التوانسة «أجناد الملاعب» … والفرق بين أمين معلوف وعادل إمام … والكاميرا الخفية رحمة أم صدمة أم «نور»؟

إنه الإعلام، تنين العصر الذي أغرقنا بحروبه الفضائية حتى اكتوينا بماء كالمهل يتصبب من عرقنا ونحن نتعربش برؤوس مقلوبة على مهابط الجحيم الغارقة بدموع الشهداء واستغاثات الملائكة، فهل نحن بحاجة إلى المزيد من «الشعللة» المجانية للتسلية كأن الحرب فاضت عن حاجة الأخبار لتعيد البرامج الترفيهية تدويرها كالقمامة؟ يا للمهزلة للمزبلة!
اتهمنا مرتكبي عمليات الحرق الداعشية بالعبث والفهم الخاطئ للإسلام والبحث عن الشهرة والسلطة والتسلية بأرواح الناس، بل وصل الأمر لاتهامهم بالأمراض النفسية والجنون والأفيونية، وهي الأمور نفسها، التي تعينك على تحليل شخصية «رامز وهو يلعب بالنار»، لأن المآرب التجارية تلتقي مع البواعث الإرهابية للدواعش ما دام برنامج الكاميرا الخفية يتعلق بالفهم الخاطئ للتسلية، والشره المريض لاختطاف الشاشة ولفت الأنظار، والتكاليف الهائلة والنفقات بالتالي الأرباح المادية، واللايكات على الفيسبوك ومواقع التواصل، والدعايات ولزوم ما لا يلزم حتى لتظن أن رامز «واخد حشيشة»، وهو يخلع وجهه في قمة نشوته ليكشف المقلب!
لحظات الضعف الإنساني، التي تتجلى في ظروف ومواقف مثل المرض والخوف تظل خاصة بصاحبها لحساسيتها وسريتها، لا يستهتر بها إلا الإرهابيون وبهلوانات الكاميرات الخفية، لتحقيق بطولة رخيصة تحتقر وتنتهك المشاعر الإنسانية المقدسة حين تضعها في اختبار تجاري دنيء للوقار والشجاعة، وهو استهلاك بذيء لقيمة الفن على اعتباره حيلة راقية ومبدعة، تخدع الواقع دون أن تخل بجمالية التحايل، الذي يفتقر إليه المستنسخ الأبله والعبيط لرامز جلال: «هاني رمزي في الأدغال»، وتعال تفرج على (الشي كي بي كي) بين رمزي ورامز، ثم قلب فضاءك، حيث شئت لتلتقط المهزلة الأكبر من «أم تي في»، في برنامج: «تعيش وتاكل غيرها»، الذي يستعين بالنموذج الداعشي لمؤدٍ يرتدي حزاما ناسفا ويهدد بتفجير المكان، ولك أن تتخيل كيف تقف الضحية وجها لوجه مع الموت، وحيدة ومعزولة ومستنزفة، تتأرجح بين الجد والهزل بمشهد يندى له الجبين.
عندما يكون الفن مشوها إلى هذا الحد من السخافة يصبح أخطر من الواقع، فالتلاعب بمشاعر الناس والضحك عليهم بهدف الفرجة مأساة العصر، وإنتاج ضحايا وهميين بثمن بخس يفوق معاناة الضحية الحقيقية على أرض الواقع، فالقاتل يستهتر ويجن ويستغل ضحاياه ليستعرض قدراته ويستولي على الأقاليم بالترهيب والتعذيب، ومؤدي المقالب يستخدم التقنية والأسلوب نفسيهما ولكن ليختبر مهاراته ويحظى بالتصفيق والشهرة ورصيد دولاراتي ضخم.. فأي فرق بعد هذا بين اللاعبيْن؟

إعلام الرحمة

«أم بي سي» في الصدارة بلا منازع سوى قناة «أبو ظبي»، التي تستند إلى فكر إنساني في خططها البرامجية وتركز على القيم الإجتماعية وتحديدا برنامج «دروب»، الذي ينتمي لـ»إعلام الرحلة» إن جاز لي التعبير، وبالإضافة إلى برنامج «مدارك» على «أم بي سي» فإن برنامج «الصدمة» بجوهره الإجتماعي القائم على فكرة «الكاميرا الخفية»، ولكن بأسلوب إنساني جليل، يختبر رحمة الناس بمواقف تمثيلية مستلهمة من الحياة، ويواجههم مع أنفسهم: فهل نحن رحماء بما يكفي أم أن اللامبالاة أشد من القسوة؟
الفكرة أكثر من رائعة، سامية ونظيفة تلتقي بشكل أو آخر مع برنامج «نور» على قناة «الحوار» اللندنية، من إنتاج «الوقف الإعلامي»، الذي يرعى مشروعا بصريا يقوم فيه الشيخ سلمان العودة بالتجول مع طبيب مختص في مناطق فقيرة من العالمين العربي والإسلامي لإجراء أكثر من 150 عملية يوميا لأطفال ضريرين لاستعادة أبصارهم، البرنامج إنساني بكل المقاييس، يزلزل الروح ويهز الكيان، خاصة عندما ترى طفلا فقيرا يحس بعبثية تشخيص حالته لأنه «ما في قروش»، قبل أن يطمئن لمجانية العلاج، ثم هناك الطفلة الضريرة، التي ترى الدنيا برائحة أمها، فما أن تبتعد عنها حتى تتخبط روحها في التيه على وقع غناء حنون يوجع الوجع لمشاري راشد: «يا أمي ما شكل السماء وما الضياء وما القمر/ يا أمي مدي لي يديك عسى يزايلني الضجر» .. ومن أراد أن يستزيد فليشاهد فيلم Perfect Sense ليرى كيف يتأمل الغرب نعمة الحواس؟

الإمام حاخام

حاول مسلسل «مأمون وشركاه» أن يتذرع بالدعوة لتسامح الأديان، فانحاز لليهودية على حساب الإسلام كأن الإسلام فكر إرهابي وليس دينا، وبين شخصية «المعتز بالله» المتطرف والصورة السطحية لليهودي البخيل والجبان تبرز العنصرية الدينية، التي تورط بها العمل، وإن عدت للمشهد السياحي خلال زيارة العائلة اليهودية للأهرامات واحتجاجها على المعلومات التاريخية لأنها تخالف المنطق الاسرائيلي، وكيف أدى لفصل المرشدة السياحية من عملها تعثر على التناقضات التالية:
1-إدانة السياحة التي تتهاون مع السياح الاسرائيليين فترضخ لتهديداتهم إذ تتنازل عن تاريخها، فإن كان هدف مأمون الدعوة لترويض التاريخ درءا للضرر السياحي فإنه فتح ملفا خطيرا من حيث يدري ولا يدري يفضح مدى تغلغل اسرائيل في العمق المصري واستحكام قبضتها على مناحي الحياة فيها!
2-اليهودية في المسلسل لم تحضر كديانة فقط، على العكس تماما فإن النزعة الاسرائيلية والعقيدة الصهيونية أثبتتا طغيانهما والمشهد السياحي خير دليل يا حج مأمون الحاخام، ربما كان عليك أن تتذكر المثل المصري قبل أن تدين ربك، فمن غربل الناس نخلوه!
3-الاحتياطات الأمنية التي رافقت العائلة اليهودية، تبرهن أن الولاء الدرامي ليس للتسامح الديني، بما أن النتيجة تفجير إرهابي للمسلمين، وحق مصان للسائح اليهودي بالتعديل على التاريخ، يسمى تسييسا للديانات وليس تسامحا دينيا!
4- تهديد صريح للمصريين بقطع أرزاقهم لو أخذتهم العزة بالتاريخ على حساب مشاعر السياح.
مأمون وشركاه من أحط الأعمال الدرامية التي تسيء للتسامح الديني وتتفنن بتحقير الإسلام وحصره بالذهنية الإرهابية، والدليل مشهد التفجير على وقع تراتيل صلوات اسرائيلية، فأية إهانة للصلوات هذه؟ دموع مأمون العنصري لا يمكن تصديقها لأنها (دموع في عيون وقحة)، تخدم الماكينة الإعلامية التطبيعية منذ منة شلبي في «حارة اليهود» وحتى مأمون المتأسرل الذي يخاف من اللحى والنقاب على طمأنينة التراتيل، ويحك يا إمام خنت ربك، فلم تجرؤ على عرض التطرف الإسرائيلي ولو بمشهد كي تقنع الصهاينة قبلنا برسالة التسامح الديني، فهل تحول رمضان إلى شهر للتطبيع الدرامي مع الصهاينة؟
في النهاية يذكرني مأمون بأمين معلوف فكلاهما قناعان لوجه واحد هو العدو أو التطبيع، ومقارنة معلوف بحضور إدوارد سعيد ومحمود درويش في المشهد الثقافي للعدو مقارنة باطلة مع احترامي لكل الآراء، فمعلوف حيادي اتجاه أصوله وقضاياه، وما ظهوره على قناة اسرائيلية إلا بصفته ورقة تستخدمها اسرائيل لتتحدى بها أو تروج للتطبيع معها أو لتجمل وجهها القبيح وما أفظع أن يرضى المثقف أن يكون قناعا لعدوه، بينما درويش وسعيد حققا المعادلة الأصعب لما أجبرا عدوهما على الاعتراف بهما، وهذه أفظع هزيمة يلحقها المثقف بأعدائه الذين لا يجدون بدا من تقدير قيمته مع الاحتفاظ له بصفة العدو الأمثل، هذه هي قوة المثقف الحقيقية أن يكون مناضلا، وضيفا عدوا، فالضيافة هنا منازلة وليست مغازلة، فهل أكتفي أم أزيد؟

التوانسة والثعالب البيضاء

المفاجأة لم تكن من الثعالب البيضاء في القرى الإنكليزية، التي نهضت من سبات أهل الكهف لتستعيد أمجاد التاج البريطاني وتحرره من دار العجزة الأوروبية، فتبرهن أنه عصر إقطاعي بامتياز يتسلم فيه الإقطاعيون زمام القرار قبل أن تخرج آيسلندا الإنكليز من اليورو الرياضي 2016 لتسجل بريطانيا هدفا انسحابيا مزدوجا في ملعبين: السياسة والرياضة، وهنا لا بد من الإشادة بقنوات «بي أن سبورت»، التي تألقت أيما تألق في تصفيات كأس أوروبا، وتحديدا التونسي عصام الشوالي، الذي يأسرك بأسلوب يحشد له كل ما يلزمه من معلومات سياسية وتاريخية وشعرية ورياضية تراثية وفلكلورية ورصيد لغوي هائل ومقدرة فذة على التقاط اللحظة والتفنن بسبر أغوراها وشحنها بمخزون معرفي وعاطفة متوهجة ولهجة تونسية «تهبل برشا برشا» مما يجعل التعليق الرياضي من أقسى وأدق وأصعب المهن الإعلامية على الإطلاق، يتطلب استعدادا مضنيا ومتمكنا خطف الأضواء من الكرة البريطانية في حقولها الشائكة ليتوج التوانسة أجنادا للملاعب ولو بمايكروفون الشوالي وحده.
ختاما، كل عام وأنت بخير أيها المسلم، كل عام ورمضانك عليك رحمة لا نقمة،أتركك لليلة تنزلت فيها لغة الله، صاحب أجمل وأبدع لغة في الأرض والفضاء… فكل عام وأنت غير مطبع، وبس.

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

التوانسة «أجناد الملاعب» … والفرق بين أمين معلوف وعادل إمام … والكاميرا الخفية رحمة أم صدمة أم «نور»؟

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية