غزة ـ «القدس العربي»: بالرغم من أن اتفاق تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل، عنى إعادة ترميم حبال الوصال التي تقطعت بين الطرفين على مدار السنوات الست الماضية، إلا أن لقطاع غزة كان «ذكر خاص» في الاتفاق، من خلال جمل مبهمة لدى الكثيرين من المحللين، وللغالبية التي تنتظر رؤية نتائج ملموسة على الأرض تساهم في تخفيف عناء الحصار المفروض على السكان، بعد أن ضاعت الآمال التي عقدت على إنهاء الحصار بشكل كامل. فبعد ست سنوات من هجوم وحدات الكوماندوس الإسرائيلي على سفن أسطول الحرية، واستهدافها سفينة «مافي مرمرة» التركية، قبل الوصول لسواحل غزة لإيصال مساعدات لسكانها المحاصرين، حيث قتل عشر متضامنين أتراك، وأصيب العشرات منهم، وهو ما أحدث من وقتها قطيعة كبيرة بين أنقرة وتل أبيب، أجريت مصالحة أعلن عنها منتصف الأسبوع الماضي، سيعيد بموجبها الطرفان تبادل السفراء، إضافة إلى عودة التعاون الأمني كما كان قائما قبل نشوب الخلاف.
ولخص الطرفان (التركي والإسرائيلي) بنود الاتفاق في ثمان نقاط، جاءت بعد جهود من المباحثات الطويلة بين وفود سياسية وأمنية، التقت في عدة عواصم أوروبية، آخرها روما. وتمثلت المصالحة في إعادة تبادل السفراء، وتمكين تركيا من إيصال المساعدات والبضائع لقطاع غزة بسهولة، بعد أن رفضت إسرائيل مطلب رفع الحصار، إضافة للسماح لتركيا إقامة محطة توليد كهرباء ومستشفى ومحطة تحلية بإشراف جهات دولية.
وسيكون من بين البنود دفع إسرائيل ما مجموعه 21 مليون دولار، لصندوق إنساني تركي لتصل في النهاية لعائلات ضحايا سفينة «مافي مرمرة» التركية وكذلك الجرحى، على أن تسحب تركيا الدعاوى المقدمة ضد ضباط الجيش المتورطين في قضية الهجوم على السفينة.
ولا يشمل الاتفاق ما روج له سابقا، بقيام تركيا إغلاق مكاتب حماس، بل استبدل ذلك الطلب الإسرائيلي بتعهد يمنع حماس من استخدام أراضي تركيا لشن أي هجوم ضد إسرائيل. كما يشمل الاتفاق استئناف البلدين (تركيا وإسرائيل) التعاون الإستخباري والأمني فيما بينهما، إضافة إلى بنود اقتصادية تهم الطرفين.
وأعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن بلاده ستعمل بموجب الاتفاق على إنشاء شبكات لتوليد التيار الكهربائي وتحلية مياه الشرب في قطاع غزة وبناء مستشفى كبير بسعة 200 سرير والعديد من المشاريع الأخرى.
وذكر أن أول سفينة مساعدات ستنطلق يوم الجمعة (الماضي) من تركيا إلى ميناء اسدود الإسرائيلي وتحمل 10 آلاف طن مساعدات إنسانية، مؤكدا أن الاتفاق المعلن لا يتضمن أي وقف لإطلاق النار بين حماس وإسرائيل.
لكن بنيامين نتنياهو قال في مؤتمر صحافي تزامن مع تصريحات يلدريم، إن الاتفاق سيبقي على الحصار الأمني البحري قبالة غزة، ويمنع تعاظم قوة حركة حماس.
ولوحظ أن اسم غزة ورد في أكثر من بند من بنود الاتفاق، غير أن أي منها لم ينص بشكل صريح على «إنهاء الحصار» الإسرائيلي المفروض على القطاع، وهو مطلب عبر عنه مرات بعض زعماء تركيا، غير أن «التعنت» الإسرائيلي حال دونه، ما دفع أنقرة للتراجع مقابل تعهدات بتسهيل حركة مرور البضائع القادمة منها إلى غزة، عبر ميناء أسدود الإسرائيلي، دون ذكر ما كان مطروحا سابقا من إقامة «ممر مائي» يربط القطاع بجزيرة قبرص التركية.
وفي غزة التي ظل سكانها «مليوني فلسطيني تقريبا» ينتظرون على أحر من الجمر، خروج الاتفاق بشكله النهائي، ليروا نهاية فعلية للحصار، عبر الكثير منهم عن خيبة أملهم من الاتفاق، في حين رأى آخرون من مؤيدي تركيا أن الحكم على الاتفاق يكون من خلال الانتظار قليلا، على أمل أن يكون تسهيل مرور البضائع التركية لغزة له أثر في كسر حدة الحصار، خاصة وأن أنقرة ستكون لها كلمة مسموعة عند إسرائيل. ويأمل الكثير من أرباب العمل في القطاع، خاصة أولئك العاملين في قطاع الانشاءات أن يساهم الاتفاق في مرور سريع للبضائع والسلع التركية، المخصصة للإعمار، لضمان انتعاش سوق الانشاءات والعمل بشكل عام، خاصة وأن الحديث المبدئي يدور حول عبور البضائع من معبر بيت حانون «إيرز» بدلا من معبر كرم أبو سالم، وهو ما سيسهل الوصول، خاصة وأن المعبر الثاني مزدحم على مدار أيام الأسبوع بالعمل. وبسبب الحصار تأثر قطاع الانشاءات بشكل كبير، ما أدى إلى ارتفاع معدل الفقر ليصل إلى 65 ٪، والبطالة إلى 45 ٪، حسب العديد من التقارير الدولية والمحلية.
وعودة إلى الاتفاق من وجهة نظر السياسيين، فقد اختلفت الرؤى بشكل كبير، فحركة حماس لم تكن راضية تماما على الاتفاق، الذي وصفته بأنه شكل «انتكاسة» لتطلعات الحركة من المكاسب التي كانت ستعود عليها حال رفع الحصار، بتدخل من الحليفة القوية تركيا. والمعروف أن لحركة حماس علاقات قوية جدا مع تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، الذي استقبل وفدا قياديا رفيعا من حماس برئاسة خالد مشعل، لإطلاعه على بنود الاتفاق قبل الإعلان عنه.
وبدون أن تتطرق حماس في تعقيبها الرسمي على ما جرى من اتفاق بين أنقرة وتل أبيب، أثنت بشكل عام على الدور التركي الرسمي والشعبي، المخصص لمساعدة سكان قطاع، وعبرت الحركة في بيان لها عن شكرها وتقديرها لـ «موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وللجهود التركية الرسمية والشعبية المبذولة لمساعدة أهلنا في غزة والتخفيف من حصارها». وعبرت الحركة عن تطلعها إلى «مواصلة تركيا لدورها في دعم القضية الفلسطينية وإنهاء الحصار بشكل كامل، والضغط على الاحتلال الصهيوني لوقف اعتداءاته على شعبنا وأرضنا وفي مقدمتها القدس والأقصى».
واستذكرت الحركة الشهداء الأتراك الذين قضوا خلال الهجوم الإسرائيلي على سفينة «مافي مرمرة».
لكن في المقابل أيضا وبما يشير إلى وجود حالة من عدم الرضا لدى الحركة، قال الدكتور محمود الزهار عضو المكتب السياسي، أن هناك تخوفا مشروعا حيال النتائج التي توصل لها، لافتاً إلى أنه تضمن مرور المساعدات من ميناء أسدود، ثم المرور من معبر بيت حانون، وهو ما يعني أنه في حالة اختلاق إسرائيل أي أزمة سيتم إغلاق المعبر والميناء في وجه تلك المساعدات. كما أن مرور البضائع عبر الميناء الإسرائيلي سيؤدي إلى مضاعفة الضرائب عليها حتى لو كانت مساعدات، وهو ما يعني مضاعفة أسعارها على المواطن الفلسطيني المنهك اقتصادياً.
الزهار أيضا قال أنهم سيستوضحون في حماس من الجانب التركي ما إذا كان تراجع عن دعم مطلب الميناء في غزة بشكل تام أو تم تأجيله فقط، وأكد أن حماس ليست لديها إجابة واضحة في هذا الشأن.
وتعقيبا على حديث الزهار، أكد مراقبون أن بنود الاتفاق تشير إلى أن أي مشاريع ستنفذها تركيا أو مساعدات ستوصلها للسكان، سيكون من خلال الإشراف والمراقبة الإسرائيلية وهو ما يعني إبقاء قيودها المشددة على القطاع وفق شروط الحصار. والمعروف أن حركة حماس استفادت كثيرا من الخلاف التركي الإسرائيلي، عبر موقف تركيا المضاد لتل أبيب في كل المحافل الدولية.
وهناك مراقبون يرون أن اتفاق تطبيع العلاقات الجديد، من الممكن أن تستغله أيضا حماس لصالحها، من خلال تجنيب القطاع حربا إسرائيلية جديدة، ولعب تركيا لدور الوسيط في إبرام صفقة تبادل أسرى جديدة قد تعود بالفائدة على حركة حماس. ورغم إشادة حركة حماس بالاتفاق، إلا أن فصائل فلسطينية أخرى، شرعت في شن هجوم على أنقرة.
فحركة الجهاد الإسلامي رفضت الاتفاق، باعتباره «تطبيعا» مع إسرائيل، وقالت أنها ترفض «الصلح والتطبيع مع العدو الصهيوني من قبل أي طرف عربي أو إسلامي تحت أي مبرر أو ذريعة».
أما تنظيم الجبهة الشعبية فقد هاجم الاتفاق، واعتبر أنه «يدشن تطوراً في العلاقات والتعاون الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل، والمستمر منذ إعلان قيام دولة الاحتلال».
وأكدت أن الاتفاق «يعكس سقف الاهتمام والأولويات لدى حكومة أردوغان التي لم تقطع علاقاتها الأمنية والعسكرية مع إسرائيل رغم التضليل وعنترية التصريحات الرسمية التركية التي رهنت تطبيع العلاقة بين الدولتين بإنهاء الحصار على قطاع غزة».
أشرف الهور