الميديا الحديثة ووسائط الاتصال، لها من السحرما لم يخطر على عقل، ولها من الفعل والأثر ما يتجاوز الحدود ويتعدى القيود ويخترق العقول.. لقد ادركت النخب السياسية والثقافية ومراكز صنع القرار في الغرب ما للصور والألوان المتدفقه عبر الوسائط ووسائل الاتصال الحديثة من إمكانيات، بلا حدود وطاقات تكاد تلامس المستحيل. ويمكن القول ان نهاية الثمانينيات ومع بدء انطلاق البث الفضائي كان الإعلام يخطو خطواته الكبرى للوصول الى مستويات غير مسبوقة في احداث الأثر وصنع الحدث والسيطرة على القلوب والعقول وزلزلة الامبراطويات وتدميرها، من دون قطرة دم او طلقة نار. في نهايه ثمانينيات القرن الماضي قاد غورباتشوف اوركسترا التغيير في اوروبا الشرقية على ايقاعات وانغام سيمفونية الإعلام الغربي، بعد ان صوره الإعلام الغربي بطلا سيعيد للنظرية الاشتراكية ألقها وهي تحتضر، يتصدر عناوين الأخبار في كل بقاع العالم ولم يكن يتصوران ما ظنه إعادة بناء ومراجعة وإصلاح سيتحول الى زلزال مدمر أطاح بكل قادة المنظومة الاشتراكية ورموزها ومنظريها ومناصريها. كان الإعلام الغربي يحرض ويصفق ويرصد ويتلاعب بالصور بالطريقة التي تحقق أهداف القائمين عليه، وتحول مركز المنظومة السوفييتي الى شظايا دويلات وقوميات واثنيات، نتيجة لذلك السيل الجارف من الصور والاضواء والتحريض والألوان، الذي اجتاح عواصم اوروبا الشرقية، ودغدغ أحلام شعوبها التواقة الى فردوس الرفاهية والثراء والترف، الذي تعيشه شعوب الغرب، كما يصورها الإعلام الغربي. ولم يكن غورباتشوف بمنأى عن دفع فاتورة الأضواء، فكان الانقلاب عليه من جنرالات الجيش السوفييتي، الذين حاولوا إيقاف عجله التاريخ واعادة الزمن الى الوراء. لكن يلتسين اعتلى صهوة الاحداث وسرق الاضواء من غورباتشوف عندما تحدى وقاوم الانقلاب عبر شاشات الـ’سي ان ان’ في الساحه الحمراء، والعالم يراقب ويشاهد على شاشات التلفزة لحظة بلحظة تحولات جذرية في تاريخ الانسانية، او نهاية التاريخ، كما قال فويوكاما، وهو جالس في مكانه. نجح يلتسين في هزيمة قادة الانقـــلاب، وكان سلاحه الرئيسي في المعركة، الاعلام. في حين فشل جنرالات الانقلاب رغم امتلاكهم لاقوى الاسلحة تدميرا في العالم، غورباتشوف خفتت من حوله اضواء الاعلام بعد ان ادى دوره، فتحول الى شحات بقميص محاضر في عواصم الغرب، لم ينج من العاصفة سوى الصين وكوبا وكوريا الشمالية. يمكننا القول ان الاعلام ووسائل الاتصال كانت غائبة هناك لدواع كثيرة، ولم تنجح في إثارة الزوابع والعواصف، لان قادة تلك الدول كانوا الاسبق في قراءة ما تقتضيه اللحظة، وسارعوا الى تحصين انظمتهم وانفسهم قبل ان تصل اليهم الاعاصير، لذلك لم تطح بهم عواصف التغيير، وخلال السنوات القليلة الماضية كانت ثورة الاعلام تضرب في قلب العالم العربي، وبدأت شرارتها من تونس، فهناك اشعل جذوة التغيير مواطن فقير يدعى محمد البوعزيزي، كانت لديه عربة خضار صادرتها شرطة حاكم عربي، فاشعل النار في جسده عندما لم يجد من ينصفه، وكان سلاح الصورة حاضر في لحظة الحدث، وتناقلت الفضائيات الخبر والصور، فكانت الشرارة التي لامست هشيم الظلم والقهر فاشتعلت تونس واشتعل العالم العربي بالاحتجاجات والانتفاضات واحلام التغيير. وهذه المرة قادت الثورات والاحتجاجات القنوات الفضائية والفيسبوك والتويتر والموبايل. ويمكننا القول انها الاسلحة الاكثر تأثيرا وتدميرا في عالم اليوم، فهي تصنع القناعات وتغيرالمفاهيم والقيم وتحلل المحرمات وتستبيح المقدسات من دون طلقة نار او قطرة دم. فلولا الفضائيات ووسائط الاتصال الحديثة لذهب البوعزيري، كما ذهب الالاف ضحايا لانظمة القمع والاستبداد العربية، من دون صرخة احتجاج او دمعة اسى، ولم تستطع الطائرات والدبابات واجهزه القمع حسم المعركة لصالح الانظمة المستبدة هذه المرة، فالفضائيات واجهزه الاتصال الحديثة تفوقت على الجيوش والاجهزة الامنية فهي توجه وتخطط وتصنع الحدث احيانا، قبل نقله الى شعوب ضاقت بحكامها، والشيء الذي لم يأخذ حقه من الاهتمام ولم يلتفت له احد بالقدر الكافي هو الدور السلبي والخطير للآلة الاعلامية ووسائط الاتصال في عالمنا العربي، فهي تفكر نيابة عن شعوب لم تأخذ حقها الكافي من التعليم، وليس لديها مناعة او حصانة ضد فيروسات العولمة والاستعمار الجديد، فتسوقها الفضائيات كيفما ارادت بعد ان جرى اختراق مقاومتها وطمس هويتها وتدمير قيمها بإسلحة الفضائيات والفيسبوك والتويتر والشات، فاصبحنا نأكل ونشرب ونتسوق حسب مقاسات ومعايير الفضائيات ووسائط الاتصال، وحتى الاخلاق والقيم اعيد النظر فيها لتواكب متطلبات العولمة والحداثه. ما يجري اليوم في سورية مشهد اخر من مشاهد سحر الصور وسطوة الميديا الجديدة، وهو تعبير صريح عن انتصار الآلة الاعلامية وتحقيقها ما عجزت عنه امريكا والناتو بالتهديد والوعيد وبطائرات الشبح وصواريخ التوماهوك، فهناك تفجر الصراع الطائفي في انصع صورة واوضح مشهد، كما ارادته وحلمت به وخططت له امريكا والصهيونية العالمية، وها هوالشرق الاوسط الجديد بدأ يتشكل بضغطة زر وومضة لون وتدفق صور، من دون ان تراق قطرة دم امريكية، فشعوب الامة تم اختراق عقول ابنائها واستباحة مبادئها وقيمها وإعاده صياغتها بما يلائم مصالح واطماع المستعمر في اوطان العروبة، فاصبحت واشنطن وباريس ولندن قبلة الحرية والديمقراطية والمثل العليا. اننا نواجه اليوم تحد من نوع جديد لم نعهده ولم نجربه من قبل، فالغزو الفكري يجتاح اوطاننا ونحن لا نعي ولا ندرك ما الذي علينا فعله لعبور هذه المحطة الوعرة من تاريخنا، لقد جرى استباحة قيم ومبادئ شعوب الامة العربية بسلاح الاعلام والعولمة، ولم يجد ابناء الامة في الاعلام الا ساحة وغى للتغني بفروسية عنترة وبطولات خالد وكرم حاتم ونوائح الخنساء، واقام ارباب المال العربي فضائيات خاصة تنقل سباقات الهجن وتتحدث عن فوائد بول النوق وتقدم النصح والوعظ في عمل الرقى والتخلص من السحر.