعلانه عن تسريب الامتحان في الزمان الذي يقرره، وسط تخبط واضح من السادة المسؤولين عن منع التسريب، وكلما تحدثوا عن القبض على مسؤول صفحة إلكترونية تقوم بالمساعدة على الغش، ظهرت أخرى بمتوالية هندسية، تفوق توالد الأرانب.
وعند كل فشل لوزارة التعليم، يسارع الوزير إلى إلغاء الامتحان، أو التهديد بالغائه، وكأن مصير 500 ألف أسرة يربو عددها على مليوني فرد، ليست بالحسبان، وقد «شربت المر» على مدى عام دراسي كامل، وهي تدفع للسادة أباطرة الدروس الخصوصية آلاف الجنيهات، على أمل عبور عنق الزجاجة، والخروج من بيت الأشباح المسمى بالثانوية العامة، لكن الوزير يصر على تصدير فشله، إلى أولياء الأمور والطلاب المجتهدين، ممن لم يعرفوا الغش، ولم يمارسوه يوما، بعد أن اجتهد آباؤهم في زرع القيم والأخلاق في نفوسهم.
تفشل وزارة التربية والتعليم، في منع تسريب الامتحانات، وتعجز وزارة الداخلية، التي حصلت على رشة جريئة من المكآفات من ميزانية الأولى، عن منع الغش، فيلجأ الدكتور الشربيني «متأخرا كالعادة»، إلى إلغاء الامتحان، ليذيق الطلاب وأولياء أمورهم، أسبوعا إضافيا من الذل والمعاناة، طبعا هذا ليس اعتراضا على إلغاء امتحان ثبت تسريبه، ولكنه احتجاج، على تحميلنا كأسر عبء ضعف وزارة، وفشل منظومة تعليمية تحتاج إلى نسفها، واقتلاعها من جذورها، إذا كنا نبغي إصلاحا، ونسعى إلى تقدم. في التسريب الأخير لمادة الديناميكا، تصاعد صوت أولياء الأمور المطالبين بإقالة وزير التعليم، وفي تقديرى لو كان الرجل لديه شجاعة تحمل المسؤولية السياسية لأعلن استقالته، حفاظا على ما تبقى لهذه الحكومة من رصيد يتآكل مع كل صباح جديد».
الشعب «سيد قراره»
وننتقل إلى موضوع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومقال الكاتب عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»: «أثارت نتيجة الاستفتاء البريطاني ردود فعل واسعة داخل أوروبا وخارجها، بعضها وصل عندنا حين قارن البعض بين احترام النظم الديمقراطية لإرادة الشعوب، حتى لو كانت عكس مواقف حكامها، وبين نظريات الوصاية التى يفرضها الحكام على الشعوب في معظم بلدان العالم العربي. ورغم الفروقات المؤكدة بين ما يجري في مصر وبين ما جرى في بريطانيا، وأيضا الفارق بين مجتمع متقدم وديمقراطي، وآخر نامٍ وغير ديمقراطي، بجانب الفروق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين كلا المجتمعين، إلا أن هناك بعض الجوانب المتعلقة بنظرة الاستعلاء التي تبطنها نخب كثيرة في علاقتها بالشعوب، وهي مشكلة عالمية تختلف بين المجتمعات الديمقراطية وغير الديمقراطية في الدرجة فقط.
لقد بدا تأييد البقاء في أوروبا وكأنه رسالة الأحزاب الحاكمة، أي الحزبين الكبيرين اللذين تناوبا على حكم بريطانيا، وهما العمال والمحافظين، فقد أيد حزب العمال البقاء، كما أن رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون، ومعه تيار واسع داخل الحزب أيدا أيضا البقاء، في حين رفضته القوى الجديدة والاحتجاجية، سواء اليسارية أو اليمينية. والحقيقة أن قرار كاميرون بالاستفتاء على بقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي حكمته قناعة راسخة بأنه سيربح الاستفتاء، وستبقى بريطانيا في الاتحاد، ولم يكن يتوقع ومعه النخبة الحاكمة أنه يمكن للشعب أن يرفض قراره. فهناك في الغرب، كما في الشرق، مفردات ترددها النخب الحاكمة تتحول إلى ما يشبه المسلمات الثابتة على طريقه الاتحاد قوة والسوق المشتركة والعولمة والتكتلات الاقتصادية، وهناك في بلادنا شعارات وطنية أو دينية يرددها الحكام أيضا وينظر إليها باعتبارها أيضا من الثوابت التي يجب عدم الخروج عليها… البعض قارن بين الاستفتاء البريطاني وبين إدارة النخب المدنية في مصر للاستفتاء الشهير على تعديلات دستور 71 في 2011، والنظرة الفوقية التي استخدمها الكثيرون في التعامل مع الناس، وبين نتائج الاستفتاء المصري التي ذهبت بأغلبية كاسحة عكس ما طالبت به النخب المدنية والإعلامية الناس.
يقيناً نتائج الاستفتاء البريطاني عكست أزمة في علاقة النخب الحاكمة بالشعب، وهي في النهاية أزمة عالمية تختلف في الدرجة من مجتمع متقدم إلى مجتمع نام ولكنها موجودة، ولن تعالج إلا بالتعلم والتدرج في عملية التغيير، وأعتقد أن كثيرا ممن صوتوا في بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي سيكتشفون أنهم أخطأوا في قرارهم، ولكن في النهاية الشعب «سيد قراره» دون غيره».
حسنين كروم